الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة تنظيم “الدولة الإسلامية” .. الخطر القادم

أضواء كاشفة تنظيم “الدولة الإسلامية” .. الخطر القادم

إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام المتطرفة أو ما تسمي نفسها “داعش” قيام الخلافة الإسلامية في المناطق التي تسيطر عليها في العراق خطوة تثير القلق وتنذر باتساع نطاق الطائفية والعنف في الأمة العربية والإسلامية .. فهذه الجماعة مارست كافة صنوف التعذيب والقتل والصلب في حق كل من لا يوافق هواها ومبادئها وترى أن ملته أو دينه أو طائفته تتعارض مع مذهبها المتشدد.
لقد قامت داعش بتنصيب زعيمها أبو بكر البغدادي “خليفة” لكافة المسلمين في كل مكان لتلغي تلقائيا ولاية أي أمير لأي تنظيم آخر كالقاعدة وغيرها وطالبت جميع المسلمين بمبايعته ونصرته.
إن اللهجة الواثقة التي يتحدث بها زعماء تنظيم “الدولة الإسلامية” تنم عن رسوخ مكانتهم وسط الجماعات المسلحة المختلفة فأصبحت زعامة الظواهري تقتصر على باكستان وما يحيطها وبعض مناطق شمال أفريقيا بينما أصبح البغدادي الوريث الحقيقي لأسامة بن لادن في المنطقة العربية وذلك بسبب ما يتمتع به من ذكاء في وضع الخطط الحربية وحث أتباعه على القتال بشراسة وعنف .. بالإضافة إلى أن سيطرة التنظيم على حقول النفط في سوريا والعراق ونهب أموال البنوك وغيرها من منابع التمويل القوية يضمن له التمكين والاستمرار والقوة .. وهو ما جذب إليه آلاف الشباب المغرر بهم.
لاشك أن هذا التنظيم يشكل خطرا شديدا على الدول العربية خاصة أنه يريد أن يلغي الحدود بين الدول ليعيد الخلافة من جديد إلى المنطقة بدليل أنه كسر الحدود بين محافظتي الحسكة في سوريا ونينوى في العراق والبقية تأتي .. لذلك نراه قام باختصار اسمه إلى “الدولة الإسلامية” فقط حاذفا كلمتي “العراق والشام” حتى لا يقصر نفسه على هاتين المنطقتين بل يحلم بأن تمتد حدود دولته من البحر المتوسط إلى الخليج ومناطق كبيرة من آسيا وأجزاء من أوروبا.. إلا أنه سيترك سوريا لجبهة النصرة ليوزع بذلك الكعكة كما يحلو له!.. فهو كما يدعي يريد أن يهدم اتفاقية سايكس بيكو التي قامت من خلالها بريطانيا وفرنسا بتقسيم الأراضي العثمانية بعد قيام الحرب العالمية الأولى وإقامة الحدود بين الدول ليرسمها من جديد وتعود الخريطة كسابق عهدها قبل الاتفاقية على أن يتم ذلك في موعد أقصاه سنة 2020.
من الواضح أن العرب أصبحوا كالقشة تتقاذفهم الأمواج والرياح كما يحلو لها دون إرادة منهم .. فمثلما استغل الإنجليز والفرنسيون ضعف الأمة وقسموا التركة العثمانية ووقعوا على الاتفاقية المشئومة .. هاهو ذا التاريخ يريد أن يعيد نفسه مرة أخرى والجميع اكتشف فجأة أن سايكس بيكو خطأ ويريد أن يعيد تصحيحها مرة أخرى .. فتارة نرى الغرب يسعى لإعادة رسم الأمة على أساس مذهبي وطائفي ما بين سني وشيعي وكردي وغيرها .. وتارة أخرى نرى تنظيم “الدولة الإسلامية” يريد هو الآخر تصحيح الاتفاقية وإعادة الأمور إلى نصابها والأمة إلى حدودها السابقة وتناسى هؤلاء وهؤلاء أن أمتنا العربية لم تعد كالسابق .. فهي رغم هوانها ليست بالضعف الذي يسمح لكل من هب ودب بتقسيمها كيفما يشاء.
للأسف إن مثل هذه التنظيمات قدمت صورة سيئة ومشوهة للإسلام الذي يدعون أنهم يسيرون وفق مبادئه .. فالدين الحنيف أمرنا بالتراحم والتسامح والتعايش .. ووجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أتباعه عند دخول أية مدينة ألا يعتدوا على شجرة أو مسجد أو يتعرضوا لامرأة أو شيخ كبير أو طفل أو أسير وأن يكون شعارهم السلم والسلام والدعوة بالتي هي أحسن .. أما القتل والتدمير والتخريب ونشر الكراهية والعداوة والوحشية التي يتعامل بها هذا التنظيم وغيره فهي رذائل بعيدة كل البعد عن الإسلام.
السؤال الذي يفرض نفسه .. ما هو موقف الدول العربية من مثل هذه المخططات الخبيثة ؟.. وما هي التدابير التي يمكن اتخاذها لإفشال هذه المخططات ؟
إن الأمر جد خطير ولم يعد يحتمل التجاهل أو النوم في العسل .. ويستدعي اتحادا عربيا وتكاتفا فوريا وسريعا للتصدي لهذا التنظيم الذي يريد أن يقضي على الأخضر واليابس في المنطقة العربية والذي كلما حل في مكان أشاع فيه الفوضى والخراب والتدمير ولا يرحمون شيخا أو امرأة أو طفلا .. حتى الدولة المزعومة التي يريد إنشاءها قائمة على التشدد والتطرف وليس العدل والشورى والديمقراطية وتعود بالأمة إلى الوراء مئات السنين في الوقت الذي يتقدم فيه العالم ويعتبر مقياس قوة الدولة وما يحدد مكانتها هو مقدار ما تتمتع به من تقدم تكنولوجي.
على جميع الدول العربية توحيد الصفوف والتصدي لمخططات التفتيت والإرهاب قبل أن يفوت الأوان ويأتي وقت لا ينفع فيه الندم أو البكاء على اللبن المسكوب .. فالله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

* * *

رمضان .. والاختبار الصعب
تمر أيام رمضان المباركة بسرعة البرق وتتسلل كالرمال من بين أصابعنا .. وعلى كل منا أن يسأل نفسه .. هل استطاع أن يستغل الأيام المباركة أفضل استغلال وهل أدى بالفعل ما عليه من عبادات أم أنه كان بوسعه أن يعبد أفضل مما عبد ؟.. وهل نجح في الاختبار الذي وضعه الله فيه واستطاع أن يحقق إنجازا خلال الشهر الكريم ؟.
إن رمضان بمثابة الجائزة السنوية التي يمنحها الله سبحانه وتعالى للمسلم كي يستطيع عن طريقها تحقيق سعادة الدارين الدنيا والآخرة لو أحسن استغلاله بتدبر قراءة القرآن وقيام الليل بخشوع وخضوع ووصل الرحم وتقديم ما تستطيع يداه أن تقدم من صدقات ثم يختتم قرباته بزكاة الفطر التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليه قبل عيد الفطر مباشرة وغير ذلك من أعمال الخير.
لاشك أن من فاته الخير في الأيام المنصرمة يستطيع أن يعوضه في الأيام المتبقية من الشهر الكريم فيسرع بتقديم القربات لله سبحانه وتعالى ويزيد من صلاته وخشوعه وقراءته للقرآن والسؤال عن الأقارب وغير ذلك مما ينال به رضا ربه جل شأنه .. لاسيما وأن الأيام المتبقية سوف تشهد ليلة هي عند الله خير من ألف شهر وهي ليلة القدر التي يتلمسها كل مسلم ويتشوق أن يبلغها عسى أن يمحي الله ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر ويبدلها حسنات .. فهي خلاصة رمضان وزبده والتي لا يجب أن يتخلى عنها المسلم مهما كان.
للأسف انشغال المسلمين بلقمة العيش والانخراط في مشاغل الدنيا جعلت معظمهم يحرصون على أداء العبادات التي تعود عليهم وحدهم بالنفع فلا ينظرون لمن حولهم ولا يحاولون أن يصلحوا أحوال من يحيط بهم.
قديما قال المثل الصيني “أن تعلمني الصيد خير من أن تعطيني سمكة” .. أي أن الصدقات والزكوات التي يخرجها المسلم في الشهر الكريم يجب أن يحرص على توجيهها التوجيه السليم الذي يعود بالنفع على من يتلقاها والمجتمع .. فليس المهم أن نعطي الصدقة وكفى بل يجب أن يحرص كل مسلم على متابعة ما سوف يفعله متلقي الصدقة أو الزكاة بها .. فعلى سبيل المثال لو سعى المسلم أن يقيم مشروعا صغيرا للمحتاج سواء بمفرده أو مع مجموعة من أمثاله الذين يحرصون على إخراج الصدقات والزكوات فإنه بكل تأكيد سوف تكون صدقته جارية يعود نفعها العظيم عليه وعلى المحتاج وعلى الوطن.
نتمنى أن نحسن استغلال الشهر الكريم فيما يعود على بلادنا بالتنمية كما يعود علينا بالأجر العظيم .. فنبتدع الأفكار والطرق التي تحقق ذلك حتى يتقبل الله منا الطاعات.
ندعو الله أن يبلغنا ليلة القدر .. وأطلب من كل مسلم ألا ينسى أخوتنا المسلمين في كل مكان في سوريا والعراق واليمن وليبيا وتونس وفلسطين وميانمار وغيرها من البلدان التي ينعي فيها العربي الأخوة التي ضاعت تحت أقدام المصالح الزائلة .. أنعم الله عليكم وعلينا جميعا ببلوغ ليلة القدر وإدراكها .. وتقبل من جميع المسلمين الصيام ووهبهم المغفرة والرحمة .. إنه نعم المولى ونعم المجيب.

* * *
نحو نظام عالمي جديد
أثار مصطلح “العولمة” الكثير من اللغط والجدل في السنوات الأخيرة وبرزت تقارير وتحليلات تظهر إيجابيات وسلبيات فرضه على العالم .. ومؤخرا تناول المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية من خلال مؤتمر أقيم في لندن نظام العولمة من منظور مختلف على أنه مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي جديد وقارن الحاضرون ذلك بما حدث بعد الحرب العالمية الأولى التي غيرت منظومة القوى الدولية وناقشوا كيفية تعزيز التعاون لسد الفجوة بين الحكومات والجهات التي تفرض التحول في القوة السياسية والاقتصادية في العالم.
لقد مر على الحرب العالمية الأولى مائة عام .. فهل سيتغير وجه العالم في 2014 بالمقدار والكيفية التي تغير بها في 1914 ؟.
لاشك أن الحال اختلف كثيرا خلال المائة عام الماضية فالعصر الرقمي الذي نعيش فيه حاليا يختلف اختلافا كليا عما كان عليه الحال منذ مائة عام .. إلا أن هناك وجوها كثيرة يمكن مقارنتها بما حدث بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة لعل أهمها هو صعود قوى جديدة مثل النمور الآسيوية خاصة الصين على حساب تراجع واضح للقطب الأميركي الأوحد وهو ما يشبهنا بما حدث في مطلع القرن العشرين من صعود أميركا وألمانيا واليابان على حساب أفول نجم بريطانيا والصين .. بالإضافة إلى أن الاضطرابات الأمنية التي تواجهها كثير من الدول حول العالم تشبه إلى حد بعيد الحرب العالمية نفسها التي كان يتردد صداها في كل بقاع الأرض إلا أن هذا لا يعني أن القرارات التي تم اتخاذها وقتئذ تسري على عصرنا الحديث فالآليات والإمكانات مختلفة تماما فمنظومة الأسلحة على سبيل المثال تتنوع ما بين نووية وكيميائية وفسفورية وعنقودية وغيرها من المسميات صارت عنصرا يتحكم في القرار السيادي الذي تصدره الدولة طبقا لما تمتلكه من هذه الأسلحة.
كما أنه من الملاحظ أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت هي المتحكم في الاقتصاد بل والسياسة أيضا وبالتالي فإن صعود القوى الجديدة أو ضعف القديمة يعتمد في المقام الأول على ما تمتلكه من تطوير تقني وفي نفس الوقت تنظيم اقتصادي ومجتمعي .. وقد يعني ذلك احتمالية تنامي تبعية الدول الأقل تطورا للأكثر تطورا لأن المصالح الاقتصادية والفرص الاستثمارية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدى ما حققته من تقدم.
السؤال الذي يفرض نفسه هل للمنظمات الأممية والدولية والكيانات الموحدة كالاتحاد الأوروبي دور في مواجهة العولمة ؟
لاشك أن المؤسسات الدولية والكيانات الموحدة تشكل حائط صد أمام فرض العولمة بالقوة ذلك كونها ستحاسب أية دولة تتجاوز حدودها في محاولة فعل ذلك .. كما أن هناك بعض المؤسسات المعنية بالتراث كاليونسكو وغيرها تسعى للحفاظ على التراث الحضاري لكل دولة قدر استطاعتها.
إن النظام العالمي الجديد الذي يجب أن يسود ويحلم به كل إنسان على وجه البسيطة وتنشده كافة الشعوب هو أن تقوم العلاقات بين الدول على العدالة والمساواة ومراعاة القيم الإنسانية النبيلة والاحترام المتبادل والتعايش المبني على المودة والتفاهم والتعاون البناء .. أما العولمة بمفهومها الفردي الذي يكرس للسطوة والهيمنة للدول التي تمتلك آليات القوة فقط فهذا مرفوض لأنه سيولد الكراهية بين الشعوب ويلغي الهوية التي تميز كل شعب عن الآخر .. وإذا اعتبرت الأرض قرية كونية بالمفهوم الحديث فهذا لا يعني أن يكون حاكم هذه القرية أوحد يستخدم قوته في إقصاء باقي دول العالم وكم من نظام عالمي حاول أن يفرض نفسه على امتداد التاريخ وفشل .. فالزعامة مسئولية قائمة على التفاهم والشراكة المثمرة التي ترقى بالكون على كافة المستويات المادية والأخلاقية.
آخر كلام
اللهم إنك عفو كريم حليم تحب العفو فاعف عنا.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى