السبت 21 أبريل 2018 م - ٥ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / فلسطينيو سوريا ورحلة التيه

فلسطينيو سوريا ورحلة التيه

”(البقجة)، الوعاء المُستعجل لاحتواءِ ما يُمكن حمله في رحلة التهجير، واحدة من المفردات التي رافقت مسار المآسي الفلسطينية منذ عام النكبة 1948، وقد لازمت الفلسطيني في رحلة التراجيديا التي ما زالت فصولها وتداعياتها ترتسم حتى اللحظة بالرغم من مضي نحو (69) عاما من عمر النكبة الكبرى وضياع الوطن الفلسطيني.”

علي كاتب فلسطيني ـ مخيم اليرموك
على جدران مخيم اليرموك بدمشق، كتب أحدهم: مضى الفلسطيني وهو يحمل أحماله الخفيفة في شارعه الطويل، يسير ليتعثر بمشاعر الخوف على أولاده .. إخوته .. أمه العجوز وأبيه المُقعد، ويسير دون أن يدري إلى أي مدى سيتردد صدى لعناته، وحسراته، وتنهداته .. ثم يسير ويمضي. طريق عبَدَه ليبكي عليه ثم يبكي ويبكي عليه فلا تُعينه اللحظة على ترطيب الدموع، ولا تسعفه الذكرى على إيقاف ما يجري .. فتلهت بصمات قدميه، وينطوي على حسرته، ثم يدوس ليترك حلما شاكس طفولته على الرصيف ويسير.
كادت (البُقجة) أن تكون نسيا منسيا في رحلة الدراما الفلسطينية الحزينة، لكن رحلة المآسي الفلسطينية الدائمة والمُتجددة، كانت تستحضرها دوما، وتجعل منها رفيقا وخلا وفيا للشعب العربي الفلسطيني، وتحديدا قرابة كل عقد أو نصف عقد من الزمن، ليتطور شكلها في حقيبة جديدة، لكن (البقجة) تبقى هي، هي، محمولة داخل حقيبة جلدية هذه المرة.
فقد حَمَلَ مهجرو مخيم نهر البارد من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قبل عدة أعوام أكواما من (البُقج) وهم خارجون من مخيم نهر البارد المجروح إلى متاهات جديدة داخل لبنان وحتى خارجه في منافي الشتات البعيدة. وقبلهم بسنوات قليلة كان فلسطينيو العراق، وعددهم لا يتجاوز الـ(40) ألف لاجئ فلسطيني في بلد عربي مترامي الأطراف، ضحايا حملات مسعورة وظالمة، دَفَعَت بغالبيتهم لحمل (البقج) مرة ثانية بعد نكبة العام 1948، وقد تحوّلوا إلى لاجئين جُدد في نكبة جديدة على امتداد المعمورة من أقصاها إلى أقصاها.
(البقجة)، الوعاء المُستعجل لاحتواءِ ما يمكن حمله في رحلة التهجير، واحدة من المفردات التي رافقت مسار المآسي الفلسطينية منذ عام النكبة 1948، وقد لازمت الفلسطيني في رحلة التراجيديا التي ما زالت فصولها وتداعياتها ترتسم حتى اللحظة بالرغم من مضي نحو (69) عاما من عمر النكبة الكبرى وضياع الوطن الفلسطيني.
البقجة، مُصطلح، انفرد وتَفَرَدَ به الفلسطينيون، وخاصة اللاجئين منهم عن عموم سكان وشعوب المنطقة بأسرها من المحيط إلى الخليج. فقد أعادت وقائع التغريبة الجديدة لفلسطينيي سوريا، وخاصة منهم فلسطينيو مخيم اليرموك، ومخيم حندرات شمال مدينة حلب، ومخيم سبينة في ريف دمشق الجنوبي، ومخيم درعا … الصورة الحية لنكبة العام 1948 ومفاعيلها التي ما زالت حتى الآن راسخة في الذاكرة الحية والمتقدة للشعب العربي الفلسطيني.
لقد تحوّلت (البقجة) إلى تراث وفولكلور فلسطيني محض، بل إلى أيقونة، لا يمكن القفز عنها في كتابة دراما التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر. فباتت واحدة من المُسلمات المُتعارف عليها في رحلة التيه الفلسطيني بين الوطن والشتات المحيط بفلسطين (سوريا + لبنان + الأردن)، وبين الشتات ودياسبورا المنافي البعيدة التي أصبحت في العقدين الأخيرين موئلا لقطاعات واسعة من اللاجئين الفلسطينيين الذين ضاقت بهم أرض العرب والعروبة على اتساعها. هذا هو حال مُعظم فلسطينيي لبنان والعراق الذين غَصّت بهم دول غرب أوروبا والمجموعة الإسكندنافية وكندا وأستراليا، وحنى ماليزيا وقبرص والهند وصولا إلى نيوزلندا وأستراليا، ويكاد الحال أن يُصبح الآن هو حال فلسطينيي سوريا في ظل محنتهم الأخيرة.
كانت (البقجة) وما زالت أشبه بما يسمى بـ(كيس البَحّار) المعروف في الجيوش وأنظمة الأمتعة العسكرية، فـ(البقجة) عبارة عن شرشف أو معطف أو قطعة قماش كبيرة، تضم بين ثناياها بعض الأمتعة الضرورية، عنوانا للحل والترحال وقد عادت تلك (البقجة) لتستولد نفسها هذه المرة من جديد مع نازحي الشعب الفلسطيني الذين اضطروا للخروج من مخيم اليرموك ومن عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية جراء الحرب الهمجية التي استهدفت وجودهم ووجود الوطن السوري ككل، في تغريبة جديدة باتجاه (دياسبورا) داخلية محلية في عموم مناطق دمشق وحتى لبنان إلى مخيم عين الحلوة وغيره من المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض اللبنانية، وإلى دياسبورا خارجية حيث بات تقريبا ثلث لاجئي فلسطين من المسجلين في سوريا في بلدان بعيدة على امتداد المعمورة.
تلك التغريبة، أعادت معها حالة النزوح الكبير لسكان مخيم اليرموك ومواطنيه وهم يحملون (البقج) بين أيديهم وعلى رؤوس نسائهم وأطفالهم، في رسم وترسيخ لصورة النكبة ووقائعها في وجدان ومشاعر وأحاسيس الأجيال الجديدة من الفلسطينيين من الذين ولدوا في المنافي والشتات بعيدا عن الوطن الفلسطيني ولم يشهدوا بأم أعينهم حقيقة ما جرى عام 1948، وقد ارتوت وأتخمت ذاكرتهم بوقائع النكبة المنقولة بالتواتر الشفهي على لسان آبائهم وأجدادهم الذين خرجوا من فلسطين أرض الآباء والأجداد، الوطن الأزلي للشعب العربي الفلسطيني، من حيفا وعكا ويافا واللد والرملة وصفد والناصرة وطبريا وبيسان… وهم يحملون أكوام (البقج) بين أيديهم وعلى رؤوس، ويجرجرون أطفالهم في رحلة النسيان الطويلة التي أراد منها أعداء الشعب العربي الفلسطيني إنهاء قضيته وطمسها للأبد، وعلى قاعدة “الكبار يموتون والصغار ينسون” كما قالها في حينها وزير الخارجية الأميركية جون فوستر دالاس عام 1955…
الطريف في ذلك، أن (البقجة) كانت أيضا، مصدرا مهما للناس عند استلامها المساعدات من وكالة الأونروا، التي كانت تقدم للمسجلين في سجلاتها مساعدات من الألبسة المستعملة موضوعة في (بقجة) لكل أسرة وعائلة فلسطينية حسب عدد نفوسها، وقد عادت تلك (البقجة) الآن ومعها (البطانيات) وبعض المواد الغذائية العينية لتسلم للاجئين الفلسطينيين في سوريا في مراكز الوكالة المنتشرة في التجمعات الفلسطينية في سوريا وفي مدينة دمشق.
دوائر عالمية عديدة تقود المخطط .. تحت مُسمى الهجرة غير الشرعية … الترغيب والترهيب .. العصا والجزرة .. إما أن تموت أو تهاجر…!! كل رصاصة أطلقت على قطاع غزه أو على مخيم وتجمع فلسطيني في سوريا، أو مطاردة لفلسطيني في الدول العربية هدفها التهجير ….!!
كل حصار .. كل تدمير .. كل قتل .. من أجل هجرة الوعي والهوية…! فالتهجير هو المستوى الآخر من العدوان ومن اللعبة الماكرة.. مؤامرة من أجل كي الوعي الفلسطيني…
للأسف، ولأول مرة من تاريخ الصراع لا تستطيع أن تمنع أو تُقنع البعض بعدم الهجرة لأنك وببساطة لا تستطيع أن تُقدم البديل لمن هو هائم على وجهه ..
ومع كل تلك الصورة الدرامية، ما زال فلسطينيو سوريا يقولون ويرددون كما كتبوا في خربشاتهم على جدران مخيم اليرموك: لا شيء يَكسرنا .. لن نَكتب وصيتنا الأخيرة، سَقط السقوط، ونحن نَعلو، وبقي لحمَنَا حيا… كم نَحنُ وحدنا. يا وحدنا نعم نحن وحدنا، لا برَّ إلا سواعدنا، ولا أمل إلا صوتنا.

إلى الأعلى