الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (مـن ينابيـع القـرآن)

(مـن ينابيـع القـرآن)

(يا أيها الـذين آمنـوا لا يسخـر قـوم مـن قـوم عـسى أني يكـونوا خـيرا منهم ولا نسـاء مـن نسـاء ..)
الحمد لله الـذي أنـزل عـلى عـبـده الـكتاب ولـم يـجـعـل له عـوجـا ، والصلاة والسلام عـلى رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم السـراج المـنـير وعـلى آله وأصاحـبه الـذين أكـرمهـم الله بصـحـبة رسـوله الطـيبين الطـاهـرين ، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبـعـد :
فـلا شـك أن الـرسـول الله صـلى الله عـليه وسـلم كان حـريصـا ، عـلى أن يسود التآلـف والــتراحـــم بـين المـؤمـنين ويكـونـوا إخـوة متحـابـين ، ويـروى الرسـول صلى الله عـليه وسـلم دخـل عـلى ثابت بن قـيس وهـو مـريـض ، فـقال : ( اذهـب الباس رب الناس عـن ثـابـت بن قـيس ، فـقــتـل يـوم اليمامـة وهـو شـهـيـد في خـلافـة أبي بكـر الصـديـق في العـام الثاني عـشر مـن الهـجـرة 0
ثـم لم ينس الـرجـل الـذي قـيـل تـفـسح فـلم يتفـسـح ، ونـزل في حـقـه قـوله تعالى : {إذا قـيـل لكـم تفـسحـوا في المجـالس فـافـسحـوا يفـسح لـكـم }سـورة المجـادلة 11 0
ويـروى أن الـسيـدة أم سـلمة كانت قـصـيرة ، وفي مـرة مـن المـرات أصـابها وجـع في رجـلهـا فـربطـتـها بقـطـعـة مـن القـماش، وكان فـيها بقـية تتـدلى عـلى الأرض تجـرها خـلفـها فـرأتـها عـلى تـلك الحـال كل مـن عـائشـة بنـت أبي بكـر وحـفـصـة ابنـة عـمـر بن الخـطاب ، فـقـالت إحـداهـن للأخـرى ، تمشي ولهـا ذيـل كـذيـل الكـلـب ، فـبـلغ ذلك رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم ، فـنزلت الآية الكـريمة 0
وقال الـواحـدي النيسـابـوري في أسباب النـزول ، قال : نـزلت في امـرأتـين من أزواج النبي صلى الله عـليه وسـلم سـخـرتا من أم سـلمة، وذلك أنها ربطـت حـقـويها بسبنية وهـي ثـوب أبيض وسـدلت طـرفها خـلفها فـكانت تجـره، فـقالت عـائشـة لحـفـصة : أنـظـري ما تجـر خـلفها كأنها لـسان كـلب فهـذا كان سخـريتها 0
قال الله تعالى : { يا أيها الـذين آمنـوا لا يسخـر قـوم مـن قـوم عـسى أني يكـونوا خـيرا منهم ولا نسـاء مـن نسـاء عـسى أن يكـن خـيرا منهـن ن ولا تلمـزوا أنفـسكـم ولا تنابـزوا بالألـقـاب بـئس الاسـم الفـسوق بـعـد الإيـمان ومـن لم يتـب فأولـئـك هـم الظـالمـون } سـورة الحجـرات 11 0
لـذلك قال الله تعالى في يـوم القـيامـة : ( جـعـلت نسـبا وجـعـلـتم نـسبا ، فجـعـلت أكـرمـكـم عـنـد الله أتقـاكـم فأبـيتـم وقـلتـم : أكـرمنا فـلان ابن فـلان ، فاليـوم ( أي يـوم القـيامـة ) أرفـع نسـبي وأضـع أنـسابكـم ) 0
روى أبـو هـريـرة رضي الله عـنه أن النبي صلى الله عـليه وسـلم قال : ( إن الله عـز وجـل يـقـول يـوم القـيامـة : أمـرتكـم فـضـيعـتم ما عهــدت إليـكـم فـيه ورفـعـتـم أنـسابكـم ، فالـيـوم أرفـع نسبي وأضـع أنسـابـكـم ، أين المـتقـون ؟ أين المتـقـون ؟ إن أكـرمـكـم عـنـد الله أتقـاكـم ) أخـرجـه الحاكـم وقال هـذا حـديث عـال الإسـنـاد والمتـن وأخـرجـه البيهـقي في شـعـب الإيـمان ( 4922 ) 0
ودخـل رجـل أعـرج عـلى أحـدهـم ، فـراح ينظـر إليه نظـرة سـخـرية لعـرجـته ، فـفـهـم الأعـرج فـقـصـده ، فـقال له : أتعـيب الصـنـعـة أم تعـيب الصـانـع ؟ فأفحـمه حتى نـدم عـلى سـوء أدبـه مـعـه ، وقال : والله لـوددت عـنـدها أن أكـون أنا مـثـله وهـو مثـلي 0
والله سـبحانه وتعـالى حيـنما ينهانا عـن السـخـرية ، إنما يـريـد المساواة بـين جـمـيع خـلقه ، فالخـلـق جـميعـا خـلـقه وصـنعـته وعـبيـده ، وليـس فـيهـم مـن هـو أبن الله ولا مـن بينه وبـين الله قـرابة أو نسـبا ، فـلم إذن يسـخـر بعـضـنا مـن بعـض 0
أيها العـاقـل الحـريص عـلى إيمانه إياك والسخـرية مـن الناس مهما كانـوا أقـل مـنك ( في نـظـرك ) ، عـليـك إن رأيـت عـيـبا في ديـن أو خـلـق أن تقـومـه وتصلح مـن شأنه ما اسـتـطـعـت 0
وإذا كان العـيب في الخـلـق ( بفـتح الخـاء وسكـون اللام )، وفـيما لا دخـل للمخـلـوق فـيه فـتأدب مـع الخـالق ، و والله لـو عـلمتـم ما جـعـله الله للـمـؤوف ، يـعـني من به آفـة لتـمـنيـتـم جـميـعـا أن تكـونوا مـؤوفـين ، فإن الله تعالى لـيس له ولـد ، بـل وزع أسـباب فـضـله عـلى عـباده ، فإن أخـذ مـن واحـد منهـم شـيئا فـقـد عـوضـه خـيرا مـنه 0
والسـخـرية والاسـتهـزاء يـكـونان إلا مـن إنسان عـلا في شـيء أمام إنسان نقـص في ذلك الشيء كأن يسخـر الغـني مـن الفـقـير لفـقـره أو القـوي مـن الضـعـيف لـضـعـفـه أو سـليـم التكـويـن مـن المـعـاق ، وهـذا السـلـوك نتيجـة الغـفـلـة عـن مـيزان التفـاضـل بـين الخـلـق جـميــعـا ، ألا وهـو التقـوى 0
وقـلنا إنـك لـو نظـرت في الـوجـود كله لـوجـدت فـيه قـضية عـادلة ، هي أن كل إنسـان مـنا مجـمـوع نـعـم الله عـليه تسـاوي مجـموع أي إنسان آخـر، لأن الخـالـق سـبحانه وتعالى وزع فـضله عـلى عـباده فإذا أعـطى الله هـذا 100% في الصحـة فـلـقـد أعـطى آخـر شـيئا آخـر حـتى تتـوازى وتـتسـاوى مجـمـوع المـلكـات في النهـاية متسـاوي قــسمـة عـادلة 0
ذلك لأن الله تعالى لا يـريـد نسـخا مـكـررة من البشـر، إنما يـريـدنا متفـاوتـين في المـواهـب والادراكات، مـتـفـاوتـين في الـبـذل والعـطـاء ، وفي الكـرم والسـخـاء والشجـاعـة في الحـرب والابـاء ، لتستـقـيـم حـركة الحـياة وتتـكامـل ، ويـرتبـط البـشـر بعـضهـم ببـعـض ارتـباط مصالح وحـاجات ، ارتـباط تعـاون وتـراحـم ، لـذلك قـلنا إن أي رئيس أو أي حـاكم أو أي مسـؤول لابـد أن يحـتاج إلى غـيره في أمـور كـثيرة ، مـثـل عـامـل المجـاري أو إلى مـزارع في حـديقـة الـقـصـر أو إلى بـناء، فـيحـتاج إلى ذلك العـامـل ، وذلك المزارع وذلك البـناء حـتى تستـقـيـم الحـياة كما أرادها الله 0
وقـوله تعالى : { ورفـع بعـضكـمفـوق بعـض درجـات}سـورة الأنـعـام 165 ، يعـني كل مـنا مـرفـوع في شـيء ومـرفـوع عـليه في شـيء آخـر ، تعـلمـون أن بتهـوفـن المـوسـيـقار الشهـير كان أصـم لا يسـمـع ، وأن تيمـور لـنـك الـذي دوخ الـدنيـا بالفـتوحـات كان أعـرج ، وكـم في التاريخ مـن هـذه النـماذج مـن البـشـر 0
هـذا يعـني أنـك لا تسـخـر مـن أحـد ، ولا تحـتـقـر أحـدا لأنـك رأيـته أقـل مـنـك في شـيء ما ، في المال أو في الصحـة ، أو العـلم أو الـذكاء والفـطـنة ،فـكلنا سـواسية في مـيزان الله تعـالى لـيس لله ولـد وليـس له صاحـبة فـينحـاز، ولـيس له مصلحة مـع هــذا أو مـع ذاك أو مـع ذلك 0
لـذلك كانت الجـن أفـضـل فـهـما مـنا حـين قالت : { وأنـه تعالى جـد ربنا ما اتخـذ صاحـبة ولا ولـدا } سـورة الجـن 3 ، فـكـلـنا عـيال الله وأحـب عـيال الله إلى الله أنـفـعـهـم لـعـباده ، بـل تبـلـغ هـذا المساواة إلى أن رسـول الله صلى الله عـله وسـلم يأمـرنا بأن نـسـوي بـين أولادنـا ولـو في القـبلة 0
وسـيـدنا رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم يعـلمنا كـيف نتصـرف إذا ما حـدث بيـننا شيء مـن التهـكـم أو السخـرية ، وكـيـف نقابله ونـرد عـليه ، فـيـروى في سـبب نـزول هـذه الآيـة أن السـيـدة صـفـية بـنـت حـيي بن أخـطـب ، وكان أبـوهـا زعـيـم بني قـريظـة ، ولما غـزاهـم رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم كانـت صـفـية في الأسـرى، فأراد الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم أن يـكـرمها لأنها بنت ملكهـم ، فــتـزوجـها صلى الله عـليه وسـلم ، فـغـارت منها نسـاء النبي صلى الله عـليه وسلم ، والغـيرة كما يـقـولـون ( فـقاقـيع الحـب ) 0
وكانت السـيـدة عـائشة أم الـمـؤمنـين أكـثر زوجـات الـرسـول غـيرة عـليه ، فـقالـت لصفـية يا يهـوديـة بـنت يهـودييـن ، فـذهـبت صـفـية باكـية إلى رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم ، وحـكـت ما كان مـن السـيـدة عـائشـة ، فـضحـك رسـول الله لأنـه يعـلم غـيرة السـيـدة عـائشـة عـليه ، لـذلك الرسـول لـم يـؤنـب عـائشة ، إنمـا أرضى صـفـية وطـيب خـاطـرها وقال لها ، إن قالت لك هـذا فـقـولي لها : ( ولـكـن أبي هـارون وعـمي مـوسى وزوجي محمـد )، فـهـارون بن عـمـران ومـوسى بن عـمـران نـبيان ومحمد صـلى عـليه وعـليهـم أجـمعـين نبي0
أورد الإمام القـرطـبي في تفـسير الآيـة عـن ابن عـباس رضي الله عـنهـما أن صـفية بنت حـيي بن أخـطـب أتـت رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم فـقالت : يا رسـول الله أن النساء يعـيرنـني ويـلـمـزنـني ويقـلـن لي : يا يهـوديـة بنت يهـوديـين ، فـقال رسـول الله صلى الله عـليه وسـلم : هـلا قـلـت إن أبي هـارون وإن عـمي مـوسـى وإن زوجي محمد ، فأنـزل الله هـذه الآيـة 0انظـر كـيـف عـالج الر سـول صلى الله عـليه وسـلم هـذا المـوقـف الحـرج ، وكـيـف أعـلى من شـأن صـفـية ، فهـي إذن سـلـيـلة الأنبـياء والـرسـل وزوجـة رسـول الله ، نـعـم رد يفـحـم ولا يخـطـر عـلى بال أحـد ، ولم لا وقــد أوتي صلى الله عـليه وسـلم جـوامـع الـكـلم 0
وللحـديث بقـية إنشـاء الله نـوا صله في حـلقة قـادمة ، وإلى أن نلتقي اسـتـودعـكم الله والسـلام عـليكم ورحمة الله وبركاته.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى