الجمعة 20 أبريل 2018 م - ٤ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات : ماذا حدث في أواخر دولة اليعاربة 4 ؟

تاريخيات : ماذا حدث في أواخر دولة اليعاربة 4 ؟

نواصل الحديث عن الأوضاع التي سادت عمان في أواخر دولة اليعاربة والتي أدت في النهاية إلى نهاية الدولة وقيام دولة آلبوسعيد، لنصل إلى الجزء الأخير في هذه السلسلة التي نتحدث فيها عن هذا الموضوع.
انتهت الحملة الفارسية الثانية عام 1738م اثر الصلح الذي عقد بين سيف بن سلطان الثاني وبين لإمام بلعرب بن حمير الذي تنازل عن الإمامة حقنا للدماء وحفاظا على الأرواح، ونتيجة أيضا الاضطرابات التي شهدتها صفوف القوات الفارسية خاصة بعد قيام تقي خان بقتل لطيف خان، وماترتب على ذلك من أجواء سلبية خيمت على المقاتلين الفرس، أدت أيضا إلى تمرد القبائل العربية التي كانت تقطن على الساحل الفارسي من الخليج، احتجاجا على الأساليب الوحشية التي اتبعها الفرس في تعاملهم مع العمانيين في حملتهم الثانية، وأيضا تأخر القادة الفرس في دفع رواتبهم ومستحقاتهم المالية.
وبانتهاء هذه الحملة شهدت عمان نوعا من الهدوء النسبي استمر حتى عام 1742م، عندما قام العلماء بخلع سيف بن سلطان مرة أخرى من الإمامة، في الاجتماع الذي عقد بمدينة نخل في فبراير من ذلك العام، وتعيين سلطان بن مرشد بديلا عنه في منصب الإمامة، وهو الاجتماع الثاني في تاريخ دولة اليعاربة الذي يتم فيه خلع سيف بن سلطان بعد اجتماع بهلا الذي أشرنا إليه في العدد السابق، والذي انتهى أيضا بخلع سيف الثاني من الإمامة للمرة الأولى عام 1733م.
وقد تمكن الإمام سلطان بن مرشد من السيطرة على نخل وسمائل وإزكي ونزوى وبهلا والشرقية، ودخل في طاعته الكثير من القبائل، وأعاد تنظيم صفوفه وقواته من جديد وتوجه إلى الرستاق التي كانت تحت سيطرة سيف بن سلطان، والذي رأى بأنه لا قبل له بمواجهة سلطان بن مرشد فخرج منسحبا من الرستاق التي كانت تعد من أبرز معاقله ومناطق نفوذه، ونجح الإمام سلطان في السيطرة كليا على المدينة بعد حصار لحصنها استمر سبعين يوما.
وتوجه سيف بن سلطان إلى مسقط وتمكن من جمع الجنود منها ومن مطرح والسب وتوجه بهم إلى بركاء التي وقعت فيها اشتباكات عسكرية بينه وبين قوات الإمام سلطان بقيادة سيف بن مهنا اليعربي، والتي ادت إلى انهزام سيف وعودته إلى مسقط التي وصلت لنجدته فيها قوات من الظاهرة وصل عددها إلى خمسمائة رجل، وعزم على المسير إلى الرستاق ليستخلصها من قوات الإمام المهنا، ولكن لم يتمكن من ذلك وعاد مرة أخرى إلى مسقط.
وكان من أهم الأحداث المرتبطة بالصراع بين الإمام سلطان بن مرشد وبين سيف بن سلطان الثاني، هو نجاح الإمام سلطان في السيطرة على مسقط التي كانت تعد أبرز معاقل سيف بن سلطان، والذي لم يتمكن من الاحتفاظ بها، الأمر الذي ترتب عليه خروجه منها ووصوله إلى خورفكان.
وأمام هذه الظروف التي كانت تعصف بسيف بن سلطان والمتمثلة بخلعه من الإمامة وانهزامه أمام قوات سلطان بن مرشد وتحقيقها لمكاسب كبيرة على الأرض، اتخذ سيف قراره الذي تعود عليه وهو لجوءه إلى الفرس في كل مرة بهدف مساعدته في إعادته إلى الإمامة مرة أخرى، حتى وإن كان ذلك على حساب وطنه وأبناء شعبه.
ونجح سيف في اقناع الفرس في تجهيز حملة ثالثة على عمان، والذي كانوا يتحينون الفرصة من أجل تحقيق السيطرة عليها، فوجدوا في دعوة سيف فرصة لتحقيق ذلك مثل ماحدث في الحملتين الأولى والثانية، وأوعز نادر شاه إلى قائده تقي خان بتجهيز الحملة والعبور بها نحو الأراضي العمانية، وهو الأمر الذي شكل ارتياحا كبيرا لسيف بن سلطان.
وفي يناير من عام 1743م خرجت الحملة والتقت بسيف بن سلطان وقواته في جلفار، وهناك حدث الاتفاق بين الطرفين الذي نص على قيام الفرس بإعادة سيف بن سلطان إلى الإمامة مقابل اعترافه بسيطرتهم واحتلالهم لعمان.
وهنا نواصل الاستغراب من تطورات هذه الأحداث وكيف أن سيف لم يتعظ مما حدث في الحملتين السابقتين، وكيف أنه في كل مرة يسلم أمره وأمرعمان للفرس، ولكن يبدو بأن حب السلطة كان المقدم بالنسبة له قبل كل شيء.
وبعد أن تمكن الطرفان من الاستعداد وضبط كل التجهيزات خرجت الحملة باتجاه الأراضي العمانية واتفقوا على تقسيم الجيش إلى قسمين، قسم يتولى مهاجمة مسقط، وقسم يتولى مهاجمة صحار.
وقد نجح القسم الأول بالفعل في دخول مسقط في يناير عام 1743م بعد أن تمكنوا من الانتصار على قوات الإمام سلطان الذي استمات في الدفاع عن المدينة، ولكنه لم يتمكن من الصمود أمام القوات الغازية بعنصريها العربي والفارسي، بينما تمكن أيضا القسم الثاني من مهاجمة صحار التي كانت تحت إمرة واليها أحمد بن سعيد البوسعيدي.
وخرج الإمام سلطان من مسقط بهدف تقديم العون والمساعدة لواليه أحمد بن سعيد وأصيب بطلق ناري في إحدى المعارك الدائرة بينه وبين الفرس بالقرب من صحار، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى وفاته يوم الخميس في العشرين من يونيو عام 1743م، وأمر أحمد بن سعيد بالتكتم على خبر وفاته حتى لا يؤدي ذلك الى انخفاض معنويات المقاتلين العمانيين، وفي المقابل ارتفاع معنويات الطرف الآخر.
وأمام هذه الظروف الصعبة التي كانت تحيط بعمان، والأعمال التي كان يرتكبها الفرس في حق العمانيين، ووصول انباء موت الإمام سلطان بن مرشد، استبد الحزن والندم بسيف بن سلطان نتيجية استنصاره بهم في كل مرة، فانزوى إلى حصن الرستاق، وتوفي به في يوليو من نفس العام.
يقول ابن رزيق: “وقد استوحش سيف بن سلطان من العجم لما استولوا على مسقط، ولم يردوا مقابضها إليه، وأخذه الندم من كل مكان، فصارت يداه صفرا من ملك عمان، ومن نصرة العجم، فمضى عنهم من صحار خفية إلى الحزم، وقال لبعض خاصته: هذا قصري وقبري، فأنا في كل عين بغيض، وحظي من الملك دونه خفض الحضيض”.
وترتب على وفاة الإمام سلطان بن مرشد وسيف بن سلطان أن أصبحت عمان بلا إمام يحكمها، ومن غير قائد يذود عنها، فكانت الشخصية الأبرز أمام الظروف التي كانت تعيشها عمان هي شخصية أحمد بن سعيد آلبوسعيدي الذي استمات في الدفاع عن صحار، وفي محاولة فك الحصار عنها والذي دخل شهره التاسع، وتدهور أوضاعها ومقتل الكثير من سكانها ونقص المؤونة والذخيرة، فالتف العمانيين من حوله ورأوا فيه الشخصية القادرة على انتشال عمان من هذه الأوضاع السيئة التي كانت تعصف بها، خاصة بعد فقدانهم الثقة في شخصية من البيت اليعربي في تحقيق ذلك نتيجة الصراعات التي كانت تحدث بينهم بين الفترة والأخرى.
وحقنا للدماء ومن أجل إعادة تنظيم صفوفه من جديد، وافق أحمد بن سعيد على عقد معاهدة مع الفرس في اوائل عام 1744م نصت على خروجهم من صحار واعترافهم بسلطته على المدينة وعلى بركاء، مقابل وجودهم في مسقط، ودفع أحمد بن سعيد ضريبة مالية سنوية لهم.
وبتوقيع هذه المعاهدة هدأت الأمور بشكل كبير بين الطرفين، الأمر الذي استغله أحمد بن سعيد بشكل ايجابي من أجل الاستعداد بالشكل الأمثل للإجهاز على ماتبقى من القوات الفارسية في عمان بشكل عام وفي مسقط بشكل خاص، وعمد إلى تضييق الخناق عليهم من خلال سلسلة من الأجراءات الاقتصادية والعسكرية، وهو مانجح في تحقيقه وطرد الفرس نهائيا من عمان في عام 1744م، لتتخلص عمان من كابوس كلفها الكثير من الخسائر البشرية والمادية، ولكن إرادة العمانيين كانت فوق كل شيء.
ونتيجية الأعمال البطولية التي حققها أحمد بن سعيد ونجاحه في صراعه ضد الفرس، ستشهد عمان نوعا من الهدوء على الصعيد الداخلي لبعض الوقت، وسيؤدي ذلك إلى مبايعة أحمد بن سعيد إماما على عمان، مما يعني ذلك نهاية دولة وبداية دولة.

د. محمد بن حمد الشعيلي
باحث في التاريخ العماني
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى