Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

خطبة الجمعة: (حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنفسِهِمْ)

جامع السلطان قابوس الكبير

الحَمْدُ للهِ ذِي الجَلالِ، حَثَّ عَلَى اغْتِنَامِ الأعْمَارِ وَالآجَالِ، وَإِعْمَارِ الحَيَاةِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَنَهَى عَنْ فَارِغِ الأَمَانِيِّ وَالآمَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَلِكُلِّ مَخْلُوقٍ عُمْرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنِ اغْـتَنَمَ سَاعَاتِ عُمُرِهِ، وَأَحْسَنَ التَّخْطِيطَ وَالتَّدْبِيرَ لِشُؤُونِ أُمَّـتِهِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ، وَدَعَا بِدَعْوَتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَـ)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ (لقمان ـ 33)، وَاعْلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ طُمُوحَاتِ الإِنْسَانِ لا تَنْقَضِي، وَآمَالَهُ لا تَنْتَهِي، وَأَمَانِيَّهُ لَمْ تَزَلْ مَعْـقُودَةً، وَحِبَالَهَا مَمْدُودَةٌ، مَعَ تَنَوُّعِ مَجَالاتِهَا، وَتَعَدُّدِ مَسَارَاتِهَا، يُرِيدُ الوُصُولَ فِي حَيَاتِهِ إِلى الأمْجَادِ، وَتَحْـقِيقَ الفَوْزِ وَالنَّجَاةِ يَوْمَ المَعَادِ، هَكَذَا أَرَادَ، فَهَلْ أَحْسَنَ التَّخْطِيطَ للْمُرَادِ؟ بَلْ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ فَرَّقَ بَيْنَ الأَمَلِ الصَّالِحِ وَالأُمْـنِيَّاتِ، لِيَجِدَّ السَّيْرَ لِلأُولَى، وَيَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ الأُخْرَى، كَمَا عَلَّمَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، إِذْ أَرشَدَنَا لِلأَمَلِ الصَّالِحِ، وَحَثَّنَا عَلَى حُسْنِ التَّخْطِيطِ لَهُ فَقَالَ:)قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الحشر ـ 18)، وَبَيَّنَ أَنَّهَا هِيَ التَّمْهِيدُ الحَقُّ وَالاسْـتِعْدَادُ الصَّادِقُ للنَّجَاحِ فَقَالَ ـ جَلَّ شَأْنُهُ:)مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) (الروم ـ 44)، وَحَذَّرَنَا مِنَ الآمَالِ الكَاذِبَةِ، وَالاغْتِرَارِ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَمَانِيِّ الشَّيْطَانِ فَقَالَ:)يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ) (فاطر ـ 5).
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ:
إِنَّ قَرْنَ الرَّجَاءِ بِالعَمَلِ، وَالآمَالَ بِأَسْبَابِ تَحْقِيقِهَا، هُوَ دَيْدَنُ المُتَّقِينَ الأَبْرَارِ، لإدْرَاكِهِمْ أَنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَالعَمَلَ الجَادَّ مَنَاطُ الفَلاحِ، وَسَبِيلُ النَّجَاحِ،) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) (الكهف ـ 107)، فَالسَّالِكُونَ فِي طَرِيقِ الأَمَلِ الحَقِيقِيِّ، يُتَابِعُونَ الخَطَوَاتِ، وَيَرْصُدُونَ النَّتَائِجَ وَالثَّمَرَاتِ، فَإِنْ وَجَدُوا خَيْرًا حَمِدُوا اللهَ وَاسْـتَزَادُوا، وَإِنْ وَجَدُوا غَيْرَ ذَلِكَ تَوَقَّفُوا قَلِيلا وَأَنَابُوا، فَصَحَّحُوا الخُطَى وَعَدَّلُوا المَسَارَ، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف ـ 201)، إِنَّهُمْ يُحِبُّونَ العُلا، وَيَعْشَقُونَ القِمَمَ، هَؤُلاءِ هُمُ الجَدِيرُونَ بِالنَّجَاحِ الأَمْـثَلِ، الحَقِيقُونَ بِالتَّغْيِيرِ نَحْوَ الأَفْضَلِ؛ فَلَدَيْهِمُ القَنَاعَةُ الرَّاسِخَةُ بِالتَّجْدِيدِ، لا يَعْرِفُ الكَسَلُ إِلَيْهِمْ سَبِيلاً، وَلا اليَأْسُ وَالقُنُوطُ لَهُمْ طَرِيقًا، وَقَدْ قَرَؤُوا فِي كِتَابِ اللهِ )قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر ـ 