الإثنين 22 يناير 2018 م - ٤ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (وأطعموا البائس الفقير)

(وأطعموا البائس الفقير)

إعداد/علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: سنتحدث اليوم عن جانب من جوانب التشريعات القرآنية وحديثنا اليوم عن الزكاة.
اعلموا أيها الاخوة والأخوات أن العبادات في الاسلام ليست عبادات مجردة من روح الحياة بعيدة عن روح الجماعة, ليست قضايا فردية يشبع الانسان فيها رغبته الروحية فحسب, انما هي وسائل اصلاح ودعائم خير تسمو بها الروح وتصلح بها النفس وينمو بها الفكر ويقوم الانسان بعناصره كلها ثم هي بعد ذلك تنتظم ما يصلح الفرد وما ينهض بالجماعة على السواء.
إن العبادات في الاسلام لا تركز على جانب واحد بل هي تجمع الى الجانب الروحي والنفسي, الجانب الجماعي والاجتماعي والجانب الخلقي, لا أدل على ذلك من أن نتدبر هذه الآيات الكريمة, قال تعالى في شأن الصلاة:(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، ويقول في شأن الزكاة:(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، ويقول في شأن الصوم:(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، ويقول في شأن الحج:(الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، ويقول:(ليشهدوا منافع لهم).
والدارس لكل عبادة من هذه العبادات سيدهش لهذه التشريعات الدقيقة اعجاباً واكباراً، فالذي يخطئ في شئ منها عليه أن يجبر هذا الخطأ, ولكن بماذا؟ يجبره بما يعود على المجتمع بالخير من تفريج لمكروب واعانة لملهوف ومساعدة لبائس, يقول الله في شأن ذبائح الحج:(فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير).
ومن أخطأ في بعض قضايا الحج وكذلك من استفاد من التمتع بين العمرة والحج أو جمع بينهما ــ أي العمرة والحج ــ وجب عليه أن يجبر هذا بما يعود على المجتمع بالنفع, قال تعالى:(واتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدي).
وهكذا في الصيام:(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)، وهكذا نجد العبادات في الاسلام لم تكن خيرا لصاحبها فحسب, بل للمجتمع كله وسنختار لكم واحدة من هذه العبادات لنرى الاعجاز التشريعي فيها, وليقاس عليها غيرها بعد ذلك وهذه العبادة التي نختارها الزكاة.
فمن المعلوم ان الزكاة أحد أركان الاسلام وهي واجبة في المال بمقادير مختلفة والمتأمل لهذه المقادير التي بينتها السنة المطهرة سيلمس هذا الاعجاز التشريعي ولا يقال: إننا نتحدث عن اعجاز القرآن فأي شأن للسنة في هذا؟ ولقد أجبنا عن هذا من قبل, وهي أن السنة ليست أجنبية عن القرآن بل هي مبينة ومفصلة له.
والزكاة هي النماء والطهر والبركة, والناس يعبرون عن الشئ الطيب بأنه زاك, قال تعالى:(فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً)، وقال:(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).
والزكاة في الشرع غنما هي مال مخصوص يؤخذ بشروط مخصوصة لأناس مخصوصين.
والناظر للتشريع في شأن الزكاة لا يتردد قيد انملة ولا لمحة بصر بأن هذا الدين إنما هو دين الله لأن البشر لا يستطيعون ان يصلوا الى حكمه وأحكامه.
وأول ما يقابلكم في هذا التشريع في شأن الزكاة : هذا التوازن وتلك الوسطية حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يحقد احد على أحد , لا يبغي غني على فقير ولا يحقد فقير على غني.
نظر وتأمل:
إن الناظر في مقدار الزكاة الواجبة يجده يتردد بين النسب الآتية : فهو ربع العشر تارة ونصف العشر تارة والعشر حينا آخر: على اختلاف في الأشياء التي تخرج منها الزكاة وتقل النسبة عن ربع العشر كما نجده في زكاة بعض الأموال.
ولكن نسبة الزكاة لا تزيد عن العشر, اللهم إلا في شئ واحد على قلته وندرته, وهو الركاز.
والركاز: هو ما دفن من أموال الجاهلية أو غيرهم من غير المسلمين, فأظهر الله بعض الناس عليه, وهو ما يعرف عند بعض الناس بالكنز, فهذا يزكى, ونسبة الزكاة فيه الخمس لأنه رزق جاء لمسلم من حيث لا يحتسب, ولكن جميع الأموال التي تدخلها الزكاة تتراوح نسبتها وتتردد بين العشر وربع العشر.
وهذه النسبة روعيت فيها الدقة المتناهية المنبعثة من الحكمة التي لا يعلمها الا أحكم الحاكمين.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى