السبت 21 يوليو 2018 م - ٨ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ذكـرى ميـلاد الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) ونشأته (3)

ذكـرى ميـلاد الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) ونشأته (3)

ناصر بن محمد الـزيـدي:
الحمد لله رب العـالـمين والصلاة والسلام عـلى سـيـد الأولـين والآخـرين، وخـاتم النبييـن والـمـرسـلـين ، وعـلى آله وصحـبه الطـيبين الطاهـرين أجـمـعـين وبعـد:
فإن الحـديث عـن الـرسـول محمد بن عـبـدالله بن عـبـدالـمـطـلب الهاشـمي الـقـرشي، حـديـث عـن الـرحـمة الـربانيـة الـمهـداة للـبشـرية جـمـعـاء، عـن ذكـرى مـولـد الـرسـول الـمـرسـل رحـمة للعالـمـين، قال الله تبارك وتعـالى:(وما أرسـلـناك إلا رحـمة للعـالـمين) (الأنبياء ـ 107).
والحـق ما شهـد به الأعـداء:
وقـد شـهـد له خصـومه بعـد البـعـثة، بتلك السـجايا الكـريمة ولم يستـطـيـعـوا إنـكارها مـع كـفـرهـم به، فـهـذا رجـل مـن ألــــد أعـدائـه، هـو الـنـضـر بن الحاـرث مـن بني عـبـدالـدار، كان يقـول لقـومه عـنـد مـا اجـتـمعـوا لـيـتـفـقـوا عـلى ما يقـولـونه ويـفـترونـه عـلـيه لـيصـرفـوا عـنه الـناس في مـوسـم الحـج.
قـد كان محمد فـيكـم حـدثاً، أرضاكـم فـيكـم وأصـدقـكـم حـديـثاً وأعـظـمكـم أمانة، حـتى إذا رأيـتـم في صـدغـه الـشـيـب، وجـاءكم بما جـاءكـم به، قـلتـم سـاحـر، لا والله ما هـو بـساحـر.
ولـما سـأل هـرقــل ملك الـروم أبا ســفـيان:(هـل كــنتـم تـتهـمونه بالكـذب قـبـل أن يقـول ما قال؟، قال أبـو سـفـيان: لا، فـقـال هـرقـل: ما كان لـيـدع الكـذب عـلى الـناس ويـكـذب عـلى الله) ـ أخـرجـه الـبـخاري وغـيره، وكان (صلى الله عـليه وسـلم) يسـمـع السلام عـلـيه مـن الأشـجار والأحجـار التي يمـر بها.
وكان الـيـهـود في الـمـدينة الـمـنـورة يستـفـتحـون به عـلى الـذين كـفـروا الأوس والخـرج، ويقـولـون : لقـد دنى مـبعـث نبي آخـر الـزمان فـسـنـتبعـه ونـقـتـلكم قـتـل عـاد وإرم، فـلما جـاءهـم ما عـرفـوا كـفـروا به، فـلعـنة الله عـلى الكافـرين، قال الله تبارك وتعالى:(ولـما جـاءهـم كـتاب مـن عـنـد الله مصـدق لـما معهـم، وكانـوا مـن قـبـل يستـفـتحـون عـلى الـذيـن كـفـروا فـلـما جـاءهـم ما عـرفـوا كـفـروا به، فـلعـنة الله عـلى الـكافـرين) (البقـرة ـ 89).
وحـدث عاصـم بن قــتـادة عـن رجـال من قـومه قالـوا: إنما دعا للإسـلام مـع رحـمة الله تعالى، ما كـنا نسمعه مـن أحـبار الـيهـود كـنا أهـل شــرك وأصحـاب أوثـان، وكانـوا أهـل كـتاب عـنـدهـم عـلم لـيس لـنا، وكانت لا تـزال بيننا وبينهـم شـرور، فإذا نـلـنـا منهم بعـض ما يكـرهـون، قالـوا لـنـا: قـد قـرب زمـان نـبـي يـبـعــث نـقـتـلكـم معه قـتـل عـاد وإرم، فـكـثـيراً ما نسـمع منهـم ذلك، فـلـما بعـث الله محمدا أجـبنا حـين دعـانـا إلى الله، وعــرفــنـا ما كانـوا يتـوعـدونـنا به فـبادرناهـم إلـيه، فآمـنا بـه وكـفـرواً.
كان الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) بعـيـداً عـن فـكـرة الـنبـوة وبمـعــزل عـنها، فـقـد كان مـن أشــراف قـومه، وقـد مـنـحـه الله الـيسر بعـد العـسر، فـكان مـوفـقا في تجـارته، فـلم يكـن بحـاجـة إلى أن يـدعي الـنبـوة ابتـغـاء الـجـاه أو الـمال مـن ورائـهـا وفي ذلـك يقـول الله تبارك وتعالى:(ألـم يجـدك يتيما فـآوى. ووجـدك ضـالا فهـدى0ووجـدك عـائلا فأغـنى) (الضحى 6 ـ 8)، فـعـدد الله عـليه تلك النعـم، فأواه، وأرشـده، وأغـناه.
نـزول الوحي ومـوقـف خـديجـة:
ولـما جـاءه الـوحي وهـو في غـار حـراء، ورجـع إلى خـديجـة يـرجـف فـؤاده مـن الـروع ، قالـت لـه: والله لا يخـزيـك الله أبـداً، إنـك لـتـصـل الـرحـم، وتحـمـل الكـل، وتكـسب الـمعـدوم، وتـقـري الضـيـف وتعــين عـلى نـوائـب الحـق.
موقـف قـريش مـن الـرسـول:
ولما رأت قـريش ظهـور الإسـلام، وجـلوس المسلمين حـول الـكعـبة، سـقـط في أيـديهـم، فـمشوا إلى عـمه أبي طالب حـتى دخـلـوا عـليه فـقـالـوا: أنت سـيـدنا وأفـضلـنا في أنفـسنا، وقـد رأيـت هـذا الــذي فـعـل هـؤلاء مـع ابن أخـيك مـن شـركهـم آلهـتـنا، وطـعـنهـم عـلـينا وتسفـيهـهـم أحـلامنا وجـاؤوا مـعـهـم بعـمارة بن الـولـيـد بن الـمغــيـرة، فـقالـو: قـد جـئـناك بفـتى قـريـش جـمالا ونسبا ونهادة وشـعـراً، نـدفـعـه إلـيـك فـيـكـون نصـره وميـراثـه لـك.وتـدفـع إلـيـنـا ابن أخـيـك فـنقـتله؟، قال أبـو طالب: والله مـا أنصفـتـموني، تعـطـونني ابـنـكـم أغـذوه لكـم، وأعـطـيكـم ابن أخـي تـقـتـلونـه؟ قالـوا: ارسـل إلـيه فـلـنـعـطـيه الـنـصف، فأرسـل إلـيه أمـه أبـو طالب فجـاء رسـول الله ـ صلى الله عـليه وسـلم ـ فـقال أبـو طالـب: يا ابن أخي هـؤلاء عـمومـتـك، وأشـراف قـومـك وقـد أرادوا أن ينصـفـونـك.
فقال (صلى الله عـليه وسـلم):(قـولـوا أسـمع)، قالـوا: تـدعـنا وآلهـتـنا، ونـدعـك وآلهـتـك؟، قال أبـو طـالب: قـد أنصـفـك القـوم فأقـبـل منهـم ، فـقال (صلى الله عـليه وسـلم):(أرأ يـتـم إن أعـطـيتكم هـذه هـل أنتـم معـطي كلـمة إن أنـتـم تـمـلكـون بها ملـك العـرب، ودانت لكـم بها العـجـم؟، فـقال أبـو جهـل: إن هـذه كـلـمة مـربحـة نعـم وأبيـك لنـقـو لـنها وعـشرا أمثـالها.
قال (صلى الله عـليه وسـلم): قـولـوا:(لا إلـه إلا الله) فاشـمأزوا ونفـروا منهـا، وغـضـبـوا وقامـوا وهـم يقـولـون: اصـبروا عـلى ألهـتكم إن هـذا شيء يـراد.فـلما رفـض أهـل مكـة الإيمان بما جـاءهـم به (صلى الله عـليه وسـلم)، أمـره الله تعالى أن يقـول لهـم:(لـو شـاء الله ما تـلـوتـه عـليـكـم ولا أدراكـم بـه، فـقـد لبـثـت فـيكـم عـمـراً مـن قـبلـه أفـلا تـعـقـلـون) (يـونـس ـ 16).
وقـد عـرض عـليه قـومه: الـمـلك والـمال عـلى أن يـترك الـدعـوة إلى الله، فـرد عـروضهـم بإباء وإصـرار، وقـد وردت الـرواية أنه قـال:(لـو وضـع الشمس عـن يمـيني والقـمـر عـن يسـاري عـلى أن أتـرك هـذا الأمـر ما تـركـته) .. وللحديث بقية.

إلى الأعلى