الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / لنكن رفقة بالجنة

لنكن رفقة بالجنة

الإسلام دين تجمع وألفة ،لأنه دين الفطرة ،والإنسان بطبعه مدني ،وبفطرته اجتماعي ،لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين ،وهو أضعف من أن يستقل بنفسه عن بنى جنسه قال الله تعالى :(وخلق الإنسان ضعيفا ) سورة النساء يعني عن الصبر عما هو إليه مفتقر ،واحتمال ما هو عنه عاجز وإن من نعمة الله على الإنسان ولطفه به أن خصه بكثرة الحاجة إلى غيره ،لأن شعوره بالاستغناء عن غيره يصل به إلى الطغيان ،والبغي والعدوان.إن إنشاء الصلات وتكوين الصداقات أمر مرغوب وعمل محمود ،ولكن ضمن ضوابط وقيود ومن هنا حث الإسلام على حسن اختيار الصديق وانتقائه ،ضمانا لصفاء الحب ونقائه واستمراره وبقائه ،وقد قيل :”قل لي من صديقك ؟أقل لك من أنت”وقد جاء الأمر بحسن اختيار الأصدقاء لأن طبع الإنسان يجعله يتأثر بطبع صديقه وجليسه ،ومن ثم كان من الواجب على المرء أن ينتقي أصدقاءه ويبلوا حقائقهم قبل أن ينخرط معهم ويغشى مجتمعهم ،فإن أثر الصديق في صديقه عميق ،فالصديق حقا هو الذي يأخذ بيد صديقه إلى طريق الخير والسداد ،والهدى والرشاد ورب صديق جلس مع صديقه ساعة أنجاه ،لأنه سلك به طريق النجاة ورب آخر أهلكه وأراده ففي الصنف الأول يقول المولى :(الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ،يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) سورة الزخرف أي الأصدقاء المتحابون على معصية الله فى الدنيا يتبرأ بعضهم من بعض يوم الحساب ،لكن إذا تصادقوا وتحابوا على طاعة الله بقيت هذه المحبة ونفعتهم فى الدنيا والآخرة فيقال لهؤلاء المتقين المتحابين فى الله يا عبادي لا تخافوا من عذابي ولا تحزنوا على ما ذهب منكم من متاع الدنيا ،فلا خوف من المستقبل ولا حزن على الماضي .وفى الصنف الثاني يقول الله تعالى :(ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا ،يا ويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا ،لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ) سورة الفرقان وتذكر يوم يعض الكافر الذي ظلم نفسه بالشرك على يديه ندما وتأسفا وغبنا وتحسرا وهو يقول :يا ليتنى اتبعت الرسول صلى الله عليه وسلم واهتديت بهداه وآمنت بما جاء به ولزمت طريقه .ويقول الكافر متحسرا : يا ليتنى لم أتخذ فلانا الكافر صاحبا لي أخلص له الود لقد أغواني هذا الصديق الكافر عن القرآن بعد أن بلغني عن الرسول عليه الصلاة والسلام ،ومن عادة الشيطان وصفته أن يخذل الإنسان في كل حال ،وفى هذا التحذير من مصاحبة الأشرار ومصادقة الفجار ،لأنهم قد يوردون صاحبهم النار وغضب الجبار .وبعد كل هذا يوضح الله لنا جزاء الصحبة الطيبه أو المتقين قال تعالى :(وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين )سورة الزمر إي وسيق الأتقياء الأبرار الذين عملوا الصالحات واجتنبوا المحرمات إلى جنات النعيم ،وهم جماعات ،فوجدوا أبوابها مفتحة من قبل احتفاء بقدومهم وإكراما لهم،وحياهم الملائكة بالبشر والسرور والتهنئة قد طابوا وطاب عملهم ومثواهم لطهارتهم من الآثام فلهم السلامة من كل أذى ،والأمن من كل مخوف ،ولهم الخلود الدائم فى مقعد الصدق ودار الفوز .ولذا أوصانا رسول الله بالنظر والفحص والتدقيق في اختيار الخليل والصديق ،يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”المرء على دين خليله ،فلينظر أحدكم من يخلل”فمن أحسن اختيار صديقه كأنما أحسن اختيار حياته فالعاقل سيحسن الاختيار من حيث ثراء روح صديقه وحسن خصاله لا على أساس المظهر والثراء والمال ،فالصديق مرآة صديقه “إن رأى فيه خيرا أبقاه ،وإن رأى به عيبا أماطه عنه وألقاه .ولذا ينهانا المولى عن طاعة أصحاب الغفلة .يقول تعالى :(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا )سورة الكهف إي لا تطاوع من جعل الله قلبه غافلا عن ذكره وشكره لاهيا عن عبادته مصروفا عن طاعته وآثر الهوى على الهدى وأصبحت كل شؤون حياته ضياعا وباطلا .