الجمعة 20 أبريل 2018 م - ٤ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (3 ـ 10)

ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات (3 ـ 10)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(ضرورات الرؤية الفقهية الجديدة للعلائق بين الفقه والقانون في مجال المعاملات) للاستاذ الدكتور/ رمزي محمد علي دراز أستاذ الشريعة الِاسلامية المساعد بكلية الحقوق ــ جامعة الاسكندرية.
وقال: إن الحياة المتجددة تقدم كل يوم مشكلات واقعية تحتاج كل منها إلى تشريع والحال أن النصوص لم تجئ بتشريعات مفصلة لكل تلك المشكلات، لكن إيماننا بأن الإسلام عقيدة ونظام للحياة، وبأنه يجب علينا أن نتلمس في نصوصه وأصوله ومقاصده كل الأحكام التي تنظم حياتنا فإن هذا يقود بالضرورة إلى فكرة الجهد العقلي العظيم من خلال المجتهدين وقادة الفكر الأسلامي المستنير في كل جيل، لإستنباط تشريعات تفصيلية مستوحاة من نصوص التشريع، ومن روحه ومقاصده العامة، بالبحث في المعاني والعلل التي من أجلها شرعت الأحكام حتى يمكن تطبيقها على ما يفرزه تطور الحياة والمجتمعات من نوازل ومستجدات. وبذلك يتحقق للشريعة بالفعل كما لها ووفائها وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان.
وقال: وليس معنى ذلك إلا أن الشريعة الإسلامية بنصوصها وكلياتها ومقاصدها قادرة على إستيعاب النوازل والمستجدات في مجال المعاملات وأمثالها من المسائل الجزئية التي لم يجسمها النص الشرعي وذلك إعتماداً على كمالها وشمولها. لكن ليس معنى ذلك أن نجد لكل مسألة جزئية أو فرعية أو لكل حادثة تستجد نصٌاً شرعيا يبين حكمها بياناً تفصيلياً دقيقاً، إنما كمال الشريعة بمعنى اشتمالها على القواعد والمبادئ الكلية العامة التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل.
يقول الإمام الشاطبي في ذلك: إن الشريعة الإسلامية جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان لأن الله تعالى قال فيها:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وفي موضع آخر في نفس المعنى: أن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله (صلى الله عليه وسلم) فيها تبيان كل شئ يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم ولم يمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك… فكل من زعم أنه بقى شئ من الدين لم يكمل فقد كذب بقوله تعالى:(اليوم أكملت عليكم دينكم)، فلا يقال: قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة مالم يكن في الكتاب ولا في السنة نصٌ عليه، ولا عموم ينتظمه .. وسائر المسائل الإجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة فأين الكلام فيها؟ فيقال في الجواب أولاً: إن قوله تعالى:(اليوم أكملت لكم دينكم) إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أردتم ولكن المراد كلياتها .. نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولاً إلى نظر المجتهد فإن قاعدة الإجتهاد أيضاً ثابتة في الكتاب والسنة فلابد من إعمالها ولا يسع الناس تركها .. ولو كان المراد بالأية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم .. فإنما المراد بالكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل .. والشاهد من الكلام الإمام الشاطبي هو أن أحكام الحوادث والمستجدات والتي ليس عليها نص بخصوصها في القرأن أو السنة مهما تنوعت وتعددت فإنها تندرج حتما تحت كليات الشريعه وأصولها، وتكون معرفة أحكامها من خلال الإجتهاد الصحيح، ومن ثم يتحقق للشريعة كمالها وهيمنتها على كل ما يستجد للناس، وبناء على ما سبق فإن ما تتمتع به أحكام الشريعة الإسلامية وفقهها العظيم من سمات الكمال والشمول والخلود يصلح أساساً لرؤية فقهية جديدة للعلاقات في مجال المعاملات تجعلها دائماً قادرة على مواكبة الواقع المتجدد.
المطلب الثاني: تغير الأحكام بتغير الأزمنة والظروف.
وقال: يمكن التأسيس للرؤية الفقهية الجديدة في مجال المعاملات بتغير الأحكام بتغير الأزمنة والظروف. والمقصود بتغير الظروف هو تغير الأوضاع والنظم الإجتماعية التي تربط بين أفراد المجتمع وعناصره، وما يعقب ذلك من تغيرات في سلوك الأفراد ومعاملاتهم تؤدي إلى مشكلات وعلاقات جديده تستلزم حلولاً وأحكاماً فمن أسباب تبديل الأحكام الإجتهادية في فقه الشريعة الإسلامية إختلاف الأوضاع والأحوال والوسائل الزمنية عما كانت عليه حينما قُررت تلك الأحكام، فتغير الظروف والأزمان يؤثر في إختلاف الأحكام الشرعية بما ينشأ عنه من واقع جديد يكون تطبيق الحكم الأصل عليه مناقضاً لمقاصد الشرع ومعطلاً لمصالح المكلف ومن هنا يتغير الحكم ليلائم الواقع الجديد، ومن هنا قرر الفقهاء قاعدة:(لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) وهي متفرعة عن القاعدة الشهيرة:(العادة محكمة)، ومعنى القاعدة: أن تغير الأوضاع والأحوال الزمنية له تأثير كبير في كثير من الأحكام الشرعية الإجتهادية، فإذا كان عرف الناس وعادتهم يستدعيان حكماً ثم تغير إلى عرف وعادة أخرى فإن الحكم يتغير إلى ما يوافق ما أنتقل إليه عرفهم وعادتهم، وهكذا تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم بأختلاف العادة عن الزمان السابق، ولذلك يقول بعض الباحثين المعاصرين: وبحق لقد ساهم فقهاء الإسلام في علم الإجتماع القانوني عندما قرروا قاعدة:(لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان) فقد أثبت التاريخ أن الشريعة الإسلامية في جميع أطوارها التاريخية لم تعارض سنة النشوء والتطور فالقاعدة القانونية الشرعية موافقة لمتغيرات الواقع الإجتماعي، ووافق الشرع الإسلامي ظروف كل المجتمعات ويساير الحضارة في كل زمان ومكان، وتعني هذه القاعدة أيضاً: أن أحكام الشريعة مسايرة لمصالح الناس، لأنها لم تجئ أحكامها كلها ثابتة ومستقرة بل من أحكامها ما يختلف باختلاف الأحوال والأعراف والحاجة والمصلحة ودفع الضرر والمشقة، ويدل على ذلك:
1 ـ مارواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه – قال على بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قلت يا رسول الله، إذا بعثتني في شئ أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب، فقال (صلى الله عليه وسلم) بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فهو يريد أن يستفسر من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هل الحكم الشرعي يكون كالسكة المحماة أي العملة المضروبة للتعامل فأجابه بأن الحكم يتغير بتغير الحال والزمان، فهذا يدل على تبدل الحكم بتبدل الزمان وتغير الأحوال.
2 ـ لما قدم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى الشام ووجد معاوية قد إتخذ له حجاباً وأتخذ المراكب النفيسة والثباب الغالية وسلك مسلكا لم يسلكه حكام المسلمين قبلة، سأله عمر ـ رضي الله عنه ـ عن سبب ذلك فقال:(إنا بأرضى نحن محتاجون فيها لهذا، فقال له عمر: لا اًمرك ولا أنهاك)، والمعنى أن أحوال ولاة الأمر تختلف بأختلاف الأعصار والأمصار والظروف والأحوال.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى