الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الباحث والناقد عبدالله إبراهيم: المركزيات الثقافية اختطفت الفكر الإنساني وغمرته بسوء الظن

الباحث والناقد عبدالله إبراهيم: المركزيات الثقافية اختطفت الفكر الإنساني وغمرته بسوء الظن

مؤكدا أن الناقد الإشكالي في ثقافتنا العربية شخص غير مرغوب فيه

الكتابة النسوية انتزعت مكانا مهما في السرد العربي الحديث

الشعر لم يشكّل في حياة العرب غير هامش ضيق مقارنة بالسرد.. !
أجرى اللقاء: وحيد تاجا
يُعد الدكتور عبدالله إبراهيم من أعلام النقد العربي الحديث، وفي طليعة رواد الدراسات السردية في العالم العربي. وقد تَمكَّن من ضبط المدونة السردية العربية على قاعدة منهجية دقيقة، وتحليل الخطاب السردي العربي وفق رؤية نقدية جديدة. وقد زاوج في مشروعه النقدي بين البحث في السرديات العربية، والبحث في المركزيات الثقافية، وبذلك أقام مشروعه النقدي على قاعدة فكرية متينة جعلته يتوسّع في الدراسات الثقافية للظاهرة السردية في الأدب العربي. وقد حصل على جوائز عديدة منها: جائزة الملك فيصل العالمية في الآداب واللغة لعام 2014، وجائزة الشيخ زايد في الدراسات النقدية لعام 2013، وجائزة “شومان” للعلماء العرب لعام 1997. نشر أكثر من ٢٠ كتاباً. من مؤلّفاته: السرد والاعتراف والهوية، الكتابة والمنفى، والتلقّي والسياقات الثقافية، والسردية العربية، والتخيّل التاريخي، والسرد النسوي، والسرد والترجمة، وموسوعة السرد العربي (9 مجلدات)

بداية ما هو تعريفكم للنقد. وماهي التساؤلات المفترض أن يجيب عليها النقد الأدبي العربي المعاصر؟
لعلّ أفضل ما يخطر لي وأنا أفكّر بفحوى السؤال وجوابه هو أن النقد حوار منهجي منظّم يقيمه الناقد مع النصوص الأدبية، وأريد بالحوار إقامة صلة حيّة بين تصورات الناقد، وأفكاره، وفرضيّاته، ومقاصد النصوص، وما تخفيه من إيحاءات، ودلالات، على أن يجري ذلك الحوار في سياق ثقافي يعطي لهذه العملية أهمية تفيد الأدب من حيث هو فعل مجازي، وتفيد النقد من حيث هو ممارسة معرفية. ويقودني ذلك إلى القضايا المناطة بالنقد العربي، ففضلا عن بيان جماليات النصوص، وكشف أبنيتها الأسلوبية والسردية والدلالية، فيلزم، في تقديري، كشف ضروب التمثيل التي تجريها نصوص الأدب للمرجعيات الاجتماعية والتاريخية، فيدخل التأويل الذي يفيد المتلقّي في إثراء معرفته بالعالم الذي يعيش فيه، ذلك أنّ الأدب، وبخاصة السرد، لم يعد خواطر تكتب للتسلية والامتاع، بل هو بحث مجازي في الطيّات الخفية للقضايا الحسّاسة، وما زالت وظيفته مهمة في تمثيل أحوال مجتمعات ترتع في جملة من النزاعات الخطيرة في أحوالها الخاصة والعامة. لا تفضي قراءة الأدب إلى سرير النوم بل إلى الميدان العام حيث بؤر التوتر، والخوف، ونقص الحرية، والاستبداد السياسي والديني، وكافة أشكال القهر، والنقد يسهم في تغذية وظيفة الأدب بكل ذلك فيما أحسب.

