الخميس 19 يوليو 2018 م - ٦ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأديب الفلسطيني عبدالله عيسى : فلسطين أم حنون يجب الدفاع عنها في الأدب والواقع

الأديب الفلسطيني عبدالله عيسى : فلسطين أم حنون يجب الدفاع عنها في الأدب والواقع

يحمل رسالة أدب المقاومة الفلسطينية المعبر عنه بالجماليات الشعرية

القاهرة ـ من حسام محمود:
منح الشاعر عبد الله عيسى وسام تشيخوف الإبداعي لعام 2017 في موسكو كإنجاز إضافي للثقافة الفلسطينية. وأكد الاتحاد الفلسطيني للكتاب والأدباء أنه يستحق الوسام عن جدارة لأنه قدم اقتراحا جماليا يليق بالشعرية الفلسطينية والعربية ولديوانه الأخير “وصايا فوزية الحسن العشر” دلالة واضحة على مواصلته شعر وأدب المقاومة المحمول على الجماليات . وحول تجربته الشعرية والأدبية “أشرعة” يحاور الشاعر عبدالله عيسى للحديث عن تجربته الإبداعية ،،،

هل تعني في نصوصك إنك ترغب بالتواصل مع البشر في كل مكان قبل أن تكون فلسطينيا ؟
منذ البدء كانت فلسطين حتى حلول الإسرائيلي الطارئ المؤقت هذا كما كان طارئاً مؤقتاً من قبل عالماً خصوصياً للتعايش والسلام الروحي والحضاري الإنساني لثقافات وأديان شعوب الأرض جميعاً ولم تنتزع من أنساقها التاريخية هذه إلا مع مكوث الإسرائيلي عنوة فيها ليقصى الآخر عنها ويدمّر معالمه وآثاره الروحية والحضارية ويمعن في محو وجوده الزمانى والمكاني معاً. والفلسطيني على أرضه منذ البدء ليس شريكاً في صوغ الإنسانيّ المقدّس فحسب بل وحارس له فالفلسطيني جزء أصيل في العائلة الإنسانية. ولا بد من حضور هذه الرؤية في العالم الشعري وأن تصبح جزءا جوهرياً من حركته في المشهد الشعريّ الإنسانيّ.

ما الخط الإبداعي الذي اخترته لنفسك خاصة في ظل الجرح الفلسطيني والقضية الأم هل كان الأدب بالنسبة لك أداة مقاومة مثل السلاح؟
منذ البداية كان على أن أكتشف باللغة عالمي الشعري الخصوصي وأنا المحاط بتجارب شعرية فلسطينية وعربية خلاقة. لكنني حتى إبان عملي في مؤسسات منظمة التحرير الثقافية كنت أرفض الانجرار لرؤية السياسي بأن أصبح شاعراً جماهيرياً يكتب عن المناسبة الوطنية بأدوات البلاغة المعتادة ولا أنحاز إلا إلى الإبداعيّ الجماليّ حتى في مقالاتي وممارساتي النقدية والثقافية ما جسّد حالة الصراع التاريخية بين الثقافي والسياسي. فالسياسي اليومي لا يمكن له أن يكون رؤية النصّ الإبداعيّ المتحرّك إلا بقدر ما يحمله من دلالة ولا ينبغي أن يكون دالا فيه. ولعل فلسطين هي النص كله دون أن تصبح قضيتها شعاراً أو خطاباً فحسب بل رؤية جماليّة تتحرّك في العالم الشعري لتشمله كله.

ما أهم ملامح تجربتك الأدبية ؟
تجربتي مسكونة بأسى المخيمات ومواجع الحرب في بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا وتراجيديا الخروج وشقّ منظمة التحرير مما حفزني على تصفية شعري من الآلام العامة وتفادى الخطابية ليكون إبداعا جماليا خالصا كما يتجلى في دواويني “موتى يعدون الجنازة” و”قيامة الأسوار” و”رعاة السماء رعاة الدفلي”ويعد ديواني الأخير “وصايا فوزية الحسن العشر” الذي صدر مؤخرا عن “دار ابن رشد” في القاهرة ونوقش بندوة في المجلس الأعلى للثقافة تجربة شديدة الخصوصية تؤرخ لسؤال الهوية والمصير وذاكرة والمخيم والمقبرة والسجن وتؤصّل لدرب آلام الفلسطيني بحثاً عن حلم العودة. ويقدم الديوان سردية جمالية خاصة للإبداع الفلسطيني كمشروع إنساني يوحّد بين الحياة والمقدس في مواجهة الوحش الإسرائيلي القائم على التدمير والقتل.

نشأت في مخيم بسوريا وعشت تجربة الحرب والحصار والخروج من بيروت والآن تعمل دبلوماسيا في السفارة الفلسطينية بموسكو فلأي مدى أفادتك هذه التجارب ؟
في المخيم المرمى بأرض شتاتٍ يغيب عنه أي مسّ من عدالة أو طمأنينة يصبح الوطن حلماً عبر تجليات الذاكرة الأولى محمولة على حكايات العجائز وتحولات التغريبة المأساوية وتكاد تشعر أنك أقرب من الوطن الحلم لأنك تقترب من درب عودته أو العودة إليه بالأمل الذي لا فكاك منه. لكن تجارب الحرب والحصار والخروج من بيروت نزعتني عنوة من الإطلالة على هذا الوطن المفقود ومورس فعل تشتيت وهجرة أخرى أشدّ تراجيديا وكان علي في شتاتي ومنافي حمل هذا الوطن كحلم والتعبير عنه كقضية شعب سواء كنت شاعرا أم دبلوماسيا لأني أؤمن بأن فلسطين قضية شعب مبدع يستحق حياة خلاقة يسعى المحتل أبداً لمحوها فنحن نبدع في مواجهة المحتل كمشروع جمالي وإنساني شامل وكامل .

سهولة الجملة الشعرية تبدو بسيطة لكنها لديك حمولتها الإنسانية عميقة فكيف تجاوزت أنت حمولتك السياسية شديدة الحضور ؟
كثير من النقاد والقراّء لا يرون جملتى الشعرية بسيطة وسهلة إلا بالقدر الذي يعيدون قراءتها باكتشافها. فلا شك أن إعادة كتابة النص هو ما أفترضه مسبقاً في علاقتي مع القارئ الذي أسعى لأصنع معه علاقة الكتابة والقراءة . لكن ثمة اتفاقا بين نقاد وكتاب كثيرين على أن جملتي الشعريّة تتحرك بأدوات وتصوّرات جديدة مؤسّسة على صنع كلّ لفظة لعلاقتها الخصوصيّة وتحتفظ بذاتها كونها تكثف معني ثقافية وحضارية إنسانية لتعيد اكتشاف وخلق العالم المقدم .

حضور الأم عندك طاغ لدرجة أنك أطلقت اسمها على ديوانك الأخير فماذا ترمز في الإبداع الفسطينى ؟
أعتقد أن الأم حاضرة غائبة أبداً في جلّ الشعر الإنساني فالشعر هو طفولة العالم أصلاً. إن حضور الأم في الشعر الفلسطيني مؤوّل بشكل أساسي بالاشتغال على كونها رمزاً قدسياً في غالب الأحيان وكينونة تتجسد فيها بطولة الذات والعالم بتجلياتها المتعددة في أحيان كثيرة لدرجة أنها أصبحت تمثل الوطن .
لكن الأم فوزية الحسن أمي ليست مفردة في النص ولا ترمز للوطن أو للعالم بالقدر الذي تحمل فيه وطناً صنعته بلغة الذاكرة وبرموز وتفاصيل بالأغنية التي رددتها أو بالدبكة أو بنبرة صوتها في وداع شهيد أو بالصبر في سجن ما أو مطار ما أوقفني أو بقلق انتظارها وهى تفرك الوقت بين أصابعها خشية أن أعود محمولاً على نعشٍ أو كرسي. إنها أمّ بين الأمهات الفلسطينيات اللاتي احتفظن بذاكرة الوطن كي ينمو كحلم بالعودة. والأم فوزية الحسن لا تشبه إلا نفسها ولا ترمز إلا لذاتها وفى ديوان “وصايا فوزية الحسن العشر” لا تفصح بل تومئ ولا تلقن إنما تشير ولا تأمر بالإذعان خلافاً لكل الوصايا قبلها كأسطورة من التاريخ الأبدي.

لماذا تم التداخل في ديوانيك بين الكائنات كالحيوانات والطيور وحتى الزواحف في صورك الشعرية ؟
هناك علاقة شديدة الخصوصية بين زمن الذاكرة الإبداعية في انشغالاتها وزمن الذاكرة الموضوعي الذي يتلقف مفردات العالم ويخزنّها ثم يكتشفها حين تداهم عالمه الشعري وتتحرك فيه لتصبح بحد ذاتها عالماً خاصاً له دلالاته. فطالما كانت ذاكرتي تحتفظ بحمولات أزمان متعددة وبما كثفته المأساة الفلسطينية فلابد سترمى بأثقالها في العالم الشعري المقدّم. وتأسيساً على ذلك فإن تفاصيل ومفردات وكائنات هذا العالم تصبح الدال الأكبر وفق سياقات متعددة أهمها أنها جميعاً تتشارك في صنع الحياة في مواجهة الموت . كما أنها جميعها تتشارك في المصير نفسه ولذلك تمتلك الهوية في مواجهة آلة الخراب .

إلى الأعلى