الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م - ١٤ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: ثِــق بــالله .. ولا تـيأس
خطبة الجمعة: ثِــق بــالله .. ولا تـيأس

خطبة الجمعة: ثِــق بــالله .. ولا تـيأس

الحَمْدُ للهِ خَالِقِ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ، جَعَلَ الدُّنيَا دَارًا لِلْحُزْنِ وَالسُّرُورِ، يَبْـتَلِي سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ فِيهَا بِالضَّرَّاءِ، كَمَا يَبْـتَلِيهِمْ بِالسَّرَّاءِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ وَلا نِدَّ، وَلا صَاحِبَةَ لَهُ وَلا وَلَدَ، القَائِلُ سُبْحَانَهُ:(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد ـ4)، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، كَانَ لِلأَمَلِ فِي نُفُوسِ أَصْحَابِهِ بَاعِثًا، وَلِلتَّفَاؤُلِ دَاعِيًا، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ فَـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة ـ 35)، فَبِالتَّقْوَى يَفُوزُ المَرْءُ بِمَعِيَّةِ اللهِ وَيَنَالُ رِضَاهُ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل ـ 128)، وَاعلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّنَا وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ نَذُوقُ مِنْ حُلْوِ طَعْمِهَا وَمُرِّهِ، وَنَعِيشُ فِي أَفْرَاحِهَا، كَمَا نَعِيشُ أَتْرَاحَهَا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّارُ بِدَارِ رَاحَةٍ مُطْـلَقَةٍ، وَلا سَعَادَةٍ مُحَقَّـقَةٍ، غَيْرَ أَنَّ المُؤْمِنَ فِي كُلِّ ذَلِكَ صَابِرٌ شَاكِرٌ، يَقُولُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (صلى الله عليه وسلم):(عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)، وَهُوَ ذُو ثِقَةٍ بِاللهِ، مُقِرٌّ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، رَاضٍ بِتَصْرِيفِهِ وَتَقْدِيرِهِ، مُجَانِبٌ لِلْقُنُوطِ، بَعِيدٌ عَنِ اليَأْسِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف ـ 87)، إِنَّ مِمَّا يُعِينُ المُؤْمِنَ عَلَى جَمِيلِ الصَّبْرِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَعَلَى حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ الشَّدَائِدِ، مَعْرِفَتَهُ أَنَّ الحَيَاةَ الدُّنيَا دَارُ تَمْحِيصٍ وَابتِلاءٍ، كَمَا يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة 155 ـ 157)، فَالمُؤْمِنُ صَابِرٌ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ، مُتَفَائِلٌ رَغْمَ النَّوَائِبِ وَالْمِحَنِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ التَّفَاؤُلَ وَالأَمَلَ أَمْرَانِ لا بُدَّ مِنْهُمَا لِتَسْـتَمِرَّ عَجَلَةُ هَذِهِ الحَيَاةِ، فَلَولا التَّفَاؤُلُ مَا صَبَرَ عَلَى المَصَائِبِ صَابِرٌ، وَلَوْلا الأَمَلُ مَا بَنَى بَانٍ، وَمَا سَعَى سَاعٍ، إِنَّ لِلأَمَلِ سِرًّا عَجِيبًا يَجْـعَلُ صَاحِبَهُ قَوِيًّا مُتَحَمِّلاً أَمْوَاجَ الأَحْـزَانِ وَالآلامِ، وَيَجْعَلُ عَزِيمَتَهُ مُتَّـقِدَةً مُتَجَدِّدَةً فَيَمْخَرُ بِفُلْكِهَا بَحْرَ الشَّدَائِدِ وَالصِّعَابِ. لَقَدْ كَانَ حُزْنُ نَبِيِّ اللهِ يَعْـقُوبَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ عَظِيمًا عِنْدَمَا فَقَدَ ابنَهُ يُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ ثُمَّ ازْدَادَ حُزْنُهُ يَوْمَ فَقَدَ بَعْدَ يُوْسُفَ آخَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ لأَبْـنَائِهِ البَاقِينَ:(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف ـ 83)، فَمَعَ عِظَمِ المُصَابِ كَانَ الأَمَلُ فِي اللهِ عَظِيمًا، وَمَعَ شِدَّةِ الكَرْبِ، مَا كَانَ لِليَأْسِ مَكَانٌ:(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّـهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف ـ 86 ـ 87)، فَمَا أَعْـظَمَ الأَمَلَ، مَعَ عِظَمِ الشِّدَّةِ. وَفِي خَبَرِ أُمِّ مُوْسَى – عَلَيْهِ السَّلامُ- لِلأَمَلِ خَبَرٌ، لَقَدْ أَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ الأُمِّ الرَّحُومِ أَمْرًا فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ عَلَى قَلْبِهَا مَا فِيهِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص ـ 7)، فَمَعَ تَحَقُّقِ هَلاكِهِ بِإِبقَائِهِ مَعَهَا، كَانَتْ مَظِنَّةُ هَلاكِهِ بِإِلقَائِهِ فِي اليَمِّ مُتَحَقِّـقَةً، وَفِي هَذَا الأَمْرِ مِنَ الشِّدَّةِ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ هَذِهِ الأُمِّ عِنْدَمَا أَلقَتْ بِوَلِيدِهَا فِي اليَمِّ:(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص ـ 10)، وَمَا كَانَ لأُمِّ مُوْسَى فِي الحَقِيقَةِ أَنْ تَتَحَمَّـلَ هَذِهِ الشِّدَّةَ لَولا الأَمَلُ، الأَمَلُ الَّذِي أَسْـكَنَهُ اللهُ تَعَالَى قَلْبَهَا، إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهَا أَنَّ ابنَهَا سَيَعُودُ إِلَيْهَا سَلِيمًا مُعَافًى لِيَكُونَ مِنَ المُرْسَلِينَ، فَرَبَطَ بِذَلِكَ عَلَى قَلْبِهَا، (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص ـ 7).
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
لَقَدْ كَانَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَالهُدَى (صلى الله عليه وسلم) يَحْرِصُ عَلَى بَثِّ رُوحِ الأَمَلِ فِي نُفُوسِ أَصْحَابِهِ الكِرَامِ، ولا سِيَّما وَهُمْ فِي بِدَايَةِ الدَّعْوَةِ، حَيْثُ المُعَارَضَةُ عَلى أَشُدِّهَا، وَسُلْطَةُ الكَافِرِينَ فِي أَوْجِها، وَسِيَاطُ التَّعْذِيبِ وَالتَّشْرِيدِ تَضْرِبُ بِقَسْوَةٍ، فَكَانَ لا بُدَّ لِلنُّفُوسِ مِنْ أَمَلٍ يَسْـكُنُهَا فَيُطَمْئِنُهَا، أَمَلٍ فِي النَّصْرِ وَالتَّمْـكِينِ. جَاءَ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) وَهُوَ مُتَوَسِّـدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلا تَسْـتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ:(قَدْ كَانَ مَنْ قَبْـلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْـفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْـفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْـشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْـتَعْجِلُونَ)، فَمَعَ تَقْوِيَةِ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ بِذِكْرِ أَخْبَارِ الصَّابِرِينَ الغَابِرِينَ، يُذَكِّرُ المُصْطَفَى (صلى الله عليه وسلم) أَصْحَابَهُ بِأَمَلِ النَّصْرِ وَالتَّمْـكِينِ قَائِلاً:(وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ). وَفِي يَوْمِ الأَحْـزَابِ بَلَغَ الكَرْبُ مَبْـلَغًا عَظِيمًا، مَبْـلَغًا يَصِفُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ:(إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّـهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (الأحزاب 10 ـ 13)، إِنَّهُ لا غِنَى لَنَا ـ إِخْوَةَ الإِيمَانِ ـ عَنِ الأَمَلِ مَهْمَا اشتَدتْ الحَيَاةُ، وَكَثُرَتْ مَصَائِبُهَا، وَتَوَالَتْ صُعُوبَاتُهَا.
فَاجْعَلْ ـ أَخِي المُسْـلِمَ ـ نُورَ الأَمَلِ فِي نَفْسِكَ مُتَوَهِّجًا، مَهْمَا تَكَالَبَتْ عَلَيْكَ المَصَاعِبُ، وَحَلَّتْ بِسَاحَتِكَ المَتَاعِبُ، فَبَعْدَ العُسْرِ يُسْرٌ، وَبَعْدَ الشِّدَّةِ فَرَجٌ، وَفِي كُلِّ أَحْوَالِنَا لَنَا ابتِلاءٌ مِنَ اللهِ، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد ـ 31).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، مَا ذَلَّ مَنِ التَزَمَ هُدَاهُ، وَمَا خَابَ مَنْ أَمَّلَهُ وَرَجَاهُ، فَهُوَ مِنْ عِبَادِهِ قَرِيبٌ، وَهُوَ لِلسَّائِلِ مُجِيبٌ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، يَنْصُرُ مَنْ يَنْصُرُهُ، وَيُجِيرُ مَنْ بِهِ يَسْـتَجِيرُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاعلَمُوا ـ إِخْوَةَ الإِسْلامِ ـ أَنَّ الأَمَلَ لَنْ يَكُونَ رَاسِخًا فِي النَّفْسِ مُتَمَكِّـنًا، وَلَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ فِي الحَيَاةِ مُتَمَيِّزًا، إِلاَّ إِنْ كَانَ مَرْبُوطًا بِالثِّقَةِ بِاللهِ القَوِيِّ العَزِيزِ؛ فَمَعِيَّةُ اللهِ تُكْسِبُ الضَّعِيفَ قُوَّةً، وَتَكْسُو الفَقِيرَ غِنًى، وَمَا فَقَدَ شَيْـئًا مَنْ وَجَدَ اللهَ. فَإِنْ كَانَ الأَمَلُ مَوْصُولاً بِاللهِ كَانَ لَهُ الأَثَرُ البَالِغُ، وَالنَّتِيجَةُ الفَاعِلَةُ، وَهَلْ كَانَ الأَمَلُ الَّذِي حَمَلَهُ يَعْـقُوبُ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ إِلاَّ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَهُوَ الأَمَلُ ذَاتُهُ الَّذِي كَانَ لِلأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى مَرِّ العُصُورِ. إِنَّ الأَمَلَ إِذَا كَانَ مَرْبُوطًا بِالثِّقَةِ بِاللهِ لَنْ تَقِفَ فِي وَجْهِهِ سُدُودُ الوَاقِعِ، وَلَنْ تَحُدَّهُ حُدُودُ الإِمكَاناتِ، بَلْ لَنْ تُطْفِئَ شُعْـلَتَهُ القَوَانِينُ المُتَحَكِّمَةُ، ولا الطُّغْيَانُ المُسْتَبِدُّ، وَفِي خَبَرِ مُوْسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ مِثَالٌ عَلَى ذَلِكَ، يَوْمَ أَنْ خَرَجَ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنْ مِصْرَ وَخَلْفَهُمُ الطَّاغِيَةُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، حَتَّى تَفَاجَأَ أَصْحَابُ مُوسَى بِأَمْوَاجِ البَحْرِ مِنْ أَمَامِهِمْ تَتَلاطَمُ، وَبِأَفْوَاجِ العَدُوِّ مِنْ خَلْفِهِمْ تَتَتَابَعُ، فَأَدْرَكُوا بِحَسَبِ الوَاقِعِ أَنَّهُمْ مُدْرَكُونَ، وَأَنَّهُمْ لا مَحَالَةَ هَالِكُونَ، غَيْرَ أَنَّ مُوْسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ كَانَ لَهُ مَوْقِفٌ مُخْـتَلِفٌ، لأَمَلِهِ المَوْصُولِ بِرَبِّهِ، وَكَانَتِ العَاقِبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَجَبًا، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ هَذَا المَوْقِفِ: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الشعراء 61 ـ 66)، وَكَذَا المُسْـلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَّقُوا أَمَلَهُمْ بِاللهِ سُبْحَانَهُ، وَوَكَـلُوا أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، مَعَ ذِلَّةِ مَوقِفِهِمْ، وَضَعْفِ قُوَّتِهِمْ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنْ فَازُوا بِنَصْرٍ مُبِينٍ، (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران ـ 123)، لَكِنْ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ الأَمْرُ مُخْـتَلِفًا، فَقَدِ اتَّكَلُوا عَلَى قُوَّتِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَعَلَى ذَلِكَ عَقَدُوا آمَالَهُمْ، فَوَكَلَهُمُ اللهُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ كَمَا ذَكَرَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ في الآية (25):(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ـ وَثِقُوا بِرَبِّكُمْ، وَعَلِّقُوا عَلَيْهِ آمَالَكُمْ، لا تَقْنَطُوا وَلا تَيْـأَسُوا، فَلا حَيَاةَ مَعَ اليَأْسِ، وَلا يَأْسَ مَعَ الحَيَاةِ، كُونُوا مَعَ اللهِ، يَكُنِ اللهُ مَعَكُمْ، نَاصِرًا وَحَافِظًا وَمُعِينًا، فَلا بَأْسًا عِنْدَهَا تَشْكُونَ، وَلا هَمًّا تُعَانُونَ، وَلا عَدُوًّا تَحْـذَرُونَ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 65).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى