الأربعاء 25 أبريل 2018 م - ٩ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاحتفال بالمولد الشريف بين المؤيدين والمعارضين والرأي المتوازن في المسألة (3 ـ 3)

الاحتفال بالمولد الشريف بين المؤيدين والمعارضين والرأي المتوازن في المسألة (3 ـ 3)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
.. وأما الأفاضل المعارضون، والذين لهم رأي معتبر، واعتمدوا فيه كذلك على الأدلة التي صحت لديهم، ونبدؤهم بالإمام ابن تيمية الذي يقول:”اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن من شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها (…) فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه ولو كان خيرا محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص، وكذا الإمام الشاطبي الذي قال في معرض ذكره للبدع المنكرة: ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي (صلى الله عليه وسلم) عيداً وما أشبه ذلك، والإمام تاج الدين الفاكهاني: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنّة ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسّكون بآثار المتقدمين، والفقيه ابن الحاج الذي قال: ذلك زيادة في الدين ليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه، لأنهم أشد الناس اتباعا لسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتعظيما له ولسنته (صلى الله عليه وسلم) ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم وقد علم أن اتباعهم في المصادر والموارد.
وأما المعارضون من المتأخرين، فمنهم محمد بن إبراهيم آل الشيخ الذي صرح بقوله: لم يكن الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم) مشروعاً ولا معروفاً لدى السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ ولم يفعلوه مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان خيراً ما سبقونا إليه فهم أحق بالخير وأشد محبة للرسول (صلى الله عليه وسلم) وأبلغ تعظيماً له .. فلما كان غير معروف لدى السلف الصالح ولم يفعلوه وهم القرون المفضلة دل على أنه بدعة محدثة، وبالطبع فإن منهم فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز، مفتي المملكة العربية السعودية السابق، حيث قال: إن الاحتفال بالمولد النبوي ـ على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بدعة، لا تجوز في أصح قولي العلماء لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفعله، وهكذا خلفاؤه الراشدون، وصحابته جميعاً ـ رضي الله عنهم ـ وهكذا العلماء وولاة الأمور في القرون الثلاثة المفضلة، وإنما حدث بعد ذلك بسبب الشيعة، ومن قلَّدهم، فلا يجوز فعله، ولا تقليد من فعله، وذهب إلى ما ذهب إليه العلامة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني الذي قال: إن هذا الاحتفال أمرٌ حادث، لم يكن ليس فقط في عهده (صلى الله عليه وسلم) بل ولا في عهد القرون الثلاثة .. ومن البدهي أنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) في حياته لم يكن ليحتفل بولادته ذلك لأن الاحتفال بولادة إنسان ما إنما هي طريقة نصرانيَّة مسيحيَّة لا يعرفه الإسلام مطلقًا في القرون المذكورة آنفًا فمن باب أولى ألاَّ يعرف ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكل علماء المدرسة السلفية المعاصرة، ومنهم فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الذي قال: إذا كان كذلك فإن من تعظيمه وتوقيره والتأدب معه واتخاذه إماماً ومتبوعاً ألا نتجاوز ما شرعه لنا من العبادات لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توفي، ولم يَدَعْ لأمته خيراً إلا ودلهم عليه، وأمرهم به، ولا شراً إلا وبيَّنه لهم، وحذرهم منه وعلى هذا، فليس من حقنا ونحن نؤمن به إمامًا متبوعًا أن نتقدم بين يديه بالاحتفال بمولده، أو بمبعثه، والاحتفال يعني الفرح والسرور، وإظهار التعظيم، وكل هذا من العبادات المقربة إلى الله، فلا يجوز أن نشرع من العبادات إلا ما شرعه الله ورسوله، وعليه، فالاحتفال به يعتبر من البدعة.
تلك هي أقوال كلٍّ من المؤيدين والمعارضين، وهذه هي فتاواهم من واقع ما كتبوه، وقالوه في كتبهم، ولكن ما الذي يمكن أن يأخذ به المسلم العادي الذي لا إلمام له بكل تلك الأقوال؟!، ولا يحسن فهمها، ولا إدراكها؟!، وفي الوقت نفسه هو إنسان مؤمن، موحِّد، يحب الرسول الكريم، ويرجو أن يعرف شيئاً عن سيرته وسُنَّته، وينتظر مجيء الشهر الفضيل شهر المولد ليتعلم من علماء بلده طرفًا من تلك السيرة، ويرجو من الله القبول، والسير على خُطَى الرسول، فمن يعلِّم مثل هذا الفقير علميًّا، المحب قلباً وقالباً سُنَّة الرسول؟، ومن يقفه على أخلاقه وسيرته؟، وكيف كانت الحياة معه تمضي على أجمل وأكمل وأرقى ما تكون؟!، أليس من الأجدى، وقد تكاثرت على المسلمين وسائل التواصل التي أقضَّت عليهم مضاجعهم، وأبعدتهم عن الله ورسوله، ومالتْ بهم ناحية الدنيا وزينتها، وحرق الأوقات، وتآكل الساعات، وضياع العمر، أليس من الأجدى أن تحتفل المساجد والمؤسسات الدينية طوال الشهر بإحياء سنته الشريفة، وتعليم الناس سيرته العطرة كاملة، وتبصيرهم بآداب الإسلام، وبأخلاقه السنية، وحياته الكريمة مع الله؟، وكيف كان يحل المشكلات الناجمة؟، وكيف كان يصلح بين الناس؟، ويحببهم إلى ربهم؟، وكيف كان يجاهد نفسه ويجاهد الأعداء؟، وكيف أعاد للإسلام والمسلمين عزهم ومكانتهم؟، وفرض وجودهم على الخريطة الدولية؟، وأنار بالقرآن الكريم هذا الكون؟، قل لي بربك: لِمَ لا يعرف الناس البعيدون طوال العام عن السيرة النبوية، وعن أخلاقيات النبوة، وعن حياته مع زوجاته، ومع أصحابه، ومع أعدائه، ومع أصدقائه شيئا”!، لِمَ لا يعرفون حياته كلها: سلماً وحرباً، وأخذاً وعطاء، وسفراً وإقامة، وبيعاً وشراء، وصحة ومرضاً، وحبًّا وبُغْضًا، ويكون شهر ربيع هو شهر العودة لمن كان بعيداً، وشهر القرب المؤكد لمن كان منهم قريباً، ونأخذ العصا من المنتصف، ما دمنا لا نرتكب ما يخل بآداب الإسلام، ولا نبدل ولا نغير معلوما من الدين بالضرورة، ولا نقترب من ثوابت الدين وأساسياته؟!، وألا نقتصر على وضع الزينات، وأكل الحلوى، وفرش البسط لتناولها، وإنما نضيف إلى ذلك قراءة سيرته العاطرة، وتلاوة القرآن الكريم والصدقات، والقرب من الله، ورقة القلب، وخشوع النفس، وهي فرصة جيدة للتواصل الأسري، والترابط الاجتماعي، وسؤال كلٍّ عن كلٍّ، مؤتسين في ذلك بآيات القرآن الكريم كاملة، وبالسنة المكرمة قاطبة، ونتخذ من كلام العلماء، هؤلاء وهؤلاء أحسنه، ونترك شديده، وقاسيه، ونحن مبدؤنا في الحياة الذي يتماشى مع مقاصد شرعنا وديننا هو التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، والوحدة لا الفرقة، تحدونا في ذلك مقاصدُ الشرع الحنيفـ، ومرامي الشريعة، وأهدافها، وإذا كانت الأمور تقاس بغاياتها، فغاياتُنا تكمن في تبصير الناس بسيرة رسولهم الكريم، وسنة نبيهم الأمين، وأخلاق القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والعمل بهما، وتذكرهما ، ومدارستهما، وتطبيقها في هذا الشهر الفضيل، وتلك الأيام المباركة، ونتخذها فرصة لإعادة الناس إلى طريق ربهم، وسيرة رسولهم الكريم (صلى الله عليه وسلم)، أسأل الله أن يبصِّرنا بالعالم كله من حولنا، ويجعلنا نفقه متطلبات العصر، وظرف الساعة، وفرض الوقت، وأن يكتب لنا القبول في كلِّ ما نكتب، وما نقول، ويشفِّع فينا صاحبَ الذكرى العطرة، والسنة المطهرة، والشهر الفضيل شهر مولده الكريم، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وتُستنزَل البركاتُ، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى