الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عربدة وانتقام…وعدو لا تردعه إلا مقاومته

عربدة وانتقام…وعدو لا تردعه إلا مقاومته

عبد اللطيف مهنا

خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة لم يكتف الغزاة الصهاينة بكل ما مارسوه فيها من فنون التنكيل والعقاب الجماعي في الضفة المستباحة والقطاع المحاصر ضد الشعب الفلسطيني، وتحديدًا خلال التسعة عشر يومًا التي أمضوها في بحثهم المجنون عن مستعمريهم الثلاثة الذين افتقدوهم شمال مدينة الخليل المحتلة. إغلاقات وحصارات، وقطع للطرق ونسف للبيوت، ومداهمات واقتحامات، وتقتيل واغتيالات، واعتقالات للمئات وإعادة اعتقال للعشرات من المحررين، وقصف صاروخي وغارات جوية مكثفة على غزة المحاصرة فاقت في ليلة واحدة العشرين إغارة في استهداف لثلاثين موقعًا. هم الآن، وقد عثروا على جثث المستعمرين الثلاثة في حفرة بالقرب من قرية بيت كاحل في جبل الخليل، وفشلوا حتى الآن في معرفة الجهة المقاومة التي نفذت العملية، فليس من حديث يشغل كافة مستوياتهم السياسية والأمنية والإعلامية وجمهور مستعمريهم سوى الانتقام من الفلسطينيين، أو هذه اللوثة التي باتت هدفًا هو مدار إجماع لدى كافة مستوياتهم ومشاربهم، لكنما، وفي نفس الوقت، فإن مدى ما سيذهب إليه تنفيذ مثل هذه الرغبة الصهيونية العارمة أضحى مدار انقسام لم يعد مكتومًا يدور حوله جدل علني محتدم شمل مستويات آخذي القرار لديهم، لا سيما ما يدعى بالمجلس الوزاري المصغَّر، وانسحب إلى الأدنى وصولًا إلى شارعهم.
انقسام بين متعجل ومتمهل، بين من يريده شاملًا وماحقًا، وبين من يريده انتقائيًّا مدروسًا ومتدرجًا، أو محسوبًا، بمعنى محتسب للعواقب، مع ملاحظة أنه، وفي الحالين، فليس هناك ما سيحول عندهم دون اتخاذ قرارات تهويدية تصعيدية وواسعة. أي أنهم إجمالًا، وفي لجة صراخ الانتقام من الفلسطينيين، قد اتفقوا على وجوب الرد المغالي واختلف المغالون منهم مع الأشد مغالاةً حول مداه، ولدرجة بدا فيها مجرم متطرف مثل وزير الحرب يعلون معتدلًا!
قبل العثور على جثث المستعمرين الثلاثه كان مثل هذا الجدل قائمًا أيضًا بين من دعا حينها إلى تصعيد التنكيل بالفلسطينيين، أو تحويل الحرب المصغَّرة الجارية ضدهم إلى ما هي الأكبر والأوسع، ومن دعا إلى تقليصه وتقنينه واستنسابه لا إيقافه احتسابًا لتداعياته وعواقبه على المحتلين ومعهم سلطة أوسلو. لذا شهدنا أن اتخاذهم لما دعي بقرار التقليص لاحقًا في الضفة قد تزامن مع عودتهم لمواصلة الغارات والاغتيالات في غزة، وهكذا…جدل الانتقام الراهن، أو ما بعد العثور على جثث المستعمرين، لا يختلف عن سابقه، ويدور بين ذات الطرفين منهم، أي بين المتعجل والمتمهل في الانتقام وليس حوله. بين من يريد الوصول بانتقامه إلى مداه، تصعيد تنكيلي وخطوات تهويدية تصل حد الدعوة لضم كتل استعمارية في الضفة، وإجراءات عقابية لا تستثني حتى سلطة أوسلو، وشن الحرب على غزة، وحتى إعادة احتلالها. وبين متمهل محتسب للعواقب، أو يريده عقابًا للضفة وعدوانًا على غزة مدروسًا ومتدرجًا يتجنب محاذيرهما.
هؤلاء يدركون ويتخوفون من أن زيادة التنكيل بفلسطينيي الضفة سيعجل في انتفاضتهم إن آجلًا أو عاجلا على محتليهم والمنسقين أمنيًّا معهم… ها هي جريمة اختطاف المستعمرين للفتى المقدسي محمد أبو خضير من شعفاط، والذي لم يزد على السبعة عشر ربيعًا، جهارًا نهارًا وأمام الناس وكاميرات المراقبة، وتعذيبه وقتله ثم حرق جثته وإلقائه في حرش غرب القدس، والمواجهات التي اندلعت إثرها وأدت إلى إصابة أكثر من 232 فلسطينيًّا حتى الآن، تحمل لهم معها نذرً البوادر انتفاضة لا يكتم الصهاينة خشيتهم من دنو أجل اندلاعها.
أما غزة، التي تواجه عدوانًا قائمًا ومستمرًّا عليها عبر حرب الحصار الصهيوني العربي المديد المضروب من حولها، فقد باتت في حكم من ليس لديه ما يخسره. الحصار هو الحصار، ومعبر رفح محكم الإغلاق، ومصالحة اللامصالحة، أو “اتفاق الشاطئ”، لم ينفذ منها بند واحد، ولم تفض إلى وحدة، بل ليس إلا إلى تسليم وزاراتها إلى حكومة التوافق، التي أول ما فعله توافقها حرمان موظفيها من رواتبهم، تاركة إياهم وإياها لكارثية أحوال معيشية بلغت حد أن 30% من أهلها بدون أي دخل يومي. وهي إذ باتت على صعيد المقاومة، وباعتراف الصهاينة أنفسهم، أكثر استعدادًا وجاهزية لمواجهة أي عدوان يشن عليها، فإن أي تصعيد ضدها سوف يشعل فتيل هذه المواجهة ويوسِّعها، وهذا ما يقوله ويتحسب له دعاة “ضبط النفس” من الصهاينة، أو مدعاة تردد المترددين من دعاة الانتقام منهم.
الجدل الصهيوني الدائر لا يقلل بل يسعِّر من راهن العربدة التنكيلية المتوحشة التي يواليها الصهاينة في الضفة والقطاع، هذه التي تستمد فجورها المتمادي من متواصل التواطؤ الغربي، لدى من يكيلون تعاطفهم للغزاة المحتلين بشأن مفتقديهم الثلاثة، ويحجبونه ازاء عذابات شعب بأكمله تتم محاولة إبادة وجوده ماديًّا ومعنويًّا… وللعربدة والتواطؤ خير ما يشجعهما، وهو حال أمة تمر بأسوأ مراحل تاريخها، والتي ابتليت فيها بأوزار قطرياتها الموروثة عن الحقبة الاستعمارية المباشرة، أو أشلائها القائمة المسماة دولًا، وأغلبها إما المنصرفة عن قضيتها المركزية في فلسطين، أو المنشغلة بمحاولاتها الحفاظ على كياناتها المجتزأة من وبال ما بات يتهددها بمزيد من التجزئة.
…الجدل الصهيوني على هامش جائحة الرغبة العارمة في الانتقام لن يتمخض إلا عن المزيد من التصعيد العقابي الحاقد الملازم لطبيعة هكذا عدو في الضفة، وإضمار لعدوان يتم ترتيبه على غزة، لكنه الجدل الذي يثبت أيضًا أننا إزاء عدو لا تردعه إلا مقاومته… والمفارقة أن كل هذا يجري بينما سلطة أوسلو تحاكم نشطاء جريمتهم عندها هي التظاهر ضد التطبيع!!!

إلى الأعلى