الثلاثاء 23 يناير 2018 م - ٥ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (1 ـ 10)

ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (1 ـ 10)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) للاستاذ الدكتور/ رمزي محمد علي دراز أستاذ الشريعة الِاسلامية المساعد بكلية الحقوق ــ جامعة الاسكندرية.
يقول الباحث في مقدمة بحثه: إن مشاركتي في هذه الندوة العلمية المباركة بورقة بحثية بعنوان:(ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) .. وهذا الموضوع من أهم الموضوعات التي يفرضها الواقع المعاصر وما يشهده من تطور وتقدم سريع متلاحق أدى إلى إنتاج وقائع وحوادث مستجدة متطورة كمّاً ونوعاً في مجال المعاملات وفي وقائع الحياة بوجه عام.
موضحاً بأن هذه المستجدات والتغيرات تفرض على الباحثين المعاصرين في مجال الفقه الاسلامي خاصة ضرورة التصدي لهذا الواقع المتطور وتلك العلاقات المستجدة بالاجتهادو البحث في نصوص الشريعة وقواعدها الكلية ومبادئها العامة ومقاصدها الشرعية لإنزال حكم الله تعالى عليها وإخضاعها للحكم الشرعي الذي يناسبها من خلال رؤية فقهية جديدة معاصرة، وسيجد الباحث أن هذه الوقائع مهما تعددت وتنوعت وأختلفت فهي حتماً تقع تحت حكم الله تعالى إما نصاً أو إستنباطاً، يقول إلامام الشافعي ـ رحمه الله تعالى:(فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله تعالى جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها)، ويقول في موضوع أخر في نفس المعنى:(كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه بعينة حكم وجب أتباعه، وإذا لم يكن فيه بعينه طلبت الدلالة على سبيل الحق فيه بالإجتهاد).
مشيراً الى أن مردَّ ذلك في الحقيقة إلى عموم الشريعة وشمولها وخلودها حيث إقتضت إرادة الله تعالى وحكمته أن تكون الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع والرسالات ما يعني صلاحية أحكامها للتطبيق بل واجبة التطبيق في كل زمان ومكان يقول الله عزّ وجل مخاطباً نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم):(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)، ولذلك جاءت أحكامها وافية ملبية لحاجات الناس ومحققة لمصالحهم الدينية والدنيوية جامعة بين النظري من عقائد وأخلاق، وبين العملي أو التشريعي من عبادات ومعاملات .. وغيرها من شئون الحياة مما يندرج في إختصاص علم الفقه الإسلامي، وهذا القسم من الاحكام الشرعية وهو الأحكام العملية أو أحكام الفقه الإسلامي يمثل الجانب التطبيقي والعملي للشريعة، وتتجلى فيه حيويتها ومرونتها مما يجعل صلاحيتها للتطبيق حقيقة واقعة لا مجرد إفتراض نظري، حيث جمعت أحكام الفقه بين الثابت والقابل للتغيير.
وقال: ويظهر الثبات والاستقرار في الأحكام التي ورد النص عليها صريحاً قاطعاً مفصلاً حاسماً، كأحكام العبادات والحدود والكفارات والمواريث وتحديد المحرمات من النساء وأشباهها مما تبرز فيه صفة التعبد فلا يقبل الرأي ولا الاجتهاد ولا يخضع للأهواء ولا تجري عليه سنة التبديل والتغيير بالرأي والتحكم حتى لا يكون ذلك ذريعة للإبتداع في الدين، وأما عنصر المرونة والقابلية للتغيير فيبدو في أحكام الفروع العملية والمسائل الجزئية والتفصيلات التي تختلف بأختلاف الزمان والمكان والأحوال، ولذا لم يرد النص بشأنها قاطعاً حاسماً إنما جاء عاماً مجملاً متضمناً الأسـس والمبادئ العامة والقواعد التي تحكمها مع ترك التفصيلات والجزئيات للمجتهدين من الأمة في كل عصر ليستنبطوا أحكامها في ضوء الأسس والمبادئ العامة والمقاصد الشرعية، وذلك رفعاً للحرج والمشقة، ولتستوعب الشريعة أحكام الحوادث والمستجدات عبر الزمان والمكان ومهما إختلفت الظروف والأحوال.
وقال: الواقع أن أحكام المعاملات في الفقه الإسلامي من قبيل الأحكام التي تقبل الإجتهاد والرأي في فروعها وجزئياًتها التي هي بطبيعتها متغيرة، إذ جاءت النصوص الشرعية محددة أصولها وأسسها التي لا تتغير. فأوجبت الوفاء بالعقود التي هي أساس المعاملات بين الناس ومفتاحها يقول تعالى:(يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود) وأوجبت الرضا لتكوين العقود، وحرمت أكل أموال الناس بالباطل، يقول تعالى:(يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضِ منكم ..)، كما حرمت الإستغلال والربا،والغش والتدليس والكذب والغرر والمقامرة في العقود وغير ذلك من كل ما يتضمن أكل أموال الناس بالباطل. ثم تركت للعقل البشري مكنة إستنباط أحكام جزئياتها وفروعها بالإجتهاد في النصوص الشرعية المتعلقة بها، كبيان أنواع العقود وما يجوز منها وما لا يجوز، وبيان شروطها وتحديد أثارها بما لا يخالف نصوص القراًن الكريم و سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) وما أجمع عليه العلماء فلا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وبناء على ما سبق يتبين أن أحكام الفقه الإسلامي في مجال المعاملات والعلائق الخاصة بها بما تتسم به من مرونة وحيوية تستجيب بل تفرض رؤية فقهية جديدة معاصرة واعية بشأنها.
وقال: تعتمد هذه الرؤية على النصوص والقواعد والمقاصد الشرعية والأعراف والمصالح .. وغيرها من الأدلة الأحتياطية المتنوعة، وتهدف إلى إبراز حقيقة الفقه الاسلامي و طبيعته وتأكيد أصالته وحيويته، وأثبات أنه فقه كل العصور والأماكن والأحوال، وأنه قادر على مواكبة حركة الحياة وتطورها، ويستجيب لكل ما تستدعيه حاجات المجتمع العصري المتطور ويجاري ـ بل ويفوق ـ التشريعات والقوانين الوضعية في مجال المعاملات .. وغيرها من المجالات.
مؤكداً بأنه في هذه الورقة البحثية نحاول رسم ملامح هذه الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات من خلال التعرف على اسبابها، وأسسها، ومصادرها، وألياتها، ومجالها، ومقاصدها الشرعية، وذلك في خمسة مباحث وخاتمة على النحو التالي: المبحث الأول : أسباب الرؤية الفقهية الجديدة، والمبحث الثاني: الأسس العامة للرؤية الفقهية الجديدة، والمبحث الثالث: مصادرها، والمبحث الرابع: آلياتها، والمبحث الخامس: مقاصدها الشرعية والخاتمة، فالمبحث الأول يتناول: أسباب الرؤية الفقهية الجديدة، حيث إن الحاجة إلى رؤية فقهية جديدة للعلائق في مجال المعاملات ترجع بلا شك إلى واقع العالم المعاصر وما يشهده من تطورات سريعة متلاحقة مسِّت جوانب الحياة الإنسانية العلمية والتكنولوجية والإجتماعية والإقتصادية وغيرها من مجالات الحياة، وما صاحب ذلك من تطور هائل بشأن وسائل الإتصالات الحديثة وتقنياتها وتنوعها وانتشارها. يضاف إلى ذلك تطلعات الشعوب إلى حقوق جديدة في إطار ما طرحته منظومة حقوق الإنسان العالمية، فهذا التقدم العلمي والتكنولوجي الذي تشهدة البشرية في العصر الحديث يلقى بظلاله ونتائجه بلا شك على كافة جوانب الحياة والعلاقات بين الأفراد والدول.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى