الأربعاء 25 أبريل 2018 م - ٩ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (تبياناً لكل شئ)

(تبياناً لكل شئ)

إعداد/ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأكارم: إن ما اشتمل عليه القرآن الكريم من أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودة والرحمة والعدالة، لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية، وإذا وازنا بين ما جاء في القرآن، وبين ما جاءت به قوانين اليونان والرومان وما قام به الاصلاحيون للقوانين والنظم بما جاء في القرآن وجدنا أن الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور.. فجاء محمد (صلى الله عليه وسلم) ومعه القرآن الذي ينطق بالحق عن الله سبحانه وتعالى من غير درس درسه, وكان في بلد أمي ليس فيه معهد ولا جامعة ولا مكان للتدارس, وأتى بنظام للعلاقات الاجتماعية والتنظيم الانساني, لم يسبقه سابق ولم يلحق به لاحق.
ذلكم ان أول ما نلحظه ونلمحه في التشريعات البشرية أنها تشريعات محددة يلائم كل منها البيئة التي وضع فيها, والمجتمع الذي وضع له مع كثير من الثغرات والسلبيات ولكن القرآن الكريم أراده الله للناس جميعا وصدق الله:(قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ).
إن تعاليم القرآن موجهة للعالم بأسره, فهي للناس في شتى أرجاء العالم كافة بغض النظر عن أصلهم أنزلت اليهم لتدخل السرور والبهجة الى قلوبهم وتطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم وتوجه مجتمعهم وتستبدل سطوة القوي بالعدل والأخوة, وقد أكد الله عزوجل أن في القرآن حلولا لجميع قضايا البشر, (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).
يعالج القرآن ــ قبل كل شئ ــ الحق الأسمى والفضيلة, وكل ما تبقى من محتوياته ونصوصه ــ كمعرفة الروح وعلوم طبيعة السماوات والأرض والتأريخ, والنبوة والنذر وما شابه ذلك ــ ليست سوى رسائل لتقوية القرآن واعطائها وزناً أكبر واقناعاً أشد. لقد أشار الغزالي ــ الفيلسوف الديني الكبير المتوفى عام 505هـ في كتابه (جواهر القرآن) إلى أن (763) آية تبحث في المعرفة و(741) آية في الهداية للفضيلة, وهذه الألف وخمسمائة وأربع آيات تمثل ــ في نظره ــ أثمن ما في الكتاب, وما تبقى ــ وهي (512) آية ــ بمثابة المظروف أو الصدفة التي تغلف تلك الجواهر (أي التعاليم).
ولهذا السبب فالقرآن له أعلى حظوة لدى المسلمين وهو ليس مجرد كتاب صلوات أو أدعية نبوية أو غذاء للروح أو تسابيح روحانية فحسب بل إنه أيضا القانون السياسي وكنز العلوم ومرآة الأجيال , إنه سلوى الحاضر وأمل المستقبل).
جوانب التشريعات القرآنية:
التشريعات القرآنية متعددة الجوانب ــ كما قلنا من قبل ــ منها: ما اصطلح على تسميته بالعبادات وهي الطهارة والصلاة والزكاة والحج، ومنها المعاملات: كالبيوع والإجارة وهي ما تعرف بالقانون المدني، ومنها الأحوال الشخصية: كالزواج والطلاق، ومنها التشريعات التي تتصل بالعقوبات: وهي ما تعرف بالقانون الجنائي، ومنها ما يعرف بالسير: وهي التي تسمى في لغة القانون العلاقات الدولية .. الى غير ذلك من تشريعات.
ولقد كان للقرآن الكريم السبق في تلك التشريعات، والمتأمل في أي جانب من هذه الجوانب وهو يقارن ويوازن بينها وبين شبيهاتها من القوانين, فسيدرك دون صعوبة أحقية التشريعات القرآنية وجدارتها بتبوء المكانة العليا, وصدق الله:(وبالحق أنزلناه وبالحق نزل), ومعنى قوله:(وبالحق أنزلناه), أي: أن القرآن هو حقا من عندالله:(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً), ومعنى قوله: (وبالحق نزل), أي أن كل ما في القرآن من حقائق وتشريعات وأخبار حق لا يتطرق اليه باطل, وهو في أعلى رتب الحق لا يجارى في قضاياه , ولا يدانيه كتاب آخر في أحكامه, (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
وخذوا أي قاعدة من القواعد التشريعية وأي باب من أبواب الفقه القرآني لتجدوا مصداقية أسبقية القرآن وسمو تشريعاته, ولن نستطيع أن نقف بكم على كل ما جاء في هذا الكتاب العظيم, إنما سنختار لكم موضوعات من مجالات متعددة, نختار نماذج من هذه التشريعات وسنبدأ في الحلقة القادمة بشئ مما اصطلح عليه بالعبادات بمشيئة الله تعالى ألا وهو الزكاة.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى