الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن مـن مـواقـف الـرحـمة (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن مـن مـواقـف الـرحـمة (1)

- الـرحـمة التي يـفـيـض بها قـلب الرسـول لـيست رحـمة خـاصة تقـتصر عـلى الأقـارب والأصـحـاب

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الـرسـل أجـمـعـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
حديثنا اليوم عـن مـواقـف الـرحـمة: قالت أسـماء زوجـة جـعـفـر بن أبي طـالب ، فـلـما أقـبـل رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) وجـدت غـلالة مـن الحـزن تـوشـح وجهه الكـريـم، فـسرت الـمخـاوف في نفـسي، غـير أني لـم أشـأ أن أسـأله عـن جـعـفـر، مخـافـة أن أسـمـع مـنه ما أكـره، وقال: ائتـني بأولاد جـعـفـر، فـدعـوتهـم له فـهـبـوا نحـوه يتسـابـقـون فـرحـين، مـزغــردين وأخــذوا يـتـزاحـمـون عـلـيه، كل يـريـد أن يسـبـق إليـه ويسـتأثـر به، فأكـب رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) عـلـيهـم، وجـعـل يــقـبـلهـم ويتـشـمـمهـم، وعـيـناه تــذرفان مـن الـدمـع مـن آثـار الحـزن لـوقـع الـمـصاب .
قـالت زوجـة جـعـفـر بأبي أنـت وأمي يا رسـول الله ما يـبـكيك؟، أبـلـغـك عـن جـعـفـر وصاحـبيه شيء؟، قال:(نـعـم، لـقـد اسـتـشـهـدوا هـذا الـيـوم عـنـدئـذ غـاضت الـبسـمة مـن الـوجـوه الـصغـار، لـما سـمعـوا أمهـم تجهـش بالبكاء، وجـمـدوا في أمـاكـنهـم، وكأن عـلى رؤوسـهـم الطـير، أمـا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) فأمضى وهـو يكـفـكـف عـبراته، ويـقـول:(اللهـم اخـلـف جـعـفـرا في ولـده، اللهـم اخـلـف جـعـفـرا في أهـله)، ثـم قال:(رأيت جـعـفـر بن أبي طـالب مـلـكاً في الجـنة مـع الـمـلائكة بجـناحـين)، ولـذلك سـمـي بجـعـفـر الـطيـار.
والـرحـمة التي يـفـيـض بها قـلب الرسـول، لـيست رحـمة خـاصة تقـتصر عـلى الأقـارب والأصـحـاب، ولـكـنها الـرحـمة الـعـامة، تشـمـل الأبـاعـد والأقـارب، بـل حتى الأعـداء تـشمـلهـم، قال تعالى:(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فـصلت 34 ـ 35).
وهـذه صـورة أخـرى مـن صـور الـرحـمة، التي فاض بها قـلـب النـبي الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم)، والتي تمـثـلت بـعـفـوه عـن ثـمامة بن آثال الحنـفي فـمـن ثـمامة؟: ثـمامة هـو الـذي أصاب بعـض الـصحـابة، فـقــتلهـم شـر قــتـلـة، وواجـه رسـالة رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) بالكـفـران، فـوقـع أسـيراً بـيـد الـمـؤمـنـين، فـعـفـا عـنه الـمـصطـفى (صلى الله عـليه وسـلم)، فأسـلـم ثـمامة وحـسن إسـلامه.
وثـمـامة بن آثـال، هـو سـيـد مـن سـادات بني حـنـيفـة الـمـرمـوقـين، تـلـقى رسـالة النبي (صلى الله عـليه وسـلم) بالـزراية والإعـراض، وأخـذته العـزة بالإثـم، فاصم أذنيه عـن سـماع الحـق والخـير، وقـد ظـفـر بـعــدد مـن صـاحـبة رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، فـقـتلـهـم شـر قـتـلـة، وكانت سـرية مـن سـرايا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، تجـوب خـلال الـديـار، وكان ثـمامة في طـريـقـه إلى مـكـة الـمـكـرمة، فـوقـع في أسـر هـذه الـسرية وهي لا تعـرفـه.
للـرسـول الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم) مـوقـفـه مـن ثـمامة بن أثال، ولـما أسـر وأوتي به إلى الـرسـول، إلى الـمـديـنة وشـد إلى سـارية مـن سـواري الـمسـجـد، ينـتـظـر أن يـقـف النبي (صلى الله عـليه وسـلم) بنـفـسـه عـلى شـأن هـذا الأسـير.
ولـما رآه النبي (صلى الله عـليه وسـلم) قال: أتـدرون مـن أخـذتـم؟ هـذا ثـمامة ابن آثال الحـنـفي ، فأحسـنـوا إسـاره، ثـم رجـع النبي الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم) إلى أهـله وقال لهـم:(اجـمـعـوا ما عـنـدكـم مـن طـعـام وابـعـثـوا به إلى ثـمامـة ، ثـم أمـر بناقـته أن تحـلـب وأن يـقـدم إلـيه لـبنـها، (كان هـذا قـبـل أن يـلـقـاه الـرسـول ويحـكـم عـليه بحـكـمه).
فـلـما لـقـيه النبي (صلى الله عـليه وسـلم) قال:(ما عـنـدك يا ثـمامة)؟، قـال: عـنـدي يا محمد خـير، فإن تـقـتـل ، تقـتـل ذا دم، وإن تنـعـم، تنـعـم عـلى شـاكـر، وإن كـنـت تـريــد الـمال فـسـل تعـط مـنه ما شـيئت؟، ثـم لـقـيه مـرتـين أخـريين، وهـو يـقـول قـولـته نـفـسـها، ثـم الـتـفـت النبي (صلى الله عـليه وسـلم) إلى أصحابه وقال لهـم: اطـلـقـوا سـراحه.
غـادر ثـمامة الـمسـجـد، ومضى حتى بـلـغ مـوضعـاً مـن حـواشي الـمـدينة فـيه مـاء، ثـم أناخ راحـلته، فـأغـتسـل وتـطـهـر، ثـم عـاد أدراجـه إلى الـمسـجــد، ثـم تـوجه إلى الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، وقال: أشـهــد أن لا إلـه إلا الله وأشـهـد أن محمداً رسـول الله، يا محـمد: والله ما كان عـلى ظـهـر الأرض وجـه أبغـض إلي مـن وجـهـك، وقـد أصـبح وجـهـك أحـب الـوجـوه كلها إلي، ووالله ما كان ديـن أبـغـض إلي مـن ديـنـك، فأصـبح ديـنـك أحـب الـدين كله إلي، ووالله ما كان بـلـد أبـغـض إلي مـن بـلـدك، فأصـبح بـلـدك أحـب الـبـلاد كلهـا إلي، ثـم قال: لـقـد كـنـت أصـبـت مـن أصحابـك دمـا ، فـما الـذي تـوجـبه عـلي؟، فـقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(لا تـثـريب عـلـيـك يا ثـمامة، فإن الإسـلام يجـب ما قـبـله)، أي بمجـرد دخـولـك في الإسـلام عـفـا الله عـما سـلـف.
وهـذه الـرحـمة التي يـفـيض بها قـلـب الـرسـول، والتي تـمـثـلت بهـذا الـمـوقـف الـذي وقـفـه النبي (صلى الله عـليه وسـلم) مـن أثـامة ، يـوم أوتي به أسـيراً إلى الـرسـول، إنـها الـرحـمة الـمـهـداة إلى الـبشـرية.
ومـن مـواقـف الـرحـمة مـوقـف الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)، مـع الأنصـار، لـمـا قـسـم الـرسـول غـنـائـم حـنيـن، فأعـطة المـؤلـفة قـلـوبـهـم، وحـرم الأنـصار مـن تلك الـغـنـائـم، ومـا أحـس به الأنـصـار في قـلـوبهـم، وقـد أفـاض هـذا الـمـوقـف في قـلـب الـرسـول الكـريـم، وفـاء ورقـة واعــتـرافاً بالجـمـيـل، وحـكـمة في تصـريـف الأمـور وتألـيـف الـقـلـوب واسـتئصال الضـغـائـن، واشـاعـة الـمـودة والـمحـبة، التي أبـداها الـرسـول الـكـريم في تقـسيـم غـنـائـم حـنين والطـائف.
أرأيـتـم كيـف أن الإنسان إذا عـرف ربـه، واسـتـقام عـلى أمـره، وأقـبـل عـليـه سـعـد بـقـربه، وصـغـرت الـدنيا في عـيـنـيه، وانتـقـلـت مـن قـلـبه إلى يـديه، وحينـما يتصـل الإنسان بالله رب العـالمـين، مـصـدر الحـق والخـير والجـمال، فإنه يـهـتــدي قـلـبه ويـمـتـلئ رحـمة وحـناناً وعـطـفاً وإحساناً، وعـفـواً وتسـامحاً ووفـاء ورقـة ومـودة ومحبة.
.. وللحـديث بـقـيـة.

إلى الأعلى