الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / عادات وتقاليد وأوقاف رمضانية بولاية نخل تجسد التكاتف الاجتماعي بين الغني والفقير
عادات وتقاليد وأوقاف رمضانية بولاية نخل تجسد التكاتف الاجتماعي بين الغني والفقير

عادات وتقاليد وأوقاف رمضانية بولاية نخل تجسد التكاتف الاجتماعي بين الغني والفقير

لا تزال تمارس في مختلف قرى الولاية بينما تلاشت بعضها
وقف (الترغب) ووقف أبو سبعة لترغيب الناس على فعل الخير ووقف آخر لصناعة الخل
ـ إقامة حلقات الذكر اليومية في جامع الغريض وجامع نخل والأطفال يطوفون بين الزقاق للتبليغ عن موعد الإفطار
إعداد ـ سيف بن خلفان الكندي:
تعتبرالقرى الطينية المسورة بولاية نخل بمثابة البيت الكبير الذي يضم الجيران حول سورها الكبير تلك الأحياء التي تم انشاؤها منذ مئات السنين. فهناك حيث البيوت الطينية المرتفعة غرفها والمتداخلة ممراتها يبدو جليا التجانس الاجتماعي اذ يعيش أهل الحي في منظومة اجتماعية متجانسة تشربت بعادات الدين الاسلامي الحميد ، وازدانت بحسن المعاملة و احترام الجيرة فالمحلة تشكل بنية اجتماعية متماسكة كالبيت الكبير المتماسك محاطا بسور منيع من العادات والقيم الاسلامية الحنيفة عنوانه التكافل والتراحم والتعاون.
عادات رمضانية حسنة:
ولشهر رمضان في ولاية نخل ، عادات وتقاليد حسنة تدل على التكاتف الاجتماعي بين الأهالي ، والبعض من تلك العادات الحميدة لا تزال تمارس في مختلف قرى الولاية ، بينما تلاشت بعضها لتصبح ذكرى عابرة قلما يتذكرها كبار السن ، ولا يعرف عنها الجيل الحالي الا ما ندر منهم وفي تلك القرى العريقة يمثل الجامع فيها مركز إشعاع ثقافي وتعليميى تغرس فيه العادات الحميدة وتربى فيه الأجيال التربية الصالحة. وقبل افتتاح المدارس كانت جوامع ومساجد الولاية ، مراكز لتدريس علوم الدين واللغة ، حيث تقام حلقات العلم في كل من جامع نخل وجامع الغريض وهما من أقدم الجوامع بالولاية ، وعادة ما تقام تلك الدروس عقب صلاة العصر.
ومعظم تلك العادات كانت سائدة في العديد من قرى الولاية ومنها القرى الجبلية مثل وادي مستل والأبيض والطو وحلبان والمهاليل وبوة والقارة والحسنات. وقرى وادي بني حراص وجميعها تتشابه الى حد كبير، ولا تزال تلك القرى تحافظ على العديد من تلك القيم والعادات النبيلة حيث أن تلك العادات الحميدة تعد تواصلا لموروث ديني واجتماعي غني بالقيم النبيلة.
حسن التدبير والعناية بأموال الأوقاف وإفطار الصائم:
ومـن أهـم العـادات الحســنة التي كـانت تمـارس أثنـاء شـهر رمـضـان المـبارك تلك التي يطــلقُ عـليـها محليا مسمى (الــفطــرة) واسمـها مـأخـوذ مـن افـطـار الصــائم. حيث يقوم وكيــل الأوقاف (وكيل بيت المال في كل محلة) بتـحديد عـدد من نـخــيل الفرض من أمـوال أوقاف المســجـد ليتم جني ثمـارهـا سواء من الرطـب أو التمـر لتـوزع حسب الحـصص المتفق عـليها آنـذاك على جـميع المسـاجـد ومـقامـات النـســاء وهي مصليات ومرافق خاصة بالنساء.
كما يحرص الأهالي على حسن ادارة وتصريف أموال الأوقاف ليشمل خيرها كافة مساجد الولاية، يتم تقسيمها بالمحاصصة فعلى سبيل المثال، كـان نصيب جـامع الغريض – وهو من المسـاجد الأثرية الكبيرة بالولاية من فطـرة شهر رمضـان (12 مـنـا) من تمـر الفـرض أي بمعدل 48 كيلوغرامات من التمر فالمـَن الواحد وهو وحدة قياس عمانية قديمـة يساوي أربـعة كيلوغرامات أمـا مسـجـد البيـاديـر وهو مسجد مخصص للمزارعين الذين يقومون بري النخيل، لكونه يتوسط الحقول، وكذلك نصيب مسجد أرض الغرفـة من الفطـرة مـا مقداره (مـنــان) من التمـر. ويخضع تـوزيع الحصص لعـوامـل عدة منهـا عدد المصـلين بكـل مسـجد وحجم المسـجد وبـعده عـن أرض الوقف . ثم يتم توزيع باقي الحصص من التمر على باقي مرافق الولايـة. وقد كان هناك أشخاص من العارفين الثقاة الذين يتابعون أمور الأوقاف بكل أمانة ويحرصون على الاهتمام بها ورعايتها وصيانتها، ومنهم الشيخ الزاهد سيف بن محمد بن سليمان الكندي المشهور براعي الحصاة، أو صاحب الكهف الذي كان غالبا ما يتعبد معتكفا في كهف جبلي وكان يشرف على تلك الأموال، وبعده جاء عدد آخر من المشائخ القضاة الذين أوكل اليهم رعاية الأوقاف وحفظها مثل الشيخ محمد بن سعيد الكندي وولده القاضي الشيخ سعيد بن محمد الكندي، والشيخ القاضي سليمان بن علي الكندي والشيخ ناصر بن محمد الكندي رحمهم الله جميعا، ويذكر كبار السن من أهالي محلة الغريض أنه كان يتم اختيار الوكلاء بعناية فائقة من الأتقياء الثقاة في المجتمع حرصا على أموال أوقاف المساجد وأوقاف الرمضانيات من الضياع. كما كان هناك مشائخ آخرون يهتمون بالأوقاف في كل من الصعبة الكبرى والسفالة وباقي قرى ولاية نخل التي تم ذكرها سابقا، قبل أن تقوم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية خلال العقد الزاهر بتعيين وكلاء لمتابعة الأوقاف بالشكل الذي نعهده حاليا.
وفي تلك الحقب الزمنية الغابرة ، يقـوم وكيل كـل مسـجـد بالاحتـفاظ بذلك التمر في مخزن المسجـد واستخراج حاجـة الصـائميـن اليوميـة ليقـدم كـأفـطـار لعـامـة المسلمين والضيوف من خـارج الولايـة..
ويشير المزارع راشد بن محمد البحري أحد كبار السن من أهالي محلة الصعبة الكبرى و أحد الذين كانوا يتابعون ري أموال الأوقاف متحدثا عن بعض أنواع الوقف النادرة، لقد كان بمحلة الصعبة بنخل ضاحية من النخيل ، تسمى (مال أبو سبعة) ، ذلك لأن غلته ومحصوله كان يتم توزيعها على سبعة مساجد بالتساوي ، فيما كان متعارف عليه بأسم وقف (الترغب) أو الترغيب ، و ربما لترغيب الناس على عمل الخير و على الطاعات والعبادات في الشهر الفضيل، فكان لأجل ذلك يتم بيع محصول التمور من تلك الضاحية ، وبالمبلغ يتم شراء عددد من أوعية الحلوى النخلية ، ليتم توزيعها على تلك المساجد السبعة ، كوجبة يتناولها المصلون بعد صلاة التهجد أي قبل السحور، ويضيف البحري بأنه و إذا صادف شهر رمضان في فصل الصيف فإنه يتم الاستفادة من المبلغ بشراء بعض ثمار الفاكهة الموسمية لتقدم على مائدة السحور عقب صلاة التهجد حيث يجتمع الأهالي في صحن الجامع. ويستفيد من تلك الثمار حتى المعتكفين من عامة المسلمين و المسافرين.
ويحرص الأهالي في ولاية نخل ومنذ القدم على التبرع من حر مالهم لأوقاف المساجد ومدارس القرآن واوقاف أخرى متعارف عليها، حتى أن تنور الشواء بالمحلة كان يحدد له وقفا من اشجار النخيل تباع ثمارها سنويا وبالثمن يتم صيانة حفرة تنور الشواء وتجهيزه بمستلزمات العيد، كما كان هناك وقفا مخصصا وهبته إحدى النساء وهو مخصص لعمل (خل الشواء) الذي يصنع من التمر والفلفل والبهار يصب في وعاء كبير من الفخار يوضع بالقرب من الجامع لسد حاجة فقراء المسلمين ممن لا يجد آنذاك ثمن شراء الخل وحماية لهم من مذلة السؤال.
ومن شدة حرص الرعيل السابق على عدم تبديد عوائد الوقف مهما كان شأنها، يعمد الأهالي الى تجمـيع نوى بذور التمـر ومخلفـاتـه الذي كان يستخدم كعلف للحيوانات، ثم يبـاع في سـوق الولايـة ويصرف ثمنها في إعـداد ثلاث وجـبات مـن الأرز تقـدم للمصـليـن بعد كـل عشـر ليـال من الشـهر الفضـيل ، و يعد ذلك من حسن تدبير أموال الأوقاف ، وحسن استغلال الكثير والقليل منها في مصلحة المسلمين وعند منـتـصف ليـالي شـهر رمـضان الفضـيل واحتفالا بتلك الليلة يقـوم الأهـالي بتـوزيـع (تـغاليف الحـلوى النخـليـة) والتغـاليف مفردهـا تغليفـة وهي عبارة عـن غـلاف مصنـوع من سـعف النخـيل تكون على هيئة قطعتـين متقـابلتيـن توضـع بها الحلوى، لتحتفظ بمـذاقـهـا وحرارتـهـا لفتـرة أطــول.
الأطفال يبلغون الكبار بموعد الأذان:
يقول أحد كبار السن بالولاية بأن رمضان كان لهم شهر عيد يحتفون بمقدمه ، وبأوسطه وبوداعه، ويستطرد متذكرا بعض الأمثلة بأنهم عندما كانوا أطفالا صغار كانوا يتجمعون قـبل أذان المغـرب بسـاعـة حيث يجـتمـع ألاطـفـال حول المساجـد لاسـتشعار صـوت المـؤذن، نـظـرا لعـدم وجــود مكبـرات للـصـوت في ذلك الوقت ويحمـل الأطـفـال مـعهـم مختلف أنـواع الحلويـات وحبـات من أجود أنـواع التمـر وقبـل الأذان بفـتـرة يقـوم الأطـفـال بعمـليـة تـبادل الحـلويـات فيما بينهم. وعـند ســمـاع الأذان يجــري الأولاد مـن جــهة والبنــات من جهــة أخــرى يطوفون حــول المنــازل وفي زفاق الحي مرددين بصـوت واحــد عبــارة ( أذن أذن ) متجهين جريا الى البيوت البعيدة عن المسجد ممن لا يصلهم صوت الأذان يبلغونهم بموعد الافطار نظرا لعدم وجود مكبرات للصوت في تلك الفترة.
وفي الخامس والعشـرين من ليالي رمضـان يعلن مـعلم القرآن بالقريـة إجــازة عيــد الفطــر وللتعبير عن تلك الفرحـة يخـرج الأطفال من مختلف مـدارس القرآن الكـريـم في مجـموعات مرددين أنـاشـيد العيـد والرزحات الشـعبية الخـاصـة بتلك المناسبــة الى أن يلتـقـوا في مـكـان يـقال لـه برج العــقـة ( والعقـة بالدارج المحلي عبارة عن هضـبة مـرتـفعة محاطة بسور من الحجـارة والتراب) . وبـعد أن يتجـمـعون هـناك يتـم تجهيز مـدافع صغيرة خـاصة بصغار السن، وتحت إشراف الكبار تحشـى بالبـارود ويتم اطـلاقـها واحدا تـلو الآخــر متـباهـين بـأفضـلهـا من حيث قـوة الصـوت وكثـافة الدخـان الذي تخلـفـه.أمـا الفتـيـات فيقمـن بـدورهـن باعــداد أرجــوحات العـيـد وهي عبارة عـن حـبل متيـن مصنـوع من اللـيف يربط بيـن نـخلتين يتم تجهيزها ليوم عيد الفطر.

إلى الأعلى