زاوجت في مشروعك النقدي بين البحث في السرديات العربية، والبحث في المركزيات الثقافية؟ ما العلاقة الرابطة فيما بينهما. وأيّ منهما قادك إلى الآخر؟
جاءت العلاقة بين السرديات والمركزيات الثقافية عن تفكير متواصل استغرق وقتا طويلا، في البدء كنت مشغولا بالدرس السردي الذي تخصّصت فيه باحثا وأستاذا جامعيا، وانصرف همّي إلى استكشاف الأبنية السردية للأدب القصصي العربي قديمه وحديثه، وهو مشروع استغرق مني أكثر من ربع قرن، حررت فيه عددا من الكتب ضمن مشروع واحد متكامل انتظم فيما بعد في “موسوعة السرد العربي” بعد أن جرى تعديله، وإعادة النظر فيه، لأن المؤلّفات المنفردة كتبت في إطار مشروع واحد، وتعاقب صدورها خلال عشرين عاما، وحينما اكتملت وقع تحريرها في إطار الموسوعة، غير أن التحليل النقدي فيها لم يمتثل للشروط النقدية الضيقة، بل اهتم بسياقات النصوص، واستنطاقها، وتأويلها، فضلا عن وصف أبنيتها السردية والدلالية، ولهذا فقد كانت أقرب للدراسات الثقافية منها للنقد الأدبي بمفهومه الضيق، وبموازاة ذلك نشط لدي اهتمام بموضوع المركزيات الثقافية، ومنها الدينية والعرقية، وتوغّلت فيها باحثا عن الصور النمطية للذات والآخر، وتبيّن لي بأن المركزيات الثقافية تقوم على الأخذ بضرب من السرد يغمر الذات بالفضائل ويرمي الآخر بالرذائل، فهي سرود ثقافية تحمل رؤى تبجّل النفس، وتبخس الآخر، لكنها تستقر على سرد مخاتل يقوم على أحكام تفاضلية أو انتقاصية، وانتهيت بعد ذلك إلى ربط الصلة بين السرد بمفهومه الأدبي، والسرد بمفهومه الثقافي، فاكتمل الأمر لي في دمج المسارين الذين شغلت بهما طويلا.

رأى بعض النقّاد أن الأفكار التي توصّلت إليها في كتابيك “المركزية الغربية “و “المركزية الإسلامية” لم تأت بجديد في صلبها إنما في إثارتها أسئلة جديدة، فقد دفعت بأفكار معروفة إلى سياق لم يطرق من قبل، ما قولك في ذلك؟
ليس هذا بمستغرب عندي، فالأفكار سلسلة متواصلة ومترابطة، والناقد أو المفكر لا يوحى له بل هو يقلّب الآراء، ويكشف سياقاتها، ويوجهها ضمن القضية التي تشغله، ويثري بعضها بالتحليل والاستنطاق أو يهمل بعضها الآخر حينما لايجد لها فائدة، والقول بالابتكار الفكري ضرب من الخبل اللاهوتي الذي لا مكان له في عالم الفكر النقدي، ولست ممن يشغل فيما قال هذا أو ذاك، بل أشغل بالأفكار الجدالية التي تستبطن الظواهر الثقافية، وتوجهها إلى هذه الجهة أو تلك، فأبيّن آلية تكوّنها، والمخاطر المترتبة عليها، ومن ذلك أمر المركزيات الثقافية التي رأيت أنها اختطفت الفكر الإنساني، وغمرته بسوء الظن، فرسمت صورا مشينة للآخرين، وقد نقدت هذا التصور نقدا جذريا سواء كان غربيا أو إسلاميا، وكان من الطبيعي أن استنطق النصوص الأصلية في الفكرين الغربي والإسلامي، وبخاصة المتون الفلسفية والتاريخية والأدبية، وهي متون شائعة امتدت من إفلاطون وأرسطو، مرورا بديكارت وهيغل وماركس، وصولا إلى هيدغر، وقس على ذلك المدونات العربية الإسلامية عند ابن خلدون، والمسعودي، وأبي الفداء، وابن حوقل، وابن بطوطة، وأبي حامد الغرناطي، وابن فضل الله العمري، واليعقوبي، وعشرات سواهم. لقد بنيت سياقا ثقافيا للفكرين الغربي والإسلامي، وأجريت استنطاقا للمتون الكبرى، فتبيّن أنها في غاليتها تقوم على تمجيد الذات، والاعتكاف على الهوية المغلقة، والتمركز حول الذات، ورمي الآخر بالسوء والدونية والضلال.
على أن الأمر الذي فاق لديّ أي أهمية أخرى في هذا السياق لم يقتصر على وصف المركزيتين الغربية والإسلامية، بل ما تأدّى عنهما من تأثير سلبي على الفكر العربي الحديث، فهو فكر يتطابق من جهة في كثير من طروحاته مع الثقافة الغربية تطابقا بلغ حدّ المحاكاة، وهو في الجانب الآخر منه تطابق مع الموروث الديني اللاهوتي، وامتثل له، فقوام الفكر العربي الحديث قوام مطابقة ضدية لن تفضي إلى فائدة ترجى، ولهذا اقترحت”الاختلاف” الذي يقوم على حوار نقدي مع تلك الأصول، وذلك هو صلب مشروع “المطابقة والاختلاف”.

تصنّف عادة بأنك ناقد إشكالي، ومثير للجدل، وقد خلخلت أطروحاتك العديد من المسلمات في الساحة الثقافية العربية وأثارت الكثير من الخلافات. ما قولك أنت فيما يدور من جدل حول أفكارك في الوسطين الثقافي والأكاديمي؟
يبدو الناقد الإشكالي في ثقافتنا العربية شخصا غير مرغوب فيه، ولعلّه يكون منفيا بالمعنى الثقافي لأنه يمارس نقده للظواهر الثقافية الحسّاسة من خارج الإطار المتفق عليه بين الجماعة، ولست واثقا من وصفك لي بـ” الناقد الإشكالي” فإن كان ذلك ما قصدت إليه، فلن أنفي الوصف، بل افتخر به، فما قيمة التفكير في إطار المسلّمات، والخضوع لها، والامتثال لشروطها، ليس لذلك صلة بأي نوع من التفكير النقدي الذي يهدف إلى إبطال تلك المسلّمات، وسحب الشرعية عنها، وإبطال مفهومها، واقتراح مقاربات بديلة لوصف الظواهر الثقافية، وتحليلها، بل وتأويلها بحسب حاجات العصر الحديث، وحاجات التلقّي، ولن يخامرني الغرور في قولك بأن أطروحاتي النقدية قد خلخلت بعض المسلّمات الثقافية، فما أكتب لإشباع غرور شخصي غير أنني أتطلع فعلا إلى خلخلة تلك المسلّمات من منظور نقدي جذري يتكفل بهزّ الركائز المزوّرة التي تقوم عليها، فإن نجحت في قليل من ذلك فهو يكفي، إذ لايتاح لفرد واحد القيام بذلك، ولهذا أدعو لتأسيس تيار انتقادي يعتمد الوصف والتحليل والتأويل يكون مهيئا لخوض هذه المغامرة الفكرية.

من النقاط التي أثارت الجدل قولك بـ “علوية السرد على الشعر لدى العرب” وأن الشعر لم يشكّل في حياة العرب غير هامش ضيق مقارنة بالسرد الذي أجرى تمثيلا كبيرا للخيال العربي؟
هذا صحيح، وقد خصصت له “موسوعة السرد العربي” وهو كتاب كبير في تسعة مجلدات، وفي نحو 4000 صفحة، وقد عرض شكّا كاملا بسيادة المدوّنة الشعرية في الأدب العربي القديم والحديث، وأكّد سيادة المدوّنة السردية، ولم يكن هذا الاستبدال خاطرة متعجلة خطرت لي، ولا رغبة في المعارضة، بل هو وصف استنتجته من الموروث السردي الهائل الذي أجرى تمثيلا للخيال العربي – الإسلامي، لانظير له في الشعر، وبذلك لا أكون قد ابتكرت فكرة بل سعيت إلى تعديل تصور خاطئ، وأتمنى أن يترسخ هذا التعديل من غير خضوع للأمزجة، والرغبات، فالباحث الحقيقي ينقاد للحقائق وليس للأكاذيب، وظنّي أن وصف العرب لتاريخهم الأدبي بأنه تاريخ شعري فيه من الخطأ ما لايجوز السكوت عليه، لأنهم تكاسلوا عن وصف مأثورهم السردي، ولم تتوفر لهم الوسائل المنهجية والاصطلاحية للقيام بذلك، واقتصر الاهتمام على جانب ضئيل من المدوّنة الشعرية، كالبحث في الألفاظ والمعاني، والسرقات الشعرية، والموازنات، ولم يتجرّأ احد منهم على استكشاف الأبنية الأسلوبية والدلالية للظاهرة الشعرية، فهذا الأمر طرقه المحدثون، ومع ذلك ما حظيت الظاهرة السردية حتى بمثل ذلك، فوقع استبعادها عن مجال اهتمام مؤرّخي الأدب ونقاده، على الرغم من أنها هيمنت على التفكير الإبداعي عند العرب منذ العصر الجاهلي، ولهذا اقتضى تصحيح النظر لخطأ متوطّن أكثر من الإتيان بفكرة جديدة، وما زالت قارّة السرد العربي، حديثه وقديمه، لم تستكشف كما ينبغي، وهي تستحق أن يبذل من أجلها الجهد والوقت.

.. ايضا، من النقاط التي أثارت جدلا طويلا إقرارك بظهور الرواية العربية قبل معرفة العرب بالرواية الغربية، وقبل شيوعها في أوساطهم، وهذا ما يختلف معك فيه معظم النقاد العرب، وإلى ذلك فقد نزعت ريادة الرواية عن المصريين ممثلة في رواية “زينب” لهيكل التي صدرت في عام 1914 وعزوتها للشاميين ممثلة في رواية “وي. إذن لست بإفرنجي” لخليل خوري التي صدرت في عام 1859. ما حجّتك النقدية والتاريخية في ذلك؟
هذا جانب فحسب من المسلّمات الثقافية التي روّعتني حينما أدركتها، وما كان بإمكاني السكوت عليها، فالخوض في ثقافة القرن التاسع عشر يكشف انبثاق الظاهرة الروائية في منتصف ذلك القرن، وقبل الانتهاء منه كانت الرواية العربية، بمفهومها الحديث، وبشروطها النوعية قد أفرزت عشرات النصوص الروائية ظهر معظمها في بلاد الشام، وأقصد ببلاد الشام سوريا الطبيعية- الاجتماعية التي انقسمت الآن إلى دويلات عدة، لقد كان الساحل العربي لشرق البحر المتوسط غنيا جدا بالأفكار الجديدة، وفيه انبثقت الظاهرة الروائية قبل أكثر من نصف قرن من ظهورها في مصر والعراق وبلاد المغرب، وعلى مشارف ذلك الساحل ظهر التحديث الأسلوبي للغة العربية، وانكسرت الفصاحة المدرسية الموروثة، وفي بلاد الشام ظهر عدد وافر من المجلات المهتمة بالظاهرة السردية دون سواها، وكل ذلك يكاد يكون مجهولا لمن لم يتوغل في ثقافة القرن التاسع عشر، وليس في واردي سحب شرعية الرواية من المصريين وتسليمها للشوام، كما لم يكن في واردي الإعلاء من السرد على حساب الشعر في الأدب العربي القديم، إنما تؤكد السياقات الثقافية ما توصلت إليه، وهو أمر لم أتفرد باكتشافه فقد شاركني فيه آخرون، غير أنه مازال بحاجة إلى مزيد من الاستكشاف والتثبيت، على أنني استطيع القول بأن تعديل نشأة الرواية العربية قد بدأ يؤخذ به في غير مكان، وفيه حاولت نقض ما أشاعه الخطاب الاستعماري حول نشأة الرواية، فتلك هي الحقيقة الثقافية التي لايجوز إنكارها بجهلها، ولعل القول بريادة “زينب” للرواية العربية سوف يصبح ذكرى من ذكريات تاريخ الأدب في يوم من الأيام.

ولكن هل يحق للرواية أن تحظى بهذا الاهتمام، بل الإيهام، بأنها سيدة فنون الكتابة في هذا الزمان؟، فإذا صح أن تسيُّد الشعر الغنائي لفنون الكتابة العربية على مرّ العصور كان خطأً أضرّ بالأدب العربي؛ فإن تقديم الرواية بوصفها مرشحا لخلافة الشعر على عرش الاكتساح الجماهيري والنقدي ليس سوى إعادة إنتاج لذلك الخطأ في طبعة منقحة ؟
لست من المولعين بالسجال إنما بالحوار، وليس لدي قضية أريد إثباتها أو نفيها، وإلى ذلك فلست طرفا في التنافس بين أصحاب الأنواع الأدبية، غير أنني أرصد الظواهر الأدبية، وأجري لها مسحا ثقافيا، وأصوغ فرضيات لها صلة بالسياق الذي تظهر فيه الأنواع الأدبية، ثم أعلن عن رأيي بصراحة، ولكن ما أن يشيع الرأي حتى يقع استخدامه دليلا بيد المتنافسين في نقض أو تأييد هذا النوع الأدبي أو ذلك، أو أسبقية هذا على ذلك، وهذا تنافس شخصي ونرجسي ذي طابع إيديولوجي أنا بعيد عنه كل البعد، ولكن لايجوز للناقد أن يصرف نظره عن الحقائق الأدبية، ويهرب عنها، ولا يُسمح له بالتزوير، والتحيّز، ومع أنني لا أتّهم أحدا بذلك، فالأرجح أنّ الكسل في البحث عن تلك الحقائق في تضاعيف الماضي رجّح الأخذ بالمسلّمات بدل نقضها، والحال، فأنا ابن الوسط الأكاديمي والثقافي، وأعرف جيدا نوع الخمول الذي يغمره، وتزعجني حالة الكسل البحثي التي انتهت إلى تخدير العقول، وتعطيل الاجتهاد، فلاذت بماورثته من أقاويل مختزلة، وأوصاف مجتزأة، ولم يكن ثمة خطأ في تطور الظاهرة الأدبية عند العرب بركنيها السردي والشعري إنما الخطا في طريقة وصفها وتحليلها، ولست من القائلين باستبدال الوظائف التمثيلية بين هذا النوع وذاك، فقد كان الشعر العربي، وما زال، تعبيرا عن خواطر ذاتية ينفعل بها الشاعر، ويعبّر بها عن فرادته الإنسانية، فيما ظل السرد أمينا على التمثيل الشامل لأحوال الأمم والشعوب فضلا عن الأفراد وقضاياهم الخاصة، وإذا كان السرد العربي قد تولّى تلك المهمة الجليلة في الحكايات الخرافية، وفي السير بأشكالها الذاتية والموضوعية والشعبية، وفي المقامات، وفي الرحلات، وفي كافة المرويات الأخبارية، فإن الرواية تولّت القيام بهذه الوظيفة في العصر الحديث على خير ما ينبغي أن يقوم به الأدب، فيما انحسرت وظيفة الشعر، وتوارى، وعلى الرغم من ذلك فازدهار الظاهرة السردية اقترن بأخطاء جسيمة ينبغي على الروائيين التخلص منها، وقطع دابرها، وقد اصطلحت على كثيرين منهم بـ” غشماء السرد” بسبب جهلهم بقواعد السرد، وأعرافه، ووظيفته.

كنت اقترحت إحلال مصطلح “التخيّل التاريخي” محل مصطلح “الرواية التاريخية”، ما الهدف من هذا الاستبدال؟ وما الذي يقدّمه على صعيد السرد العربي؟. ثم ما رأيك بالانتقادات التي وجهت اليك حول أصول هذا المصطلح؟
لم تكن فكرة احلال مصطلح “التخيّل التاريخي” محل مصطلح “الرواية التاريخية” نتاج نزوة شخصية بل هي نتاج رصد لتحوّل كامل في طبيعة العلاقة بين التاريخ والسرد، فما كانت عليه تلك العلاقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والعقود الأولى من القرن العشرين تختلف عما أصبحت عليه بعد مئة عام، فقد كانت العلاقة علاقة توازي بين مادة تاريخية ومادة متخيّلة، هذا في الأقل ما رسخته تجربة جورجي زيدان وأضرابه، ويصح أن يعرّفوا بأنهم من كتّاب الرواية التاريخية، غير أن العلاقة بين المادة التاريخية والمادة السردية تغيّرت، فما عادت المادة التاريخية نتوءا صلبا في إطار سردي، بل جرى الإفادة منها على سبيل الاعتبار في المواقف، والتجارب، وربما التماثل بين تجارب الحاضر وتجارب الماضي، كما ظهر ذلك عند أمين معلوف، وواسيني الأعرج، وعبد الخالق الركابي، ويوسف زيدان، ولهذا تنكّرت الكتابة للتاريخ إلا بوصفه تجربة اعتبارية تفيد في لفت الانتباه إلى الماضي أو في الإفادة منه لنقد الحاضر، وما دام هذا التغيير قد حدث فما عاد المصطلح القديم صالحا لتعريفه أو وصفه، ولهذا اقتضى استخدام مصطلح يناسب طبيعة هذاالتغيير.

أفردت اهتماما كبيرا لمفهوم” السرد النسوي” في موسوعة السرد العربي، وسواها من كتبك، وتحدثت عن وجود فرق بين كتابة النساء، والكتابة النسويّة..؟
علاقتي بالكتابة السردية كائنا ما كانت أنواعها علاقة بحث تقوم على التآلف، والشغف، والرغبة في الاستمتاع، والفائدة، ولهذا فليس في واردي الانتصار لنوع من الكتابة أو خفض قيمته، وهو أمر حرصت عليه بطول ملازمتي لكتب السرد، وما ظنّي بأنني سوف أفرّط به، غير أن علاقة التآلف مع الظاهرة السردية لم تردم المسافة بيني وبينها، فالنقد ينبغي أن يحافظ على تلك المسافة الضرورية التي تجعله يرصد الظواهر الأدبية ولا يتماهى معها، فيصبح نقده امتدادا لها، إن وظيفته استخراج الأبنية، وكشف مضمرات النصوص، ولمّا كانت الكتابة النسوية قد انتزعت لها مكانا مهما في السرد العربي الحديث، فوجب أن التفت لها، فإذا بها منقسمة إلى قسمين، أوله انخرط في الشأن العام كتبته النساء من غير فرضيات أيديولوجية، وثانيه، وهو الذي وقفت عليه بالتفصل، كُتب بوعي نسوي يخص هوية المرأة، ووعيها بذاتها، وهو “السرد النسوي” الذي ظهر عبر منظور المرأة للعالم، وهذه ظاهرة جديرة بالاهتمام استقامت على تأكيد رؤية الأنثى، والاحتفاء بالجسد بوصفه أيقونة تلك الأنوثة، ثم ازدراء الثقافة الأبوية باعتبار أنها من تحيزات الرجال، ومخلّفاتهم، ورغبتهم في بسط سلطتهم على العالم، فهذه هي الركائز التي جرى اشتقاقها من مدونة سردية مزدهرة يعاب عليها خلل بنيوي، فحداثة تجربة الكتابة النسوية دفعت بالكتابة إلى نوع من الوثيقة الحاملة لنقمة صريحة ضد الرجال، وانكفاء نرجسي على الذات، مع ما يمور بين هذا وذاك من تغنّي بالذات، وتصريح بالآلام والآمال، غير أن كل هذا سيذهب أدراج الرياح بتراكم خبرات الكتابة، وشراكة المرأة للرجل في المجال العام.

إلى الأعلى