الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : رائحة الجنة

باختصار : رائحة الجنة

زهير ماجد

الذاكرة هي فلسطين، وسوريا، والعراق، ومصر وكل العرب .. الذاكرة هي العودة، وصباح القدس الذي كلما تكرر دخلنا الى التاريخ الأنصع.
كنت اعرج دائما على دمشق، كان بودي زيارة القدس لكنها الممنوعات، فماذا يفعل المرء مع مكان مدهش لا يمكنه زيارته، وقد كان في التاريخ مفتوحا لكل من رغبه.
كلما شاهدت صور القدس انتابني شعور غريب فيه من الحماسة ما لا يوصف .. بصراحة الواثق من عواصمي العربية، انني كلما زرت العاصمة السورية شعرت بنسيم قدسي يتسلل الى نفسي .. لعل هنالك اطلالة بين عواصم لها وهج الزمن، ومكانة التاريخ.
من المفارقات ان مغنيا صوفيا تركيا دعاني مرة إلى منزله في اسطنبول ليسمعني اغانيه الصوفية باللغة التركية طبعا، وقبل ان يبدأ، قال لي اغبطك على معرفتك للغة العربية التي هي لغة الجنة، واغبطك اكثر على قدومك من دمشق عاصمة الجنة هكذا سماها.
ببساطة اكتب عن الذاكرة المفتوحة التي تخلد فيها الأسماء المتداولة، لكنها ليست عادية، ثقل المدن مثل القدس ودمشق وبغداد والقاهرة وبيروت ومسقط وغيره ليس هينا ترداده، وليس بسيطا تداوله .. انه حنين إلى الارواح التي تشكلت منها المدن والعواصم، والارض التي ابتلعت قادة ومقاتلين ومفكرين وعباقرة وفنانين ومثقفين وعالم مهول، ولهذا قال الشاعر ابي العلاء المعري ” خفف الوطأ لا اظن اديم الارض الا من هذه الاجساد”.
كانت امنية والدي ان يزور القدس التي زارها في منتصف الاربعينات وجن جنونه عندما علم باستحالة العودة إليها .. ويوم قرر زيارتها مرة اخرى وكان ذلك في يونيو 1967 وقد احتلتها اسرائيل فعاد ادراجه من عمان بالاردن وهو دامع العين اسير القلب والوجدان .. واوصانا قبل مماته ان تحررت المدينة المقدسة بأن نصلي في مسجدها الأقصى نيابة عنه.
هي امنيات كثيرين على ما اعرف، واذا ما مر وعد ترامب المشؤوم، ستكون المصيبة حتى على رؤوس الفلسطينيين انفسهم، فكيف بالعرب والمسلمين الذين يعرفون ان لا قيمة اسلامية دينية الا بزيارة القدس.
اليوم يتكرر شعار صدح به او افتتحه ياسر عرفات ” شهداء بالملايين عالقدس رايحين ” .. لم تستعمل هذه الجملة الطنانة مع اية عاصمة عربية او عالمية لها قدسية، الا للتذكير بخصوصيتها كمدينة محتلة وفي الوقت ذاته لها طابعها الاسلامي الذي تنضح فيه الذاكرة وتزيد.
لا بد ان نردد عند كل فجر ” صباح الخير يا قدس ” .. شيء من تعب الوجدان ينزاح من البال .. اينما كان المرء عليه ان يردد تلك الجملة، اهون الإيمان ان نكررها صبحا ومساء، فهي مثل الدواء الذي يشفي، ذكراها يشفي انفسنا التواقة إليها، والتي لا بد ان يأتي اليوم وهو قادم لا محالة لندخلها كما دخلها الخليفة عمر بن الخطاب وصنع فيها العهدة المشهورة التي لا تسمح لليهود بدخول المدينة، فقط للمسلمين والمسيحيين.
مقدسة القدس، ومثلها دمشق، وكل عاصمة عربية نسج فيها التاريخ جلساته الطويلة حتى بدت كأنها اكبر عمرا منه ..

إلى الأعلى