الإثنين 22 يناير 2018 م - ٤ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تربية الأولاد فـي الإسلام «1»

تربية الأولاد فـي الإسلام «1»

أحمد محمد خشبة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين, وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد, فإن المجتمع الإسلامي يواجه مشكلات عظيمة في هذا العصر ومنها: التقصير والتفريط والإهمال في تربية الأولاد, وقد نتج عن ذلك الانحراف الشديد في الشباب والفتيات, وعقوق الوالدين, وقطع الأرحام, وغيرها من المفاسد, فلا بد من حل هذه المشكلة, ولكن السؤال: كيف نحلها؟ أليس هناك علماء يهتمون بالتربية؟ ومدارس وجامعات تدرس فيها التربية؟ وكتب ورسائل ومقالات تكتب في التربية؟ بلى, ولكن ليس لها أثر إلا اليسير.

ولو تدبرنا القرآن حق تدبره لوجدنا فيه حل هذه المشكلة, لأن القرآن كلام رب العالمين, والله يعلم كيف يربي مخلوقه, وما هي الأساليب والطرق المناسبة لتربية الإنسان من الطفولة حتى البلوغ. وقد بحثت في القرآن, فإذا فيه أساليب وطرق شتى لتربية الأولاد, والتي هي ضامنة لصلاح الأولاد, ومن ثم صلاح المجتمع الإسلامي. فإن القرآن هو الذي استطاع أن يقلب مجتمع العرب من الجاهلية إلى الفطرة السليمة الإسلام في أقصر مدة.
وقبل أن أخوض في صلب الموضوع أريد أن أبين مفهوم التربية لغة واصطلاحاً, وأهمية التربية عموماً, وأهمية تربية الأولاد خصوصاً, وما هي الأهداف من تربية الأولاد, وماهي المفاسد والمخاطر في إهمال تربية الأولاد والتقصير فيها. أسأل الله أن يوفقني ويوفق الجميع لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأخرانا.
مفهوم التربية:
التربية لغة: قال الراغب الأصفهاني: الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام، يقال رَبَّهُ، وربّاه ورَبَّبَهُ. وقيل: (لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن) وقال البيضاوي: التربية هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً.
وقال تعالى في قصة موسى ـ عليه السلام ـ عندما حكى قول فرعون:)ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا ..( )الشعراء ـ 18)، قال ابن كثير: ما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا, وأنعمنا عليه مدة من السنين.
وقد ورد في القرآن لفظ التزكية بمعنى التربية، حيث قال تعالى:)كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة ـ 151). قال ابن كثير: وَيُزَكِّيهم، أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودَنَس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور. وهي التربية، والتربية اصطلاحاً: ليس للتربية اصطلاح مستمر وثابت, لأن كل عصر يتجدد فيه معنى التربية, أما في عصرنا فقد عرفها علماء التربية بأنها: تنشئة الفرد وإعداده على نحو متكامل في جميع الجوانب العقدية والعبادية والأخلاقية, والعقلية والصحية, وتنظيم سلوكه وعواطفه في إطار كلي يستند إلى شريعة الإسلام, من خلال الطرق والإجراءات التي تقبلها الشريعة.
أهمية التربية عموماً:
إن التربية من أفضل الأعمال وأقرب القربات، فهي دعوةٌ، وتعليمٌ، ونصحٌ، وإرشادٌ، وعملٌ، وقدوةٌ، ونفعٌ للفرد والمجتمع، وكيف لا تكون من أعظم الأعمال وأجلِّها وهي مهمة الأنبياء والرسل، وقد قال تعالى:(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة ـ 2).
أهمية تربية الأولاد خصوصاً:
إن من أعظم ما افترضه الله علينا تجاه نعمة الذرية أن نقوم على أمرتربيتهم, وتعاهدهم بما يصلح لهم أمور دنياهم وآخرتهم, والأولاد في نظر القرآن الكريم زينةُ الحياة الدنيا, قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحياة الدنيا) (الكهف ـ 46).
إن الأبناء أمانة ومسئولية، يقول ـ عليه الصلاة والسلام:(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، ويقول الله تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (الطورـ 21) يعني بذلك تبارك وتعالى أن الذرية إذا كانت في درجة نازلة عن ذرية الآباء في الجنة فإنهم يلحقون بهم في الدرجات العليا, حتى يحصل الاجتماع في الآخرة كما حصل الاجتماع في الدنيا.
قال الإمام الغزالي:(الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ عن كل نقشٍ وصورة، وهو قابلٌ لكل نقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمالُ إليه، فإن عُوِّد الخيرَ نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عُوِّد الشر وأًهْمِلَ إهمال البهائم، شَقِيَ وهَلَكَ،وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً، وإنما يكمل ويقوى بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية، وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم).

إلى الأعلى