الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : المنطقة والحاجة إلى انتفاضة فلسطينية

شراع : المنطقة والحاجة إلى انتفاضة فلسطينية

خميس التوبي

واقع حال الوطن العربي اليوم ينطبق عليه حال الجسد إذا اعتل منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر، وهذا العضو كان ولا يزال هو فلسطين المحتلة التي هي بمثابة القلب في هذا الجسد الذي طوال أكثر من ستة عقود يعاني من انسداد خطير في شرايينه جراء إرهاب الدولة الذي يمارسه صباح مساء كيان الاحتلال الصهيوني، ما جعل الجسد يعاني من اختناقات وضيق تنفس نتيجة الانسدادات الحاصلة.
والسؤال الذي يبطح ذاته أمام هذا المشهد: هل كان جون كيري وزير الخارجية الأميركي جادًّا حين أطلق المفاوضات بين الجانب الفلسطيني والجانب الصهيوني المحتل لتوقيع اتفاق سلام؟ أم أن مقتضيات اللعبة كانت ساعتئذ تتطلب أن تبدأ التهيئة من أرض فلسطين؟
بالاستناد إلى التاريخ الأميركي بعد تقديم الولايات المتحدة أوراق مخدوميتها وولائها لسادة تل أبيب، وبعد نجاحها في توقيع معاهدتي الخنوع والركوع المسماتين كامب ديفيد ووادي عربة، وفشلها فيما بعد في الاتجاه ذاته في العراق وسوريا، فإن تاريخ المخدومية والولاء ارتبط بهاتين الدولتين باعتبارهما أهم قوتين عربيتين تقضان مضاجع الأسياد في تل أبيب بالبحث عن المفاتيح لفتح بوابتي بغداد ودمشق، فكانت حرب الخليج الأولى نقطة البداية نحو أهمية تغيير خطوط الطول والعرض للسياسة الصهيو ـ غربية لصالح كيان الاحتلال الصهيوني، ليتبعها الحكم الصهيو ـ أميركي/الأممي الشهير على الشعب العراقي بالموت البطيء بأداة العقوبات والحصار الظالم، لتتكامل مع مخلفات وآثار اليورانيوم المنضب. وتغطيةً لجريمة الإبادة هذه أُلْهي العرب والفلسطينيون باتفاقية أوسلو ولتشتيت الانتباه عن ما يدور في العراق بمؤتمر عبثي هنا ومفاوضات عقيمة هناك، وذلك تهيئة لارتكاب الجريمة الكبرى في العشرين من مارس عام 2003م التي تم تغطيتها أو التخفيف من آثارها هي الأخرى بما سمي بـ”خريطة الطريق” لحل الصراع العربي ـ الصهيوني.
وبالعودة إلى السؤال السابق، فمن الواضح أن العرَّاب الأميركي جون كيري كان يهدف من إرغامه الفلسطينيين على قبول استئناف المفاوضات وتبليعهم شروط أسياده الصهاينة إلى تهيئة مسرح الجريمة ضد سوريا بشن عدوان مباغت عليها، إلا أن سوريا وحلفاءها أفشلوا مخطط العدوان بإسقاط الصاروخين في البحر المتوسط، وبقبول نزع الترسانة الكيميائية السورية والتخلص من أعبائها، ولذلك كان الفشل حليف المفاوضات؛ لأنها بنيت على باطل، بل إن سوريا لم تكتفِ بتفويت فرصة شن العدوان عليها، وإنما ذهبت بعيدًا بتوجيه الصفعة تلو الأخرى على وجوه معشر المتآمرين عليها، بخلع أنياب إرهابهم وتكسير رماحه في القصير ويبرود والقلمون وداريا وكسب، وجارٍ خلع وتكسير ما تبقى منها.
وعلى الرغم من كثرة الصفعات على الوجه والقفا، لا يزال الأميركي يؤكد أنه خادم مطيع خانع لأسياده في تل أبيب، وأنه لن يتوقف حتى يلبي مطالب أسياده بإزالة أسباب صداعهم المزمن المتمثلة في محور المقاومة الممتد من إيران والعراق وسوريا ولبنان، فكان لا بد من إجراء تغيير جوهري في قواعد اللعبة لتعويض الفشل في سوريا، والاستعاضة عنها في العراق والعبث به ليكون نقطة الانطلاق مجددًا لمشاريع إعادة رسم خريطة المنطقة، عبر الجيش الوكيل والبديل المعروف بـ”داعش” الذي نجح الأميركي ومن معه في تكوين نواته في العراق ورعايته ونشر ألويته في سوريا.
وما يلاحظ هنا، أن هذا الجيش “الداعشي” الظاهرة الإرهابية التي يتم تصديرها إلى واجهة الأحداث وتصويرها للناس بأنها الدهماء، قد أوكلت إليه مهام كثيرة منها:
أولًا: نشر الفتن الطائفية والمذهبية وذلك من خلال القتل على الهوية، وذلك ما يؤكد الوجه الآخر لهذا الإرهاب والعنف والتدمير وهو الوجه الطائفي وإخراجه للناس على أنه اقتتال سني ـ شيعي.
ثانيًا: التدمير الحضاري وذلك من خلال تدمير كل ما يمت إلى الحضارة العربية والإسلامية أو إلى الحضارات القديمة، حيث يجري تدمير كل الآثار ونهبها وتدمير الأضرحة والمراقد، بمعنى آخر هو تجريف الحضارات في البلدان المستهدفة تحت طائلة هدم الأوثان، وهذا الأسلوب لا يقف وراءه إلا من هم خواء من أي حضارة أو هوية، بل هم حثالة العصر ومرتزقته ومتشردوه، سواء بالأصالة أو الوكالة.
ثالثًا: إلغاء الحدود، حيث رأى الجميع الصور المبثوثة لما يسمى تنظيم الدولة الإٍسلامية في العراق والشام “داعش” إزالة الحدود الفاصلة بين سوريا والعراق، تحت مسمى دولة “الخلافة الإسلامية” التي لا يجب أن تحدها حدود. والأماكن التي يتمركز عليها المتآمرون من خلال جيشهم الإرهابي “الداعشي” هي الأماكن الفاصلة بين سوريا والعراق والمحاددة لتركيا والأردن والسعودية، وهذا يؤكد ما قلناه سابقًا وهو التمهيد لمد أنابيب الطاقة إلى كيان الاحتلال الصهيوني عبر خط كركوك ـ حيفا، ليكون ذلك مقدمة للوصول إلى حلم ما يسمى دولة “إسرائيل” الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، ولذلك لا غرو من مطالبة كيان الاحتلال الصهيوني بإقامة دويلة كردستان، للدور الذي لعبه وسيلعبه الأكراد في تحقيق الحلم الصهيوني التلمودي، وهذا ما يفسر رفض الأكراد التخلي عن المناطق التي سيطروا عليها ومن بينها كركوك، وأنهم مستعدون للاقتتال حتى آخر قطرة دم من أجل التمسك بخيارهم هذا.
إن ما يلفت الانتباه أيضًا، هو أنه كل التحركات الإرهابية في العراق والجرائم التي يرتكبها ما يسمى “داعش” تتزامن معها خطوات إرهابية لا تقل جرمًا وعنفًا في أرض فلسطين المحتلة وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يؤكد مدى الارتباط الذي ذكرناه آنفًا، حيث يسير المشروع الاستعماري الصهيو ـ أميركي وفق المخطط، هنا في العراق وسوريا وجوارهما يمهد له “داعش” وهنا في فلسطين تمهد له آلة الحرب والإرهاب الصهيونية.
إذًا، كل شيء يسير وفق ما هو مرسوم ومخطط له، لا مكان للعبث ولا مجال للتأويلات والاجتهادات، إنه مشروع سياسي استعماري تفتيتي تدميري تقسيمي يدار بحنكة وذكاء تستغل فيه الأخطاء السياسية ويتم تلفيعه بأثواب الطائفية. وفي تصوري أن هذه الدهماء التفتيتية الإرهابية لن يوقف زحفها إلا انتفاضات فلسطينية متتالية وبدعم واجب وضروري من جميع الغيورين على مصير فلسطين وشعبها والغيورين على أوطانهم وأهلها؛ لأن هذه الانتفاضة إذا ما حدثت وحدوثها واجب وضروري اليوم وليس غدًا ـ لا شك ـ ستربك الأعداء المتآمرين وتشوش عليهم، وتجعلهم يعيدون حساباتهم.

إلى الأعلى