الجمعة 20 يوليو 2018 م - ٧ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المسؤولية المجتمعية في الإسلام (5)

المسؤولية المجتمعية في الإسلام (5)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
نستكمل معك ـ عزيزي القارئ ـ الحلقة الخامسة والأخيرة من هذا الموضوع .. ونقول: يفهم كثير من الناس المسؤولية الدعوية فهما مضطرباً، ويذهب بعيداً في مسؤوليتها، ولكن التوازن وحسن الفهم أساس في هذا الأمر، والإسلام دين الوسطية والعدل، فللمسلم كفرد وشخص حدود في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك المجتمع ككل له دور غير منكور في تلك المسؤولية، وليس له التخلي عنها، أو التنكر لها، أو تنكب طريق الحق فيها، وكذلك له ضوابطه الشرعية المعروفة، وآلياته المحددة، وقد ذكرنا في مقالات مضت حدود تلك المسؤولية، وسماتها، كما عرَّجنا على نماذج من القرآن الكريم، وأخرى من السنة المطهرة، وذكرنا العديد من الدروس المستفادة من سنة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ونواصل الحديث حول بعض ما ورد في السنة المطهرة، ففي الحديث الشريف الذي معناه:(إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده، ثم يدعو صلحاؤهم فلا يستجاب لهم)، وفيما يرويه الترمذي، وحسنه من طريق حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر أو ليوشكن الله عز وجل أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)، ومعنى أوشك أسرع، وفيما يرويه أبو داوود والترمذي وابن ماجه من حديث عتبة بن أبي حكيم عن عمرو بن حارثة عن أبي أمية الشعباني عن أبي ثعلبة أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن هذه الآية:(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، فقال:(بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، قيل: يا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟، قال: لا، بل أجر خمسين منكم) بل جعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببا في مغفرة الذنوب، وستر العيوب، حيث روى البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم من حديث حذيفة:(فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ومما يؤكد مكانة المسؤولية المجتمعية في الإسلام وخطورة دورها ما رواه أحمد في مسنده عن أبي عبيدة عن ابن مسعود مرفوعاً:(لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم ـ عليهما السلام:(ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ متكئاً، فجلس، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا، وزاد أبوداود ما يوضح رؤيتنا في هاتيك المسؤولية، فقال: ثم يلقاه من الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه، وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال:(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود)، إلى قوله:(فاسقون)، ثم قال: كلا، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصراً)، وزاد في رواية:(أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم)، ومما يؤكد ويثبت هذا المعنى الكبير في نفوس المسلمين، ويتأكد في قلوبهم ما رواه أبو داود من رواية مغيرة بن زياد الموصلي عن النبي )صلى الله عليه وسلم( قال:(إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها، (وكرهها في رواية)، فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)، ولأحمد والنسائي عن طارق بن شهاب: أن رجلا سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر)، وهو عند أحمد وابن ماجه من حديث أبي أمامة، قال المروذي: قال لي عبد الوهاب: أنت كيف استخرت أن تقيم بسامرة؟ قال المروذي: فذكرت ذلك لأبي عبد الله. فقال : فلمَ لمْ تقل له فكان يد للأسير ممن يخدمه؟!، قال أبو عبد الله: لا نزال بخير ما كان في الناس من ينكر علينا، نعم، إن المسؤولية المجتمعية مقرَّرة دينًا وعقيدةً، ومعتبرة شرعًا، ومقَرة وضعًا، وهي من مقاصد هذا الدين، ومن أخص خصائصه، وأبرز ميزاته، وهي مهمة الأنبياء والمرسلين، وسمة الدعاة المخلصين، أسأل الله تعالى أن يكتبنا في أهل الحق، والداعين إليه، والمدافعين عنه، والذائدين عن حياضه، وأن يرزقنا الإخلاص في الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي، وأن يسلكنا في عداد مَنْ قال فيهم:(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن)، ومن قيل في حقهم:(ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى