السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / من هوامش الطلاق المحتمل

من هوامش الطلاق المحتمل

”لقد صار واضحا أن أوروبا تعيش الآن استياء بنيويا متجددا تؤشره الأولويات الإعلامية والمؤسسات السياسية الأوروبية, بل إن هناك إجماعا أوروبيا وإن تباين من دولة إلى أخرى في مجموعة الاتحاد الأوروبي أن الحماقة هي ما يحكم منهج ترامب، وأن الفرصة مفقودة حتى الآن في معالجة هذه (الأنا) المرضية الأميركية المستفحلة.”

عادل سعد

ضمن التحذير الذي أطلقته المؤسسة المالية الأوروبية للرئيس الأميركي ترامب إزاء إصراره على الإصلاح الضريبي، يكون الاتحاد الأوروبي قد وضع لبنة جديدة في جدار الافتراق عن المنهج الخارجي الذي يعتمده البيت الأبيض الآن (أميركا أولا).
والحال أن هذا التحذير أشفعه الأوروبيون بالإشارة إلى أن ترامب يقود بلاده إلى زنزانة جغرافيا، ويكون هذا التحذير قد تطابق في التوقيت والأهداف مع الموقف الأوروبي الحازم ضد قرار ترامب في نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس خلافا إلى حقيقة أن أمر هذه المدينة المقدسة محسوم أصلا لصالح أنها مدينة محتلة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، وبموجب التنوع الديموغرافي والديني الذي هي عليه منذ أقدم العصور، ويكون الأوروبيون أيضا قد استتبعوا بالرفض ما ذهب إليه الرئيس الأميركي في الانسحاب من اتفاقية باريس المناخية التي أجمعت على أهميتها أغلبية دول العالم.
لقد صار واضحا أن أوروبا تعيش الآن استياء بنيويا متجددا تؤشره الأولويات الإعلامية والمؤسسات السياسية الأوروبية, بل إن هناك إجماعا أوروبيا وإن تباين من دولة إلى أخرى في مجموعة الاتحاد الأوروبي أن الحماقة هي ما يحكم منهج ترامب، وأن الفرصة مفقودة حتى الآن في معالجة هذه (الأنا) المرضية الأميركية المستفحلة، وبأن ذلك على نقيض تام مع المبادئ والقيم الدولية التي تنص على الشراكة والتعاون والمصالح المتبادلة والنوافذ المتقابلة!
إن ما يشير إليه الموقف الأوروبي العام في هذه القناعة الجزئية ينسجم تمام الانسجام مع حقيقة دولية لا غبار عليها تتمثل بأن ما يفعله ترامب تحكمه النزعة الربحية المغلقة، وبأن الأخلاقيات التي تحركها قوة غاشمة بهامش من توحش تتصدره أولويات الأسواق في الربح المطلق حتى وإن جاء ذلك على قائمة طويلة من الخسارات المؤلمة للآخرين، وأن الرئيس الأميركي تغذيه عقلية التاجر الذي يرى الحياة مجرد صفقة عليك أن تربح بها حتى وإن أدى ذلك إلى سقوط ضحايا، وهذا هو بالتأكيد ما يتماهى وتمرد ترامب على اتفاقية باريس المناخية، وإغلاق شواطئ الولايات المتحدة أمام الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الأطلسي وكذلك استهانته، بل ومحاولة الشطب على قرارات دولية هي في حقيقة الوضع نتاج موقف يسعى إلى استعادة العدالة وحق تقرير المصير على وفق ما جاء في المقاصد النبيلة لميثاق الأمم المتحدة وما تراتب على أكثر من 72 قرارا دوليا تخص قضية القدس بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
الحال أن الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة الآن إلى هذا الافتراق عن السياسة الأميركية بنسخة ترامب؛ لأنها بذلك تبقي على الصورة الجديدة لأوروبا تتناسب والاعتذارات التي قدمتها بسبب الحقبة الاستعمارية، ولذلك تستطيع أن تؤدي الكثير من الرفض للصلف الأميركي الجديد على وفق إشارة صدرت قبل أيام من ماريجريت موجريني مفوضة الخارجية في الاتحاد الأوروبي التي أكدت فيها أن ليس لدى أوروبا أي نوازع للتمرد على القرارات الدولية.
ويحضرني السؤال هنا عن فرصة الاغتنام العربي لهذا الافتراق الحاصل بين الموقفين الأوروبي والأميركي في النسخة (الترامبية) وأسأل أيضا: هل تستطيع جامعة الدول العربية الخروج من مناخ المقبرة الذي تتنفسه الآن لتدعو إلى مواقف شراكة حقيقية مع الأوروبيين، والإفادة من إجراءات (الطلاق المحتمل) بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
لقد آن الأوان فعلا أن يعيد العرب النظر بالعديد من المواقف التي تعطي الأفضلية للعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية إذا أخذنا بحقيقة أن العرب لم (يقبضوا) أي ربح حتى وإن كان هزيلا في علاقاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية إلا بما سوقته العولمة من تفكيك للهوية القومية، ومن تشظٍّ للقوة الاقتصادية في المتاهات الاستهلاكية، وسطوة السلعة التي استشرت استجابة لحاجات هامشية متجددة، وهكذا أن العلاقات العربية مع الأميركيين لم تحرر أي اقتصاد عربي (توكل) عليها.

إلى الأعلى