الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المطالب المشروعة والسبل المهلكة

المطالب المشروعة والسبل المهلكة

علي عقلة عرسان

الأنباء عن سيطرة “دولة الخلافة الإسلامية” الوليدة على ريف محافظة دير الزور، من دون السيطرة على المدينة ذاتها، وانتشارها من الموصل في العراق إلى منبج وجرابلس في الريف الشمالي الشرقي لمحافظة حلب في سوريا، واقترابها من الحدود الأردنية ـ السعودية مع العراق.. والانهيارات التي تسببها بين صفوف جبهة النصرة والتنظيمات والعشائر الموالية لها، والمبايعات المتفرقة هنا وهناك “لخليفتها إبراهيم”.. كل ذلك يطرح أسئلة، ويفتح أبواب الاحتمالات على مصراعيها، وصفحات التوقعات عدا عن صفحات الخيال الجموح .. لا سيما مع نشر خريطة، تنسب لداعش ذاتها، تبيّن التطلع إلى عودة جغرافية الخلافة الإسلامية كما كانت في ذروتها، بما فيها الأندلس، إلى حضن “الخلافة” العائدة هي الأخرى بعد تسعين سنة من الأفول، يوم أعلن أفولها كمال أتاتورك 1923 ـ 1924م .. على أن يتحقق ذلك الحلم “أي دولة الخلافة كما كانت في ذروتها” بعد عشرين سنة من الآن، وتدخل في حساب تلك السنوات خمس أولى للتمكين ومن ثم يكون الانطلاق إلى أرض الحلم ـ الخيال..؟! نعلم أن كثيرًا من الطموحات بدأت أحلامًا، وأن كثيرًا من المعلومات تنقصنا عن الطامحين الحالمين في “داعش”، وأن كثيرًا من التضارب في الرؤى والآراء حولها/حولهم وحول ارتباطاتها وقدراتها ومن يقف معها أو وراءها.. إلخ .. كل ذلك يفتح أبوابًا من دون أن يغلقها أو يتركها مواربة.
الأسئلة الأولى التي يثيرها هذا الواقع كثيرة ومتداخلة ومعقّدة أكثر من المتوقَّع والمتخيل، ومن تلك الأسئلة:
1ـ هل تقف الدول العربية، لا سيما العراق وسوريا، عاجزة عن حماية جغرافيتها السياسية التي رسختها أكثر مما رسخها اتفاق سايكس ـ بيكو ذاته، واستنفرت من أجل ذلك الجيوش واستخدمت القوة العسكرية والحماية السياسية الدولية، عبر جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، لحماية الحدود والأنظمة والسيادة “سيادة الدولة بوجه الأمة يوم كان الحلم قوميًا”، واعتبرت كيانها/القطر نهاية تاريخ وبداية تاريخ .. وذهبت أقطار عربية إلى حد مصالحة العدو الصهيوني المحتل والتحالف معه ومع دول استعمارية أخرى حتى لا تتحمل عبء تحرير أرض الأمة، في توجه أناني “لا قومي” جسَّده الإعلان السياسي الذي بدأه الأردن يوم قال بـ”أنا أولًا”، ثم كرَّت حبات المسبحة في هذا الاتجاه السياسي القطري الأناني الضيق حتى رددتها أقطار أخرى وقال بها كل سياسي كان يقارب حلم الوحدة العربية .. ومن كان من أولئك وحدويًّا ثابت المبدأ صادق العزم أو من أراد من أولئك اللجوء إلى “التقيَّة” وإظهار أنه ما زال “وحدويًّا”، قال بـ:”الوحدة على منوالي”، أنا المركز القومي ونبض القلب العربي، ومن أرادها عربية جامعة فليتبعني وليلبَس الثوب الذي فصلته .. وإلا فهو غير وحدوي؟! ومن الطبيعي أن ينفر من ذلك من ينفر، وأن يرفض الساسة دعوات الساسة في وطن العرب، لا سيما إذا كانوا في السلطة، أو أن يقبلوا تلك الدعوات/الادعاءات على مضض مراعاة لجمهور وظروف، بوصفها مدخلًا لنقض الأمر من الداخل، سواء أكان ذلك باقتناع منهم بعدمه، أو تنفيذًا منهم لتبعية تملي ذلك وولاء لقوى خارجية ترغب في أن تدمر كل تفكير عربي بوحدة العرب، أو حتى بتقارب قطرين من أقطارهم على مصلحة مشتركة محددة.