53)، وَمَنْ مَلَكَ هَذِهِ القَنَاعَةَ فَقَدْ مَلَكَ وَقُودَ التَّغْيِيرِ الجَادِّ، وَحَازَ أَوَّلَ مَفَاتِيحِ النَّجَاحِ، أَمَّا الحَائِدُونَ فهُمْ فَرِيقَانِ، فَرِيقٌ يُحِبُّ المَعَالِيَ، وَيُؤْمِنُ بِالتَّغْيِيرِ وَالأَسْبَابِ، لَكِنَّ أَهْوَاءَهُ تُقَيِّدُهُ، وَالرُّكُونَ إِلى شَهَوَاتِهِ يُحَبِّطُهُ، فَعَجَزَتْ خُطَاهُ وَفَرَّطَ في أَمْرِهِ، فَهُوَ يَعِيشُ فِي مِنْطَقَةِ رَاحَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَمُتْعَةِ لَحْظَةٍ مَزْعُومَةٍ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى الدَّهْرُ وَفَاتَ، وَمَرَّ العُمُرُ فِي اللَّهْوِ وَالتَّفَاهَاتِ، قَالَ:(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (الفجر ـ 24)، لَقَد تَكَاسَلَ وَلَمْ يَنْظُرْ لِغَدٍ، وَلَوْ جَدَّ لَوَجَدَ. وَفَرِيقٌ دَخَلَ اليَأْسُ فِي قُلُوبِهِمْ وَتَغَلْغَلَ، وَاليَأْسُ إِذَا خَالَطَ قَلْبًا دَمَّرَ وَحَطَّمَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف ـ 87)، ذَلِكَ لأَنَّهُ أَكْبَرُ عَائِقٍ عَنِ الجِدِّيَّةِ فِي التَّغْيِيرِ، بَلْ يَمْـنَعُ صَاحِبَهُ حَتَّى مِنَ التَّأَمُّلِ وَالتَّفْكِيرِ، هَؤُلاءِ يَفْتَقِدُونَ الوَقُودَ الحَقِيقِيَّ لِلانْطِلاقَةِ نَحْوَ التَّجْدِيدِ.
عِبَادَ اللهِ:
لِكُلِّ هَدَفٍ مَسَارٌ، وَلِكُلِّ غَايَةٍ سَبِيلٌ، وَطَرِيقُ التَّغْيِيرِ أَرْشَدَنَا القُرآنُ لِمُنْطَلَقِهِ، وَنَوَّرَ بَصَائِرَنَا لِمَسْـلَكِهِ، وَوَضَعَ أَقْدَامَنَا عَلَى بِدَايَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى:(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) (الرعد ـ 11)، هُنَا بِدَايَةُ التَّغْيِيرِ، النَّفْسُ البَشَرِيَّةُ المَيَّالَةُ إِلى رَاحَتِهَا، النَّاظِرَةُ إِلى شَهَوَاتِهَا وَرَغَبَاتِهَا، إِنْ لَمْ تُكْبَحْ جَمَحَتْ، وَإِنْ زُكِّيَتْ أَفْـلَحَتْ، كُلُّكُمْ تَحْـفَظُونَ )وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (الشمس ـ 1)، وَتَرَونَ تَتَابُعَ القَسَمِ الإِلَهِيِّ فِي ثَنَايَاهَا، قَسَمٌ عَظِيمٌ لَمْ يَجْـتَمِعْ فِي غَيْرِهَا، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِعَظِيمِ مَا أَقْسَمَ اللهُ بِهِ، وَمَا يُرِيدُ ـ جَلَّ شَأْنُهُ ـ أَنْ يَلْفِتَ عِنَايَتَنَا إِلَيْهِ، )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (الشمس 7 ـ 10)، إِنَّهَا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، مِنْهَا النَّجَاحُ يَبْـتَدِئُ، بَلْ بِهَا يَسِيرُ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي، فَمَنْ أَرَادَ الوُصُولَ، وَتَحْـقِيقَ المَأْمُولِ، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، وَلْيُفَتِّشْ عَنْ جَوَانِبِ الخَيْرِ وَدَوَافِعِ الصَّلاحِ فَيُنَمِّيَهَا، وَلْيُنَقِّ كَوَامِنَ الخَلَلِ فَيُخْرِجَ نَوَازِعَ الشَّرِّ مِنْهَا، فَيَرْتَقِيَ بِجَمِيلِ الطُّمُوحَاتِ، مُنْطَلِقًا فِي أَدَاءِ العِبَادَاتِ، خُصُوصًا فِي أَوقَاتِ خُمُودِ النَّفْسِ فِي مَنَامِهَا، كَوَقْتِ الفَجْرِ مَثَلاً، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّ المُتَغَلِّبَ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ المُهَذِّبَ لَهَا يَقُومُ لِصَلاةِ الفَجْرِ (فَيُصْبِحُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ)، فَهَلا اعتَنَيْـنَا بِجَوَانِبِ النَّفْسِ وَأَعْمَاقِ الضَّمِيرِ، إِنْ كُنَّا نَأْمُلُ مِنَ اللهِ التَّغْيِيرَ، فَكَيْفَ تُشْرِقُ نَفْسٌ وَظُلْمَةُ الأَحْـقَادِ تَمْـلَؤُهَا، أَمْ كَيْفَ تَسِيرُ وَهِيَ مُكَبَّـلَةٌ بِغُرُورِهَا وَتَعَالِيهَا، إِنَّ السَّعْيَ نَحْوَ الأَفْضَلِ يَحْـتَاجُ إِلى نَفْسٍ صَافِيَةٍ، زَكَّاهَا صَاحِبُهَا وَأَدَّبَهَا، وَعَلَى الخَيْرَاتِ حَمَلَهَا وَفِي صُنُوفِ الإِحْسَانِ رَغَّبَهَا.