الخميس 19 أبريل 2018 م - ٣ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: وحدة الأمّة الإسلامية
خطبة الجمعة: وحدة الأمّة الإسلامية

خطبة الجمعة: وحدة الأمّة الإسلامية

الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وَجَمَعَ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ وَالدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، القَائِلُ فِي مُحْـكَمِ التَّنْزِيلِ:إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء ـ 92)، وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَضَّ أُمَّـتَهُ عَلَى التَّقَارُبِ وَالتَّرَاحُمِ فَقَالَ:(مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى)، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ الإِنْسَانَ وَهُوَ يَمْـخَرُ عُبَابَ الحَيَاةِ، لا يُمْـكِنُ أَنْ يَعِيشَ مُسْـتَقِلاً لِوَحْدِهِ، أَوْ مُنْفَرِدًا بِجَمَاعَتِهِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ يَعِيشُ فِي كَنَفِهَا، وَأُمَّةٍ يَنْتَمِي إِلَيْهَا وَيَحْـتَمِي بِهَا، يُقَاسِمُهَا آمَالَهَا، وَيَتَحَمَّـلُ مَعَهَا آلامَهَا، مُشَارِكًا أَفْرَادَهَا المَنَافِعَ وَالمَصَالِحَ، دَافِعًا مَعَهُمُ المَضَارَّ وَالمَفَاسِدَ، لِيَنْعَمَ الجَمِيعُ بِالأَمْنِ وَالأَمَانِ وَالرَّاحَةِ وَالاطمِئْنَانِ، وَتَحْـقِيقًا لِذَلِكَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ جَعَلَكُمُ اللهُ بِحَمْدِهِ أُمَّـةً وَاحِدَةً، جَمَعَهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى، وَالرُّشْدِ وَالتُّقَى، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) الَّذِي قَالَ اللهُ لَهُ:(كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) (الرعد ـ30)، فَأَكْرِمْ بِهِ مِنْ نَبِيٍّ أَرْسَى دَعَائِمَ أُمَّـتِهِ عَلَى مَبَادِئَ رَفِيعَةٍ، أَعْـلَنَهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ جَلِيلَةٍ حَيْثُ قَالَ (صلى الله عليه وسلم):(أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ, وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ, كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ, إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ, لا فَضْـلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلا لأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى).
أُمَّةَ الإِسْلامِ:
إِنَّ أُمَّـتَكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، رَبُّهَا اللهُ الوَاحِدُ، وَنَبِيُّهَا مُحَمَّدٌ الخَاتَمُ (صلى الله عليه وسلم)، وَكِتَابُهَا القُرآنُ الكَرِيمُ، تَتَّجِهُ جَمِيعُهَا إِلَى قِبْـلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي صَلاتِهَا، وَتَصُومُ شَهْرًا وَاحِدًا فِي سَنَتِهَا، وَتَحُجُّ بَيْـتًا وَاحِدًا فِي مُؤْتَمَرٍ عَظِيمٍ تَجْـتَمِعُ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ بُلْدَانِهَا، إِنَّهَا أُمَّةُ العِصْمَةِ، فَالأُلفَةُ أَسَاسُهَا، وَالأَمْنُ وَالاطمِئْنَانُ عَيْـشُهَا، وَلِمَ لا؟ وَتَحِيَّـتُهَا الَّتِي تَبُثُّهَا فِي العَالَمِينَ سَلامٌ، وَرِبَاطُهَا أُخُوَّةُ الدِّينِ كَمَا قَالَ رَبُّ العَالَمِينَ:إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (الحجرات ـ 10)، هَذِهِ الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ هِيَ الحَبْـلُ المَتِينُ الَّذِي يَرْبِطُ الأُمَّـةَ بِجَمِيعِ فِرَقِهَا وَمَذَاهِبِهَا عَلَى أُصُولِ الإِسْلامِ، الَّتِي جَاءَ القُرآنُ الكَرِيمُ آمِرًا بِهَا، وَحَضَّ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم) أُمَّـتَهُ عَلَى الالتِزَامِ بِهَا، فَجَدِيرٌ بِعُلَمَاءِ الأُمَّةِ وَعُقَلائِهَا أَنْ يُعَظِّمُوهَا وَيَسْـتَمْسِكُوا بِهَا لأَنَّهَا تُمَثِّلُ الدِّينَ الإِلَهِيَّ الخَاتَمَ، الَّذِي ارتَضَاهُ الخَالِقُ لِجَمِيعِ البَشَرِ، مَهْمَا تَعَدَّدتْ أَعْرَاقُهُمْ وَأَجْـنَاسُهُمْ، وَتَفَاوَتَتْ عَقْلِيَّاتُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات ـ 13).