2 ـ هل تستطيع “دولة الخلافة ـ داعش” حماية نفسها وما سيطرت عليه من أرض حتى الآن، حين تواجه قوى إسلامية ترفض مشروعها أو تنافسها دمويًّا على صورته وهويته ومرجعيته، أو على مصالح ومنافع وثروات منها النفط والغاز، وجيوشًا عربية معنية بالجغرافية السياسية للدول القائمة التي تستهدفها دولة الخلافة، ودولًا إقليمية تخاف من تمددها وتعادي مشروعها أو تنافسها عليه، فضلًا عن دول غربية منها الولايات المتحدة الأميركية تعمل على أن تبقى نار الفتنة مشتعلة بين عرب وعرب، وعرب ومسلمين، ومسلمين ومسلمين “عبر الإثنيات والطوائف والمذاهب، لا سيما على الخلفية السنية ـ الشيعية” على أية أرضية كان اشتعالها، وتتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القتال والتوازنات والتحريض، لا لتحسم الاقتتال وتوقف نزيف الدم ودمار الحرب وتشريد الشعب، ولا لتنصر فريقًا على فريق بصورة تضع حدًّا للانهيارات المتتالية بانهيار كبير .. بل لكي ترسخ الفوضى القتالة والتطرف وصيغ الإرهاب، ولتبقى توازن القوى في المعارك بين كل أولئك ممكنًا ليستمر الاقتتال والتدمير والتخريب .. وهي تفعل ذلك تحت أية ذرائع وبكل الأساليب ومن دون روادع من أي نوع، وبأخلاق السياسة الفاسدة والسوق المفسدة للأخلاق والقيم والعلاقات بين البشر والأديان والثقافات والشعوب والدول..
3 ـ هل نشر الخريطة الحلم، خريطة الطموح الخلافي لاستعادة السيطرة على ما يقرب من نصف الكرة الأرضية، وهي الخريطة التي نشرت على اسم داعش في مواقع كثيرة .. هل هي من صنع داعش فعلًا ومما رسمته وأعلنته لأهداف منها جذب المبايعات واستقطاب الأنصار والتحريض على الاتباع بتضخيم التطلعات، أم أنها مجرد خريطة مصنَّعة ومفتعلَة ومنشورة باسمها لاستفزاز العالم كله ضدها، ومن ثم القضاء عليها بتعاون دولي .. وهو قضاء يعني لمن يسعى إليه القضاء على كل من يؤمن بمشروع إسلامي من المتطرفين الذين يصنفون “إرهابيين” ومن غيرهم من الإسلاميين الذين يتطلعون إلى حلم الخلافة في إطار إيمانهم بأن “الإسلام هو الحل”، حيث لا يكون الإسلام حلًا إلا بإقامة دولة الإسلام بمشروعية وشرعية واقتدار قد لا تملكها ولن تملكهما داعش؟!
إن المشروع الخلافي الذي بدأ بذلك الإعلان الداعشي لا يعني بأي صورة من الصور إلا استمرار الاقتتال وتوسعه وتجذره على أسس قومية ومذهبية على الخصوص، ودخول الوطن العربي والعالم الإسلامي في أتون صراع مميت مقيت طويل مهول، لا يبقي من الأمتين العربية والإسلامية قوة تذكر، ويؤسس لإعادة رسم جغرافية الدول والسياسات والاستراتيجيات والنفوذ الاستعماري والولاءات الدولية على أسس جديدة، يبرز فيها خصوصًا صراع بين الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية وبين تحالفات شرقية بقيادة روسيا الاتحادية .. لكن مجال ذلك الصراع وسيل الدم الذي سوف يسببه والدمار الذي يحدثه بالاقتتال سيكون بلاد العرب والمسلمين، ولن يكون من ذلك في الغرب وروسيا الاتحادية شيء يذكر .. فمشكلة أوكرانيا ليست مرشحة لاقتتال بين روسيا وحلفائها من جهة وبين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، بل هي مرشحة لأن تحصر وتنحسر ويكون لها حل ليتفرغ المعنيون بها جميعًا من بعد ذلك للصراع الأهم بينهما عبر الوكلاء والمستثمرين في الحروب والفتن في بلاد العرب والمسلمين .. وهو صراع سيكون حادًّا ودمويًّا وفادح الثمن، يظهر معه كل صراع سبق في تلك البلاد خلال السنوات الخمس الماضية مجرد كابوس في حلم تتخلله يقظات.
أما عن موضوع الحلم الخلافي الطموح الذي سيعيد ما يقرب من نصف الكرة الأرضية لدولة الخلافة الإسلامية خلال عشرين سنة، فسيكون سببًا في شدة الاقتتال في المنطقة بين أهلها، ومجالًا لتدخل الدول ذات الاستراتيجيات العالمية في شؤونها الداخلية .. إذ لن تتمكن داعش أو غيرها من فرض سيطرة على بقاع من الأرض المذكورة في “الخريطة ـ الحلم” إلا بالقوة، وهي قوة من نوع لا تملكه ولا يُتوقع أن تملكه داعش في مدى عشرين سنة من الاستقرار، فكيف وهي سنوات مرشحة لأن تكون سنوات جمر، ذلك لأنها قوة تعتمد فيما تعتمد عليه، على أسلحة دمار شامل نووية وغير نووية فضلًا عن الأسلحة العادية المتطورة جدًّا في كل مجال في البحر والبر والجو والفضاء، وتلك أسلحة ومقومات قوة وتقنيات ومعلوماتية متقدمة جدًّا يحتكر امتلاكها المتحالفون في الأطراف الدولية الكبرى المتنافسة أو المتصارعة على النفوذ العالمي، وهي دول وتحالفات دولية لا يمكن أن تسمح للآخرين، فضلًا عن دولة داعش “دولة الخلافة الإسلامية”، أن تملك أسلحة من أي نوع، ولا تسمح أصلًا بأن تقوم دولة وحدة وقوة لا عربية ولا إسلامية، وإن كانت ترغب في أن تستثمر في الاقتتال الدائر والطموحات الكبيرة والأحلام الجموح المعلن عنها.
ربما كان معبرًا عن عمق الوعي، وتجلي الإيمان، وعِظَم الشعور بالمسؤولية الوطنية والقومية والإسلامية والأخلاقية والإنسانية .. أن يتداعى أهل الحكمة والعقل والإيمان والضمير الحي، ممن يحملون الهوية بفهم ويشعرون بالانتماء لكل ما هو عربي وإسلامي بتسامح إنساني حضاري، ويهمهم المستقبل العربي والإسلامي ويعملون من أجله بمعرفة وفقه واقتدار وشرف، وممن يعني لهم الدم المهَرَاق ومستقبل الأمتين العربية والإسلامية وأجيالهما .. وممن لهم حضور وتأثير على الأشخاص والتنظيمات والدول المعنية والأحداث الجارية .. أن يتداعوا لوقف الاقتتال، ووضع حد لتفاقم الخلافات المؤدية إلى صراعات دموية مهلكة، ونزع فتيل الفتنة المذهبية وكل فتنة تقوم بين الناس في المنطقة على أية أسس كانت وأية ذرائع وأسباب أعلنت، لا سيما تلك التي تقوم على أسس إثنية أو دينية أو مذهبية أو إقليمي أو عشائري.. إلخ، والتوجه بقوة واستعداد للتضحية، التوجه نحو إيجاد حلول للقضايا موضوع الصراعات القائمة، ومعالجة الملفات موضوع التنازع والخلاف والمظالم والتمييز وانعدم الرضا عن الأنظمة والحكام والأحكام والممارسات الفاسدة المفسدة، وعن زعزعة الأنفس وثورانها ومن ثم زعزعة الاستقرار المجتمعي وانتشار الفوضى والتطرف والنار والدمار .. إن ذلك أجدى وأهم وأنفع من كل قول، وهو عبادة بحكم الإفادة وصون الروح التي حرم الله والاقتتال بين الإخوة ..” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا.. فأصلحوا بين أخويكم..”.. وهو أمر ممكن في ضوء العقل والفقه والشرع والفهم السليم للإسلام الذي ترفع باسمه سيوف وتنفذ أحكام وتتخذ مواقف وتُرسَم سياسات قد يكون فيها من الشطط والضلال وسوء التوقيت والتدبير والتفسير ما فيها .. كما أنه أمر ممكن وواجب وطني وقومي وإنساني في ضوء التوجه المنطقي نحو دولة مدنية واحترام كل مكون من مكوناتها تحت سقف الدستور والقانون على أن يحترم كل من هو مواطن فيها سيادتها وقوانينها ويرفع من شأن الانتماء الوطني إليها.
لا تأخذوا برأي من رأيه السيف في كل أمر، سواء أكبر الأمر أو صغُر، وحكموا العقل والشرع الحق والقيم الأخلاقية والإنسانية بالسيف وبحامله، وخذوا المجروح برأفة وحلم والمظلوم بالعقل والحكمة والفهم عن طريق مقاربة خلفيات الأمور وموجبات الخروج بالسيف لمن خرج شاهرًا سيفًا، على أن يمتنع عن ممارسة الغي ويثوب إلى الرشد، بعد فهم وإنصاف ووعد صادق بالعدل .. وخذوا على يد السفيه والجاهل والمتطرف، فمن يخرق سفينة الأمة يغرِقها أيًّا كان شأنه وقدره، ما لم يؤخذ على يده ويحكم بالعقل والشرع والمنطق، ويساس بالحكمة حتى لا يغافل أهل الرأي والمروءة ويلجأ إلى ما فيه الهُلكة. وليتذكر من يدخل هذه المداخل قولين نافعين حاكمين متحكمين في النتائج: “.. وحاورهم بالتي هي أحسن..” و”.. لو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك.”.. وليكن صف الحكماء والمسؤولين والفقهاء المعنيين بوقف الفتنة وإصلاح ذات البين، أولئك الذين يتصدون لنزع فتائل الانفجارات، ولحقن الدماء، ووضع حد للاقتتال والتطرف وللتصرف الخارج عن حدود المنطق والواقع والشرع بمفهوم التسامح الإسلامي المعهود .. فليكن من يتصدون لمعالجة القضايا الساخنة والملفات المعقدة المطلوب التصدي لها ومعالجتها بمسؤولية وشجاعة وعدل، وصولًا إلى المواقف المسؤولة والغايات السامية وتأليف القلوب على الحق وتصافيها بصدق .. فليكونوا على قلب رجل واحد، في صف موحَّد، تحكمهم الحكمة والمصلحة العليا للأمة ومصالح الناس، وما رسخ بحق من أحكام الدين ومنطق العقل وتجارب الشعوب ومعطيات التاريخ ودروسه، وليعمل كل منهم بنية طيبة وإخلاص تام من أجل الحق والعدل والحرية المسؤولة، ومن أجل الناس جميعًا ممن يعنيهم الأمر المعروض للحل، وعلى رأس من يعنيهم أمرهم أجيال الأمة التي تزحف نحو المستقبل من الجنين إلى الفتيان والفتيات الذين لم يبلغوا مبلغ الرشد بعد .. وليكن عملهم من دون انحياز أو انتهاز من أي نوع وفي أي مستوى، وبسرعة تقتضيها الأحداث المتسارعة والدماء المراقة والتطورات المرتقبة .. وليسند بعضهم بعضًا، ولا تأخذهم في الحق لومة لائم، وليخوضوا خير الجهاد بخير استعداد وأقواه “كلمة حق عند سلطان جائر.”، وليقف وراءهم كل من يريد السلم والأمن والعدل والحرية والوطن والحياة الآمنة المستقرة، وليكن معهم بمسؤولية وموقف بناء يسند كل موقف بناء وكل من يريد البناء على أساس من الحكمة والشرع والقانون والعلم والمعرفة.
ليس لنا من سبل نرتجي منها الخلاص والخير، مع توالي الخطوب المدلهمة، غير تلك السبل.. هذا إذا أردنا ألا نغرَق ونُغرِق معنا الأمتين العربية والإسلامية والمستقبل كله في مناقع الدم والإثم، وفي ظلمات التخلف والظلم والتطرف والجهل والإهاب، حيث الرعب بلا حدود والدمار بلا ضفاف، وإذا أردنا ألا نسلك للمطالب المشروعة سبلًا مهلكة، وألا نضع بلداننا وشعوبنا تحت نير استعمار جديد، لا ندري متى نتخلص منه ولا بأية تكاليف.

إلى الأعلى