الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة: أصل القضية : من يتحكم بمصير الشعب ؟

العين .. الثالثة: أصل القضية : من يتحكم بمصير الشعب ؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

في مرحلتنا الوطنية الجديدة، لا يمكن أن يتحكم في مصير الشعب، سلطة واحدة أو فاعل واحد، فعهد صناعة التنمية من قبل الحكومة فقط قد ولى، بحكم تجربة الاستفراد الحكومي بالتنمية، رؤية وتخطيطا وتنفيذا ومتابعة، طوال عدة عقود ماضية، والنتيجة؟ الاختلالات البنيوية الكبيرة والشاملة التي انكشفت مع لحظة انفجار الصمت، فهل ينبغي الاستمرار في نفس النهج أم تصحيحه فورا؟ وقد كان هذا مستدركا من قبل قيادتنا السياسية، بدليل الإصلاحات التي أدخلتها على النظام الأساسي للدولة، لكن علينا مراجعتها من حيث ماهيتها وتطبيقها، لأنه لا تزال هناك مشكلة كبيرة على صعيد الشراكة التنموية.
وكذلك عهد ولى بحكم التطورات الداخلية ببناها الفوقية والتحتية الجديدة، لعل أبرزها هنا ، المتغير الذهني الاجتماعي الذي أصبح أهم منتوجاته الوعي المرتفع وإحساسه بحقوق المواطنة وضرورة استحقاقها بصورة تلقائية كون الفرد مواطن مما يسقط منطق المنح والإكرامية التي لوح بها مسئول سياسي كبير عندما اعتبر مجانية التعليم منه وليس حق من حقوق المواطنة، وكذلك لما يملكه هذا الوعي الاجتماعي خاصة عند الشباب الذين يشكلون غالبية مجتمعنا من وسائل حديثة للتعبير عن آرائهم في فضاءات غير مسيطر عليها بأسماء وهمية وواقعية، وقد أصبحت تحرك واقعنا بمختلف أشخاصه الواقعيين سواء كانوا هنا أفراد أو مؤسسات حكومية أو خاصة أو أهلية، وهو أيضا عهد ولى بحكم التطورات العالمية التي لا يمكن تجاهلها داخليا، فالكونية تضغط خلال المرحلة الراهنة على ديمقرطة التنمية وليس صناعتها من قبل الحكومات، والمؤشرات كلها تتجه نحو توجه عالمي لمساندة الشعوب في نضالاتها المقبلة، ولولا الانشغالات العالمية بداعش في العراق، وبالوضعين السوري والليبي، وبمساعي روسيا استعادة إمبراطورتيها التاريخية، والصراع على ثروات آسيا الوسطى، لشهدنا ضغوطات على عالمنا العربي من أجل ديمقرطة التنمية، وسوف يتداعى له خليجينا تلقائيا أي دون ضغوطات عالمية بسبب هذا الوعي المرتفع الذي أصبح يتميز بخاصيتي النقد والنقل، تلكم رؤية استشرافية نقدمها للقول بصريح العبارة، أنه أذا كان الخليج لا يزال يراهن على ثرواته وموقعه الجيواستراتيجي في جعل الدول الكبرى تحيده عن معادلة ضغوطاتها المسيسة، فإن المتغير المجتمعي بخصائصه وخاصياته سالفة الذكر قد أصبح يشكل ضغطا داخليا مرتفعا على مرحلتنا الوطنية الحالية، فكيف بالمستقبل القريب ؟ وهذا جزء من عملية استشرافية نقدمها للاستدلال على أن المرحلة تحتم فعلا الشراكة المتضامنة والمسئولة بين كل السلط الدستورية داخل البلاد حتى ننقل الصراعات من مسارات معرقلة للمسير الى مسارات معززة له، مثل القرار المثير للجدل الذي أصدره مجلس الوزراء بشان تحرير السلع والخدمات، فالحل الذي فرضته المؤسسة السلطانية كان ينبغي التوصل إليه من خلال صراع السلطات الايجابي بدلا من الزج بهذه المؤسسة الفوقية في كل الصراعات، خاصة وأنه حلا قد جاء من مجلس الشورى، وهو حل منطقي وواقعي اي بعيدا عن العواطف، فتأجيل القرار حتى إصدار التشريعات الضامنة لحرية المنافسة خطوة لو خرجت من خلال الشراكة المتضامنة بين السلطات لعززت دولة المؤسسات الدستورية التي ينبغي أن تقود الصراعات التنموية بدلا من جعل ساحتها الميادين أو تجاذبات التواصل الاجتماعي، فهل يدرك الوعي السياسي الحكومي هذا البعد الاستشرافي المهم أم أنه سيتجاوزه على اعتبار أنه لم يخرج من ميكانزماته والياته الاستشرافية ؟ وكل شئ ايجابي يأتي من خارجه فهو رد، وهذا التساؤل بجزئيته الأخيرة يطرحان مشكلة وطنية كبيرة سوف نفتحها قريبا، والشئ الذي ينبغي أن نؤكد عليه هنا ، أن أمام بلادنا خيارين لأدارة الصراعات لا ثالث لهما، وهما، صراع مجتمعي سلطوي مباشر، ميدانه، متعددة الفضاءات ،، الوهمية والواقعية ،، وقد يتقاطع على الأرض في مرحلة لاحقة، أو صراع بين مؤسسات الدولة الدستورية، ميدانه، القبب البرلمانية والحكومية، والفارق بين الخيارين كبير جدا من حيث النتائج، الأول، سيكون صراعا سلبيا تحركه قوة الاحتقانات غير المنضبطة والمتحكم فيها مما قد تبعث برسائل خارجية سلبية عن الرضا الاجتماعي، وقد تغذيه أطراف خارجية، ولن يكون لهذا الصراع حدودا سياسية معينة، وإنما هى مفتوحة حسب حدة الفعل وردة الفعل، والثاني، سيكون صراعا ايجابيا وفي إطار مؤسسات الدولة وحاكمية صلاحيتها القانونية، وهى ستكون تحت السيطرة دائما خاصة إذا ما تم إنشاء محكمة دستورية، وهنا نقدم قانون حماية المستهلك الجديد الذي لم يعرف حتى النور أفضل مثال على الشراكة المتضامنة والمسئولة لأداره الصراعات الداخلية التي ينبغي أن تكون في إطار المؤسسات الدستورية دون الزج دائما بالمؤسسة السلطانية ، فرغم الخلافات الكبيرة بين القطاع الخاص والحكومة ومجلس الشورى حول بعض مواد القانون، الا أنها في النهاية تمكنت من التوصل إلى حلول وسط بعد مناقشة فردية ومشتركة ولقاءات هامشية حتى رفع القانون لمجلس الوزراء لاعتماده ، تصوروا لو القرار المثير الجدل خضع لمنطق الشراكة بين السلط، هل كان سيكون له تداعيات على السلطة التنفيذية وعلى المجتمع أو سيعمق الهوة بين الجانبين؟ هذه مسألة في غاية الأهمية تدعو للتأمل فيها برؤية مستقبلية خاصة وأن القضية لم تنتهي بحل إشكالية القرار، لماذا ؟ لأننا بلادنا قد دخلت بسبب امتدادها الجغرافي العربي وفي ضوء انكشافاتها على مجموعة اختلالات بنيوية اجتماعية كبيرة ، في عصر الأزمات ،، المتوقعة وغير المتوقعة،وبالتالي فإن إدارة هذه الأزمات لن تكون بالاستفراد السلطوي وإنما الشراكة بين السلط وبالذات في كل ما يتعلق بالشأن الاجتماعي؟ وهو شأن قلنا عنه في عدة مقالات بأنه قد أصبح يتمتع بحساسية مفرطة، والتعامل معه ينبغي أن يكون بذكاء عال.
من هنا ينبغي أن نعلي من شأن الإجماع الوطني وتأثيره على الاستقرار والعكس صحيح ، والقرار بتحرير اغلب السلع وكل الخدمات المثير للجدل خير مثال نقدمه للاستدلال به، وخير مثال للتأكيد على أن مرحلتنا الجديدة لن تقبل سوى الشراكة المتضامنة والمسئولة بين السلط الدستورية، وهى التي ينبغي أن تتحكم بمصير الشعب وليس سلطة واحدة، تلكم من بين أهم الحقائق التي خرجنا بها بعد احداث عام 2011، وآفاق مرحلتنا السياسية المقبلة في ضوء تعاطيها الكوني، ولو فتحنا نافذة صغيرة على غياب الشركاء الدستوريين في صناعة التنمية في بلادنا، فسوف نعيد اكتشافنا مجددا بمهمة الحكومة الحصرية في التنمية التي كانت حقا خالصا لها دون حسيب ولا رقيب، مما جعلها تتخذ قرارات مصيرية برؤية السلطة الواحدة، كخصخصة مشاريع ومرافق الدولة، وتبني سياسات واستراتيجية تربط اقتصادنا بالاقتصاد العالمي، والنتيجة ؟ اكتشافنا جيل كامل من الشباب في قائمة الباحثين عن عمل، واختلال هيكل الأجور في القطاعين العام والخاص على السواء، وفقدان حق التعليم الجامعي لأغلبية مخرجات الدبلوم العام ( الثانوية العامة) واكتشفنا كذلك أن رغم ما يحققه اقتصادنا العماني من معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي في ظل سياسة التحرر الا أن هذا النمو لم يصاحبه زيادة في تحسين الحياة المعيشية للمواطنين، بل العكس، فهو يؤدى الى الثراء الفاحش للأغنياء فقط، إذن، الضمانة الأكيدة لعدم تكرار مثل تلك الاختلالات الكبيرة في بنية دولتنا تكمن فقط في عدم التحكم بمصير الشعب من قبل سلطة واحدة، ولابد من إشراك مؤسسات الدولة الحكومية والمنتخبة في صناعة هذا المصير.

إلى الأعلى