الثلاثاء 23 يناير 2018 م - ٥ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / وأي كريم لم تصبه القوارع

وأي كريم لم تصبه القوارع

كانت الحارات التي يطرق دروبها تذبحه فقد تساقط أمسه هنا.
وحين يدنو من “القرنة” التي تمتلئ بوالده سرعان ما يلملم طينة الدروب وبعثرة الخطوات والطفولة التي سفحها ، فوالده كان “الموكاب” للجدر التي ستبقى ببقائه ، والنخل “المجنون” الذي نكس سعفاته وأعلن الحداد حزنا سيجد في أنفاس والده السند لتواصل العذوق التأرجح كل قيظ.
تطوي سيارته المسافة من هدير مطبعة الوطن إلى تبتلات شفتي أبيه بشوق غياب مائة عام ، فينهب الأرض نهبا إلى نزوى وإلى الجالس الذي يضيء قرنة البيت ، وحين يراه يغمس تمرات الخلاص في صحن “الهردة” تعود له روحه ، وتتصالح كل الأشياء مع نفسها ، وتستعيد “الخضيرات والغبرتين” تلاحين الزاجرة ، وتتألق بساتين “قسام والعقر وخبة الميدان والشمخية والخريس وغليفقا” باخضرار النخل واصفرار النارنج ، وتحضر الشهباء بأبهة زمن اليعاربة ، ويواصل برج القرن الإنصات لأفواج الملائكة في تنزلها على رياض مقبرة الأئمة.
إلا أن خلفان الزيدي الذي كان يستحث الاسبوع ليقربه من تهجدات شفتي أبيه يتوسل اليوم رئيس تحرير الوطن لأن يثقله بأضعاف أضعاف مسؤولياته حتى لا يتحرك الزمن فيجد نفسه في سيارته على درب المشوار الأسبوعي إلى نزوى.
ويتمنى أن تتضاعف صفحات الوطن ليبقى رهين محبس صومعة العمل متحججا بمتابعة مستجدات عالم يموج بالموت ، لعله يكرع مع مرارة الفناجين نسيان الجالس في قرنة البيت ، ولعله يتنفس مع أحبار المطابع وزيوتها كل هذا العالم المجنون.
يدخل الزيدي اليوم بيته المتوسد عتمة الفقد فلا يجد حمد الزيدي يتحمحم.
ويرنو للقرنة التي كانت تبرق بوجه الجالس فيها وبسطوع بياض “مصرِّه” ولحيته فلا يجد القرنة ولا المتكأ ولا البيت.
يهرول مسرعا خشية أن يكون قد دخل بيتا آخر غير بيته ، فيكتشف أن البيت هو البيت إلا من ميلان في جدره بعد أن تهاوى “الموكاب”.
ويستعرض مفردات المشهد المرعب ، فاذا “بالبرنية هي البرنية والمزناج هو المزناج والصرناة هي الصرناة” إلا إن النخيل ضجرت من كثرة الشموخ فانحنت لتلثم الأرض.
لقد كانت قرنة جلوس حمد الزيدي هي يقين المشهد وعنوانه ، فتثقله الخطوات ، فإذا بالقرنة معتمة ، والقنديل ينازع فتيلته ، و”التكية” النابضة بالحياة باردة بعد أن بارحتها تبتلات الشفاه وتهجدات أوراد الهزيع الأخير من الليل.
ولم يعد “قب نبات” النخل رائحة السجاد ، ولا وضوء فلج الغنتق ياسمين النهارات.
توسل خلفان الزيدي “التكية” وهو يحتضنها لأن تشتعل ، وتعيد “الموكاب” لتستقيم الحياة.
ران الصمت جنبات المكان فحمل “التكية” كتابوت على عنقه ليلحدها في عتمة القرنة فإذا بنقوشها وزخرفاتها ومعها النخل وجدر الحارة والسواقي الأفعوانية لتضج بصوت واحد مع لبيد ابن ربيعة :
“وأي كريم لم تصبه القوارع”.
لقد رحل “الموكاب” حمد الزيدي وستستقيم الأمور مع “الموكاب” خلفان الزيدي.

حمود بن سالم السيابي

إلى الأعلى