الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في كتاب الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا (8 ـ 10)

قراءة في كتاب الإباضية بين حراسة الدين وسياسة الدنيا (8 ـ 10)

ب ــ قوله سبحانه: “وأمرهم شورى بينهم”، ويقرر النص المقدس بوضوح أن أمر المسلمين عامة هو بالمشاورة والاتفاق والاختيار والتفاهم ، وعليهم إذا أرادوا أن يبرموا أمراً من الأمور الرجوع إلى أهل الحل والعقد ،وهم الخبراء بالتعبير المعاصر كل في مجاله .
ج ـ عدم اختيار الرسول (عليه الصلاة والسلام) لأبي بكر ، أو تنصيبه خليفة للمسلمين ،وكونه أمره بالصلاة لا ينهض دليلا على ترشيحه للخلافة.
ولو كانت الأئمة من قريش حقاً ، فلماذا لم يختره الرسول (عليه الصلاة والسلام) ويعينه خليفة أمام الملأ ، أو يأخذ البيعة له ، ولماذا وقع الخلاف بينهم بين القرشيين والأنصار ، وبين القرشيين أنفسهم . والحقيقة الساطعة أنه ترك الأمر شوريا بين المسلمين لاسيما في هذه القضية الحيوية والمصيرية.
د ـ علينا أن نلاحظ أن أهل مكة قد وقفوا موقفاً عدائياً مشهوراً ضد الدعوة الإسلامية ، وأغلب صناديدهم لم يؤمنوا إلا في مراحل متأخرة لا سيما بعد فتح مكة ، في حين أن أهل المدينة، وأغلبهم ليسوا من قريش. هم الذين تحملوا عبء الدعوة والدفاع عنها، فضلاً عن إيواء الرسول (عليه الصلاة والسلام) وحمايته في الوقت العصيب ، ثم دخلوا المعارك في ” بدر” و” أحد ” ضد القرشيين أعداء الرسول (عليه الصلاة والسلام) ومخرجيه من أحب بلاد الله إليه ومن ثم كيف ينسجم هذا مع تقريره أن الأئمة من قريش ، بل كيف ينسجم هذا مع قوله اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي ، وقول عمر بن الخطاب : ” لو أن سالما حيا ما داخلتني فيه الظنون ، وذلك حين أسند أمر الخلافة إلى أهل الشورى ومعلوم أن سالماً كان مولى لأبي حذيفة .
أغلبية العلماء استبعدت شرط القرشية من الإمامة ، ولو كان الحديث ملزماً للمسلمين لوافق العلماء على شرط القرشية.
موجز القول : إن الحديث لا يعطي أي مبرر من المبررات لأسرة من الأسر، أو لقبيلة من القبائل ، أو لطبقة من الطبقات احتكاراً السلطة لنفسها، أو الاستحواذ على الحكم لمصلحتها ، والسيطرة على مقاليده دون باقي جماهير المسلمين كما وقع في الدولة الأموية والعباسية ، والظلم الذي وقع على المسلمين من جراء ذلك ، واضح بين في مظانه ، وليرجع إليه من يشاء ، وتظل الشورى هي الأصل والقاعدة الأساسية لاختيار الحاكم من بين جميع فئات الشعب مع توافر الشروط التي قررها العلماء في هذا المجال.
ويرى الشيخ أبو زهرة ( 1974) في مجمل النصوص التي وردت في أفضلية قريش : ” أنها لا تدل دلالة قطعية على أن الإمامة يجب أن تكون من قريش ، وإن إمامة غيرهم لا تكون خلافة نبوية ، وعلى فرض أن هذه الآثار تدل على طلب النبي أن تكون الإمامة من قريش ، فإنها لا تدل على طلب الوجوب بل يصح أن يكون بياناً للأفضلية لا لأصل صحة الخلاف.
ونود أن ننبه أن أحد الباحثين العاصرين ناقش “قضية أن الأئمة من قريش “مناقشة واسعة، وقد أثبت معارضة القاضي الباقلاني (403 هـ) وإمام الحرمين الجويني (478 هـ) وكذلك ابن خلدون (808 هـ) ووجهة نظرهم أن ظاهر الخبر لا يقضي بكونه قرشيا ولا العقل يوجبه .ويخلص بعد مناقشة واسعة إلى القول:”إننا نزعم أن التنظير الفقهي هو نقطة البدء الحقيقية لهذا الشرط ،بمعنى أنه من صنع الفقه قبل أن يكون من إنشاء “النص “وأن النص جاء تتويجا لتوجه فقهي سابق”.
4 ـ من الجدير بالإشارة أن المنظومة العقائدية عند الإباضية تتشابه في معظم مبادئها مع المعتزلة ،حتى قولهم إن الإمامة تجوز في غير القرشيين ،وهم أيضا يؤلون الصفات الخبرية ،ويحملونها محمل التنزيه ،وينكرون رؤية الله ،ويؤكدون أن الله لا يخلف وعده ولا وعيده ،وبعضهم يؤمنون بخلود مرتكب الكبيرة إن لم يتب ،ويعادون الدولة الأموية ،وأن معاوية باغ على الإمام علي ّ،وكذلك بخصوص تعريف الإيمان الذي أقرته كافة الفرق الإسلامية .ويتفق معهم الأشاعرة في التأويل لاسيما فخر الدين الرازي (606 هـ )الذي سار خطوات واسعة حتى قارب قول المعتزلة ، لكن الأشاعرة تثبت الرؤية وتؤمن بالشفاعة ،وتقرر أن مرتكب الكبيرة غير مخلد في النار وتفوض أمره لله .
ولاغرو أن كل فريق يبرر موقفه بالتعويل على الآيات القرآنية ويفسرها لصالح المبدأ الذي انحاز له مسبقا والموقف الذي يروق له ،ثم يذهب يسوق الأدلة العقلية التي تؤكد مذهبه ،ويبحث عن الحجج التي تعضد وجهة نظره.
ونقرر أن من حق كل إنسان أن ينحاز لما يعتقد أنه صواب ، وينحاز لما يروق له ويتفق مع المؤثرات التي كونته ، والمحيط الأسري الذي تربى فيه والتربية العملية التي تشربها منذ نعومة أظفاره والثقافة التي نهل منها ونشأته العلمية.
على أن تظل مساحة الود والمحبة فيما بيننا ،ويحترم كل منا أصحاب المذهب الآخر لاسيما ونحن نعول على مصدر واحد وننهل من منبع واحد ،وعلينا أن ننبذ التنابز بالألقاب ، وأن نتوقف عن السخرية من بعضنا ؛بمعنى أن منكري الرؤية يعتقدون أن هذا يتفق مع تنزيه الله سبحانه ،ويليق بكماله الإلهي ،وصفات الجمال والجلال ،ومثبتي الرؤية يرون أن الآيات جاءت واضحة و يأخذونها دون تحليل ويتحرجون أن يؤولوها ،ويعتقدون أن من الأليق أن نثبتها كما جاءت في النص المقدس.
نعني من ذلك أن كل مذهب له حججه الوجيهة لا سيما ونحن نتكلم عن قضايا ميتافيزيقية لا يستطيع أحد منا أن يحسمها بالتجربة المادية أو الوقائع الحسية ؛ في ضوء هذه الرؤية نقول :تعالوا إلى كلمة سواء ،ويكفينا أننا ندين بإله واحد ونؤمن بقدسية القرآن ونعترف برسالة محمد (عليه الصلاة والسلام)،ونتوجه إلى قبلة واحدة .
فلنتوحد لبناء الإنسان دينيا وأخلاقيا وعلميا ،وإعداد جيل من العلماء ،يرقى بأوطاننا وينهض بأمتنا ،نكتشف القوانين التي بثها الله في كونه وسيَر بها حركته و نسيطر على عناصر الطبيعة ،ونوجه جهودنا للارتقاء بالزراعة وتطويرها ،وإنشاء صناعة عملاقة تغنينا عن الاستيراد .أعتقد هذا أجدى لأمتنا وأنفع.
6 ــ تبدو الغيرة المذهبية والحمية الوطنية والعاطفة الإسلامية عند المؤلف بادية في صفحات كتابه وروح عارمة يدركها القارئ تسري بين سطوره ،ولا يكف عن دعوة بني وطنه شيوخا وشبابا للتمسك بمبادئ المذهب الذي قدم عبر التاريخ الطويل أنموذجا مثاليا لصفاء العقيدة الإسلامية ،ويستحث الشباب الذي ربما أصابه شيء من الفتور أو الهزيمة النفسية على حد قوله من جراء الحرب التي تعلنها بعض الجهات التكفيرية “أو الخوارج المجسمة ” على حد تعبيره،ويستنهض هممهم للاعتزاز بتاريخ الأجداد والآباء والتمسك بالقيم الأصيلة التي يستقيها المذهب من أصفى ينابيعه الإسلامية ،ويدعو الجهات المسؤولة في الدولة للكشف عن كنوز هذا التراث ونشره على أوسع نطاق .يقول :”إن العمانيين في أمس الحاجة لمعرفة حضارتهم وتاريخهم إنهم ليسوا على قارعة الطريق ،أو صفرا على الشمال ؛بل صناع حضارة وبناة مدنية”.
وأحيانا يدفعه حبه العنيف للمذهب الإباضي وتفانيه في الدفاع عنه أن يحمل أصحابه المسؤولية الكاملة عن جهل الآخرين به بدليل “أن كثيراً من أتباع المذاهب الأخرى يلحون في طلب التعريف بالمذهب”.
إنك حينما تقرأ هذا الكلام ،وتلمس هذه العاطفة المشبوبة ،والحماسة في حب الوطن والإخلاص لبني وطنه وأمته الإسلامية تشعر تجاهه بالاحترام والتقدير ،بل إنه لا يحبذ استخدام كلمة العربي ؛فيقول القائد الإسلامي والأمة الإسلامية والفتح الإسلامي ،ومعه حق فيما ذهب إليه .نقول تجد نفسك تقدر هذه العاطفة وتحترم هذا الشعور ،وتشعر بتعاطف وجداني شديد مع الكاتب لاسيما إذا كان مذهبه ظلم في التاريخ ،كما ظلمت فرق أخرى دافعت عن الإسلام ووقفت سدا منيعا في مواجهة ثنوية المانوية وشيوعية المزدكية ومادية اليهودية وتثليث النصرانية.

د محمد الزيني

إلى الأعلى