الأربعاء 24 أكتوبر 2018 م - ١٥ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / كواسر الصمت

كواسر الصمت

المقصود بكواسر الصمت هو تلك الثلة من السيدات الشجاعات اللائي تجاوزن حواجز الخوف وروادع الفضيحة ليعلنّ على الملأ بأنهن إنما كنّ ضحايا الاعتداء والتحرش والاستغلال الجنسي من قبل رجال هم بدرجة من القوة والنفوذ أنهن بقين يخفين هذا النوع من السلوك غير السوي لسنوات طويلة على مضض، خشية الفضيحة أو خشية خسارتهن لمصادر رزقهن التي يسيطر عليها المتحرشون.

أ.د. محمد الدعمي

لا يكاد عام ميلادي يوشك على الانقضاء حتى تتجه أبصار القادة والحكام، الفنانين والعلماء، الثوار والمصلحين صوب مجلة (تايم) TIME متأملين أن يحظوا بالاختيار لغلاف آخر أعداد المجلة لتلك السنة، تحت عنوان “شخصية العام”. وإذا ما كان هؤلاء المتنفذون والمبرزون، كل في تخصصه وحقله، يتمنون هذه الشهرة عبر الأيام الأواخر من العام، فإن هذا العدد من المجلة قد صدر مؤخرا وبصورة غير متوقعة على غلافه، وهي صورة لبضعة نساء، تحت عنوان آسر يعصف موضوعه يعصف “بالعالم الجديد” اليوم، وهو عنوان “كواسر الصمت” The Silence Breakers، كناية عن النسوة الشجاعات اللائي كشفن تعرضهن للتحرش أو الاعتداء الجنسي من قبل رجال متنفذين ذوي سطوة مالية أو سياسية ذائعة.
لذا فإن المقصود بكواسر الصمت هو تلك الثلة من السيدات الشجاعات اللائي تجاوزن حواجز الخوف وروادع الفضيحة ليعلنّ على الملأ بأنهن إنما كنّ ضحايا الاعتداء والتحرش والاستغلال الجنسي من قبل رجال هم بدرجة من القوة والنفوذ أنهن بقين يخفين هذا النوع من السلوك غير السوي لسنوات طويلة على مضض، خشية الفضيحة أو خشية خسارتهن لمصادر رزقهن التي يسيطر عليها المتحرشون. المهم، كما أرى، هو أن واحدة فقط منهن كانت هي المسؤولة عن إطلاق القدحة الأولى التي سرعان ما أشعلت النار في الهشيم، مميطة اللثام عمّا يكمن تحت أغطية النفاق الاجتماعي والبنى الاقتصادية والاجتماعية الظالمة من “عفن” هو بدرجة من الشيوع والانتشار أن أحد أعضاء الكونجرس كان بدرجة من اللاأخلاقية أنه كان يصور نفسه عاريا، فيرسل صوره الشخصية هذه لمراهقات على سبيل استدراجهن إلى مخدعه.
والحق أقول، فإن الأمر، كما يبدو اليوم، كان بدرجة من الشيوع أن هناك الكثيرات ممن وقعن ضحايا لأفخاخ المغفلات من الشابات الحالمات بالجاه والشهرة، درجة أنهن جميعا لم يتأخرن عن الكشف عن أنواع الأساليب اللاأخلاقية التي وظفها المتنفذون من أصحاب الملايين والقائمين على مفاصل السلطة، أن هبّة عمليات الكشف عن الفضائح الجنسية هذه قد تحولت إلى “حركة” اجتماعية، ثم قفزت إلى ما هو أعلى من ذلك من الأهمية عندما اتخذت محلها، “شخصية” للعام على غلاف الــ(تايم).
حاول الإعلاميون والمتنفذون من أصحاب الرساميل والمتورطين بأشكال سوء السلوك الجنسي أن يخففوا من اندفاع ووطأة الموجة بأن أطلقوا عليها عنوان “حوار” Conversation ، ذلك العنوان الذي سبق أن ناقشته في مقالة (للوطن الغراء) وهو “هاشتاج وأنا كذلك Me Too # قبل بضعة أسابيع، إلا أن ما أماطت “المحادثة” أعلاه عنه اللثام بدا أعمق وأسوأ مما كان يتوقعه الجمهور، درجة أن لا أحد يتحدث عن هذا الموضوع، عبر الآنية الإعلامية الأميركية والعالمية، دون وصفه بلفظ أكثر وقعا ودلالة، وهو “حركة”، أي أنه يكون أشبه بحركة إصلاحية اجتماعية تزيل الغائمية عما سمعناه من نفاق وأكاذيب عن سلوكيات المتنفذين وأولي الأمر هناك، أي في عوالم السياسة والفن والمال والعلوم عبر الولايات المتحدة الأميركية، بل إن ما يمكن أن يستشفه المتابع هو أن “القادم أدهى وأخطر”!

إلى الأعلى