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعتَنُوا بِجَمِيلِ الآمَالِ، وَانفُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ فَارِغَ الأَمَانِيِّ وَذَمِيمَ الخِصَالِ، تَسِيرُوا نَحْوَ حُسْنِ التَّجْدِيدِ، بِعِنَايَةِ المَوْلَى الحَمِيدِ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ خَالِقِ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، أَمَرَ بِالمُسَارَعَةِ إِلى الخَيْرَاتِ، وَاغتِنَامِ الأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابِعِيهِ الَّذِينَ كَسَبُوا فِي أَعْمَارِهِمْ خَيْرًا فَأَورَثَهُمْ ذَلِكَ فَوْزًا وَأَجْرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا المُسْـلِمُونَ:
استَمِعُوا إِلَى كَلامِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) وَهُوَ يَقُولُ:(الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ)، إِنَّ أَكْبَرَ عَائِقٍ عَنِ التَّغْيِيرِ إِلى الأَفْضَلِ، الكَسَلُ وَالتَّوَانِي، وَالتَّأْجِيلُ وَالتَّسْوِيفُ، يُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ الفَوْزَ وَالنَّجَاحَ، وَلَكِنْ لَيْسَ الآنَ، سَأَبْدَأُ غَدًا، وَالغَدُ يَكُونُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى تَمْضِيَ الأَيَّامُ، دُونَ تَحْـقِيقِ شَيْءٍ مِنَ الآمَالِ، يَنْتَظِرُ الوَاحِدُ مِنَّا المُفَاجَآتِ، وَيَتَرَقَّبُ تَبَدُّلَ الظُّرُوفِ، رَابِطًا تَغْيِيرَهُ بِتَغَيُّرِ الأَحْوَالِ، فَقَائِلٌ: أُصْـلِحُ طَرِيقِي عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي، وَآخَرُ عِنْدَمَا أَتَزَوَّجُ سَأُجَدِّدُ حَيَاتِي، وَأُنَظِّمُ أَوقَاتِي، وَثَالِثٌ يُعَلِّقُهَا عَلَى مَنْصِبٍ أَوْ وَظِيفَةٍ، وَثَمَّةَ مَنْ يَرْبِطُهَا بِالثَّرَاءِ، وَهَؤُلاءِ كُلُّهُمْ وَاهِمُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَكْسِبَ الوَقْتَ فِي تَسْوِيفِهِمْ، وَيَغْتَنِمَ الدَّهْرَ فِي تَفْوِيتِ فُرَصِهِمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا مَا أَرَادُوا اختَلَقَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ عُذْرًا جَدِيدًا، وَنُقْطَةَ تَثْبِيطٍ أُخْرَى، وَهَكَذَا .. إِنَّ التَّسْوِيفَ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ قَائِدٌ إِلَى التَّفْوِيتِ، وَالتَّأْجِيلَ يُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ الهَدَفِ وَالغَايَةِ، وَمَا هَكَذَا عَلَّمَنَا القُرآنُ، بَلْ دَعَانَا إِلى التَّوَكُّلِ عَلَى الرَّحمَنِ، وَحَثَّنَا عَلَى العَزْمِ وَعَدَمِ التَّسْوِيفِ وَالتَّواكُلِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران ـ 159)، وَانتَدَبَنَا للْمُسَارَعَةِ إِلى الْخَيْرَاتِ، وَوَعَدَنَا بِالظَّفَرِ بِهَا فَقَالَ ـ جَلَّ شَأْنُهُ:(وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران ـ 33).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَسَارِعُوا إِلى الْخَيْرَاتِ وَصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَلا تَغُرَّنَّكُمُ الأَمَانِيُّ، فَتَشْغَلَكُمْ عَنِ الرُّقِيِّ لِلمَعَالِي، فَأَنْتُمْ لَهَا أَهْـلٌ، وَاللهُ لَكُمْ عَوْنٌ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).


تاريخ النشر: 29 ديسمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/235064

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014