إن صحبة الأخيار تورث الخير ،كالريح إذا مرت على طيب حملت طيبا فالأخلاق الحسنة والعادات الطيبه تنتقل من الصديق إلى صديقه والخليل إلى خليله والجليس إلى جليسه ،ومن هنا جاء أمر رسول الله بتخير الصديق والجليس فقال صلى الله عليه وسلم :”مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك ،إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ،ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير ،إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه “ولنضرب أروع مثال للصحبة الطيبة بين صحبة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق حيث أختاره صلى الله عليه وسلم صديقا وصاحبا ورفيقا في الهجرة إلى المدينة المنورة .وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك قال من الرجال أبو بكر ومن النساء أبنته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ،وأيضا أبو أبكر أول من صدق الرسول بخبر السماء لذلك أطلق عليه المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه الصديق فهنيئا لك يا أبا بكر صحبتك لرسولنا الكريم دنيا وآخرى .ولنضرب مثال على صحبة السوء بين عقبة بن معيط وأمية بن خلف الجمحي وكيف أثر عليه ولم يدخل في الإسلام عقبة بن معيط كان من وجهاء قريش وكان هو وأمية بن خلف الجمحي خليلين وكان عقبة يجالس الرسول محمد بمكة لا يؤذيه كان رجلا حليما وكان بقية قريش إذا جلسوا مع رسول الله آذوه وكان عقبة قد صنع وليمة لقريش ودعا لها رسول الله فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم وكره عقبة أن يتأخر عن أشراف قريش فأسلم ونطق الشهادتين فأتاه رسول الله وأكل من طعامه أتدرون ماذا حصل بعد ذلك كان خليله إي خليل عقبة أمية غائب عنه بالشام فلما علم بإسلامه بات غضبان وعندما جاء عقبة ليحيه رفض الرد عليه فقال عقبة لماذا لا ترد علي التحية فقال كيف أرد عليك التحية وقد صبوت إي (أسلمت) قال عقبة نعم ثم قال رأيت عظيما ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش فقال أمية لعقبة وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا قال أبو معيط فما يبريء صدرك إن أنا فعلته ؟فقال له خليله لا أرضي حتى ترجع وتأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم وتطأ عنقه وتقول كيت وكيت ففعل عدو الله ذلك إرضاء لخليله ولما بصق عدو الله فى وجه رسولنا الكريم رجع بصاقه فى وجهه وشوى وجهه وشفتيه حتى أثر فى وجهه وأحرق خديه ،فلم يزل أثر ذلك فى وجهه حتى قتل فنذر النبي قتله فلما كان يوم بدر أنهزم المشركين وكان ضمن الأسرى فأخذه رسول الله أسيرا فى سبعين من قريش وقدم إليه أبو معيط :فقال أتقتلنى من بين هؤلاء قال نعم بما بصقت في وجهي فأنزل الله الآيات في أبي معيط قال تعالي(ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا )فقتله رسول الله يوم بدر وقتل أيضا خليله أمية في المعركة ،فلنتظر أثر صديق السوء أبو معيط نطق الشهادتين ثم أرتد بعد ذلك ومات على الكفر والشرك ويخلد في النار بسبب صديق السوء أمية وهذا الفعل يشبه الإنسان الذي يكره صديقه في الصالحين فيترك دينه ويتبعه والرسول يقول “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ولذلك يتضح لنا أضرار جليس السوء فجليس السوء مضرة على صاحبه من كل وجه وشؤم عليه في الدنيا والآخرة
1- قد يشكك في معتقداتك الصحيحة ويصرفك عنها
2- يدعو جليسه إلى مماثلته في الوقوع في المحرمات والمنكرات
3- إن المرء بطبيعته يتأثر بعادات جليسه وأخلاقه وأعماله فقد قال صلى الله عليه وسلم :”المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”رواه أبو دواد وقد قيل إياك ومجالسة الشرير فإن طبعك يسرق من طبعه وأنت لا تدري ”
4- رؤيته تذكر بالمعصية سواء كانت ظاهرة عليه أو خفية وكنت تعرف ذلك منه فتخطر المعصية في بال المرء بعد أن كان غافلا أو متشاغلا عنها .
5- أنه يصلك بأناس سيئين يضرك الارتباط بهم وقد يكونون أشد انحرافا وفسادا.
6- أنه يخفى عنك عيوبك ويسترها عنك ويحسن لك خطاياك ويخفف وقع المعصية في قلبك ويهون عليك التقصير في الطاعة وغيرها من الأضرار الكثيرة التى لا يسع الوقت لسردها
حتى نكون رفقة في الجنة قبل ذلك لابد أن نكون هنا رفقة في الدنيا على طاعة الله والبعد عن معصية الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصى بالحق والصبر بعد ذلك فى يوم القيامة نرى بعضنا بعضا لاجتماعنا على طاعة الله والبعد عن معصيته فنسأل الله أن يحسن خواتيمنا وأن يجمعنا بالصالحين والمقربين في جنات النعيم .

حميدة بنت حميد بن خليفين الهنائية
مساعد مشرفة دينية

المصادر والمراجع
1-شبكة المعلومات العالمية الإنترنت
2-الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

إلى الأعلى