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
كُلَّمَا قَرَأْتُمْ كِتَابَ رَبِّكُمْ وَجَدتُمُ الآيَاتِ تِلْوَ الآيَاتِ مُتَعَدِّدَةَ الأَسَالِيبِ مُتَّحِدَةً عَلَى فِكْرَةِ الوَحْدَةِ، إِنَّهَا (وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّـهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج ـ 78)، وَلَكِنَّ البَعْضَ أَبَى إِلاَّ أَنْ يَبُثَّ الطَّائِفِيَّةَ، وَالمَذْهَبِيَّةَ المَقِيتَةَ بَيْنَ المُسْـلِمِينَ، سَعْيًا إِلى تَمْـزِيقِ شَمْـلِهِمْ، وَتَفْرِيقِ جَمْعِهِمْ، فَلاقَتْ دَعْوَتُهُ صَدًى عِنْدَ مَنْ أَخْطَأَ فِي فَهْمِ التَّعَدُّدِيَّةِ المَذْهَبِيَّةِ، فَأَوقَعَ المُسْـلِمِينَ فِي التَّخَاصُمِ وَالتَّنَافُرِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الأُمَّـةِ أَنْ يُصَحِّحُوا المَسَارَ، وَيَسْعَوا إِلى رَأْبِ الصَّدْعِ وَجَمْعِ الكَلِمَةِ، إِنَّ أَسْبَابَ نَشْـأَةِ المَذَاهِبِ الإِسْلامِيَّةِ وَتَعَدُّدِهَا، مَرَدُّهُ لِمَا بَيْنَ النَّاسِ مِنْ فَوَارِقَ فِي الفَهْمِ وَالنَّظَرِ وَالإِدْرَاكِ، إِذِ الحَيَاةُ البَشَرِيَّةُ مُتَجَدِّدَةٌ وَفِي حَرَاكٍ مُسْـتَمِرٍّ، فَسَايَرَ الفُقَهَاءُ ذَلِكَ التَّجَدُّدَ وَأَعْمَلُوا فِكْرَهُمْ نَظَرًا وَاجْتِهَادًا وَاسْتَنْبَطُوا مِنَ الهِدَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مَا يُوَجِّهُ سَيْرَ الإِنْسَانِ وَحَرَكَتَهُ المُتَجَدِّدَةَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ لِلنَّاسِ مَذَاهِبُهُمْ المُخْتَلِفَةُ فِي فَهْمِ بَعْضِ قَضَايَا الدِّينِ، مَعَ اشْتِرَاكِهِمْ جَمِيعًا فِي الأَخْذِ بِأُصُولِهِ وَمَبَادِئِهِ وَقِيَمِهِ، وَمَا ذَلِكَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ إِلا مِنْ سَعَةِ هَذَا الدِّينِ وَمُرُونَتِهِ، وَتِلْكَ سُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ فِي التَّنَوُّعِ وَالاخْتِلافِ، الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ وَحَاضِرٌ فِي كُلِّ مَا نُشَاهِدُهُ حَوْلَنَا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود ـ 118 ـ 119) ، فَلا مَجَالَ أَبَدًا لِجَعْلِ التَّنَوُّعِ وَالاخْتِلافِ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ وَالخِصَامِ، بَلْ هُوَ مَصْدَرُ فَخْرٍ لِلأُمَّةِ تُظْهِرُ مَدَى الثَّرَاءِ الفِكْرِيِّ لأَفْرَادِهَا، وَالجُهْدِ العِلْمِيِّ لأَبْنَائِهَا، مِمَّا يَنْبَغِيْ أَنْ يُوَظَّفَ لِلتَّأْلِيفِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَتَشْجِيعِ النَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ بَيْنَ عُلَمَائِهِمْ؛ لِيَقُومُوا بِنَهْضَةِ الأُمَّةِ وَرُقِيِّهَا.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَانْبِذُوا مَا يُفَرِّقُكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا يُعَزِّزُ وَحْدَتَكُمْ، فَأَنْتُمْ عِبَادَ اللهِ إِخْوَةُ إِيْمَانٍ، فَاسْعَوْا إِلَى لَمِّ شَمْـلِ الأُمَّةِ، وَسَاهِمُوا بِكُلِّ مَا تَسْـتَطِيعُونَ لِرِفْعَتِهَا وَوَحْدَتِهَا، فَذَلِكَ مَجْدُكُمْ وَسُؤْدَدُكُمْ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ الدَّاعِي إِلَى وَحْدَةِ المُسْـلِمِينَ، سُبْحَانَهُ جَعَلَ العَاقِبَةَ للمُتَّقِينَ، وَنَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، جَمَعَ اللهُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
لَقَدْ أَمَرَ اللهُ الأُمَّةَ أَنْ تَعْـتَصِمَ بِحَبْـلِهِ وَلا تَتَفَرَّقَ، مُذَكِّرًا لَهَا بِالحَالِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْـلَ مَجِيءِ الإِسْلامِ، لِتَنْفِرَ مِنْهُ غَايَةَ النُّفُورِ، وَتَحْذَرَ مِنْهُ غَايَةَ الحَذَرِ، وَهُوَ حَالُ العَدَاوَةِ وَالفُرْقَةِ، وَالخِلافِ وَالخِصَامِ، وَالتَّنَازُعِ وَالتَّقَاتُلِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران ـ 103)، فَأَلَّفَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ التَّنَافُرِ، وَآخَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّخَاصُمِ وَالتَّقَاتُلِ، فَصَارُوا إِخْوَانًا، مُتَآلِفِينَ مُتَقَارِبِينَ، مُتَوَادِّينَ مُتَرَاحِمِينَ، (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الانفال ـ 63)، إِنَّ الأُمَّةَ الإِسْلامِيَّةَ تَمُرُّ بِمُنْعَطَفَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ خَطِيرَةٍ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، تَجْعَلُهَا فِي أَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَى الالْتِحَامِ وَالاتِّحَادِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالخِصَامِ، مُمْتَثِلَةً قَوْلَ الخَالِقِ جَلَّ وَعَلا:(وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الانفال ـ46)، فَإِنَّ التَّنَازُعَ وَالتَّخَاصُمَ دَاعٍ إِلَى الفَشَلِ وَزَوَالِ الهَيْبَةِ وَتَكَالُبِ الأَعْدَاءِ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم):(يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:(بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْـلِ)، وَلِكَيْ تَخْرُجَ الأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ كُلٌّ فِي مَوْقِعِهِ، أَنْ يَبُثُّوا رُوحَ الرَّحْمَةِ وَالتَّقَارُبِ، وَقِيَمَ التَّسَامُحِ وَالتَّفَاهُمِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْـلِمِينَ وَمَذَاهِبِهِمْ، مُسْـتَثْمِرِينَ التَّنَوُّعَ المَذْهَبِيَّ فِي إِثْرَاءِ الأَفْكَارِ وَتَقْلِيبِ الآرَاءِ لِلْوُصُولِ إِلَى الأَنْفَعِ وَالأَصْـلَحِ لأُمَّةِ الإِسْلامِ، حَتَّى يَتِمَّ لَمُّ الشَّمْـلِ وَرَأْبُ الصَّدْعِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاسعَوا جَاهِدِينَ إِلَى فَهْمٍ صَحِيحٍ لِدِينِ اللهِ، مُتَّحِدِينَ مُتَقَارِبِينَ، مُتَعَاوِنِينَ مُتَآلِفِينَ، وَلْتَسْعَوا بِكُلِّ مَا تَمْـلِكُونَ مِنْ قُدُرَاتٍ وَطَاقَاتٍ فِي جَمِيعِ المَجَالاتِ الحَضَارِيَّةِ وَعَلَى جَمِيعِ المُسْـتَوَيَاتِ: الرُّوحِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّةِ، وَالعِلْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، وَالاجتِمَاعِيَّةِ وَالاقتِصَادِيَّةِ، لِتُعِيدُوا لأُمَّـتِكُمْ عِزَّتَهَا وَكَرَامَتَهَا، وَلِتَقُومَ أُمَّـتُكُمْ بِدَوْرِهَا الرِّيَادِيِّ فِي هَذَا العَالَمِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى