الجمعة 20 أبريل 2018 م - ٤ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / حراك جماعي نحو أفق جمالي كوني

حراك جماعي نحو أفق جمالي كوني

سمبوزيوم الأصمخ الدولي للنحت بالدوحة

احتضنت الدوحة ملتقى الأصمخ الدولي للنحت من 23 نوفمبر الى 14 ديسمبر2017 أين تغنى الخليج بقصائد العابرين، تغنّوا بمواويل تحلم أن تمتد على ضفائر الأفق. راودوا الفراشات على حجر يحفرون عليه قصص وحكايا الخيال، ليعيشوا على نوافذ النحت بأزاميل طالت عذريتها، حديث من حجر يعثر به الراحلون الى حياة الحكايا، نحاتون من مختلف دول العالم قاماتهم كنايات عذبة لملموا الرخام الابيض العماني خامات الحضارات عبر تأريخها، جمعوا هممهم الغضة في فريق عمل متمكّن في حلقة عمل مفتوحة بنحل طاقاتهم الدؤوبة نحو تأسيس حراك نحتي بفكر معاصر كل على حدى من ناحية وجماعة من ناحية أخرى. من هذا المنطلق تكّون فريق عمل سمبوزيوم الاصمخ الدولي للنحت بتنظيم من الفنان القطري محمد العتيق الذي سبق له تنظيم ملتقيات نحت ورسم سابقة، كمساهم بارز في اثراء الساحة التشكيلية القطرية والخليجية خاصة والعربية والعالمية عامة، تجارب استدرجت جماليا لتحكي جماعة بالمادة والفكرة ظروف تشكّلها وخصوصيتها.
حكاية النحت حلقة فنية أنجز خلالها 55 منحوتة تتراوح ارتفاعاتها ما بين المتر، والمتر والنصف، ومترين ونصف لفنانين من مختلف دول العالم حيث شارك كل من بكري الفل وخالد المرغني ومحجوب بابكر من السودان، عبدالكريم الرواحي، علي الجابري وعبدالعزيز المعمري ويوسف الرواحي واحمد الشبيبي من عمان، شورش السويد كردستان، هيونغ من كوريا الجنوبية، طاهر هدهود من الجزائر، صالح بن عمر من تونس، كارولا من اميركا، اغنيس بلغاريا، ساسو من مغدونيا، سلفيان سلامه من فرنسا، فؤاد من الاْردن، ماريا ونتونيلا وريناتو وستيفانو وغيدو من ايطاليا، خوسيه من اسبانيا، زدرافكو من بلغاريا، كارولا من امريكا، محمد العتيق وطلال القاسمي من قطر، عثمان الهاني ومحمد العايدي من المغرب، انا ماريا من رومانيا، انا من نيوزلاندا، سنام مِن تركيا.
إلتقت هذه التجارب المختلفة من حيث المشارب والثقافات والرؤى في حيز مكاني واحد للتعاطي مع خامة الرخام العماني الابيض لتحكي لنا من خلاله حكاية النحت بمختلف تفاصيلها، حكايا متنوعة سكنت اذهان الفنانين وأصبحت تحرك هواجس التشكيل لديهم، كمحرك بحث دؤوب يجد بعد كل عملية ابحار للخيال المجنح تمثلات جديدة للفكرة التي تفتح بدورها الافق من جديد في كل مرة.
فالمتأمل للأعمال المنجزة يلاحظ تنوع المنطلقات وطرق التشكيل والمفاهيم والافكار حيث كانت كل منحوتة عالم مستقل بذاته فمن خلال:
الشكل العام: تعانقت الكتل والخطوط والحياكات والملامس والفراغات لتستلهم حينا من روح الطبيعة مواضيعها فتكلم الرخام الصلب لغة الاشجار والازهار والحيوانات وجسد الانسان، وأبحر احيانا اخرى في عمق المحيطات فتشكلت من عمق الصخور السفن وارتفعت الاشرعة الى عنان السماء وألتفت الاشكال الحلزونية في رقصات صوفية ابدية، كما جادت الثقافات بجماليات الخط وعنفوان المعمار وفصاحة الاشكال الهندسية والغنائية من مكعبات ودوائر ومثلثات وخطوط منحنية ومنكسرة… وما تجود به من شفافية ومفاهيمية وجماليات مختزلة.
الحياكات والملامس: تنوعت الحياكات والملامس داخل العمل النحتي الواحد كما بين مجموع الاعمال ما بين أملس وأحرش، موزعة حسب مساحات الناتئ والغائر مستغلين في ذلك رطوبة خامة الرخام وبريقها من ناحية وقابليتها للتشكل والحفر والخربشة وتبني العديد من الحياكات والتدخلات التي اختلفت باختلاف اساليب المعالجة والادوات والاليات المستخدمة من نحات لأخر وحسب طبيعة كل موضوع من ناحية اخرى، حيث برزت التفاصيل دقيقة رغم تصدع الحجر وصلابته، الا ان قدرات النحاتين التقنية وعمق الفكرة وشفافية الرؤى لديهم استطاعت اختراق الصمت والبياض وخلقت لها حكايا مختلفة تميزت من خلالها كل تجربة عن الاخرى.
الفراغ وثنائية الصمت والتجويف: حظر الفراغ في اعمال النحاتين بطرق مختلفة فهناك من تعامل معه كلحظة صمت من خلال الحفاظ على مساحة لا فعل لا حفر ولا حياكة فيها عبارة عن الرخام في هيئته الاولى بدون تشكيله كجزئية من جزئيات العمل ويعتمد عادة في النحت ليبرز بالمقابل ومن خلاله الشكل المشتغل عليه ويفسح المجال لما يجانبه او يحاذيه، وهناك من اختار افراغ الكتلة من المادة واختراقها ليحظر الفراغ كجزئية ايضا من جزئيات العمل ويصبح عنصرا فاعلا فيها، يفتح المنحوتة على قراءات وتأويلات اضافية كفضاء محاصر بالكتلة، كما حضر الفراغ في عديد من الاعمال كنتيجة لالتقاء شكلين او اكثر من دون حفر او افراغ للمادة بل كمعطى من معطيات تشابك الاشكال في الفضاء…وباختلاف حضور الفراغ من عمل لأخر تتنوع قراءاته من منحوتة لأخرى وهذا ما يضفي طابع التنوع والتفرد. فمن المعروف والمسلم به، ان الفراغ عامل ضروري لكتلة البناء، فهو يبرزها ويؤكدها ككتلة. فالمنحوتة كتلة في فراغ، وفراغ يحيط بكتلة ولكي تتحقق قيمة المنحوتة التشكيلية والفنية بشكلها الأمثل، لابد من عملية تنظيم وترتيب لمحيطه وهذا يمر من خلال حسن توظيف هذا الفراغ بابعاده المختلفة.
اللون وثنائية الحضور والغياب: غياب اللون او حضوره عاملان ايجابيان في أي عمل نحتي فحضور اللون عندما يكون مدروسا يمكن ان يدفع بالقيمة الجمالية للعمل النحتي قدما ويساهم في اعطاء القارئ مجالات اوسع للتأويل بإعتماد رمزيته وشفافيته وتبايناته وقوته…ولكن لغيابه ايضا صفات النقاء والهدوء وجماليات الحضور الواحد ومن خلال هذه المنحوتات تحضر قيمة اللون من خلال حضور الابيض كقيمة وغياب بقية الالوان، فقد حافظت جميعها على بياض الرخام وقداسته وما يضفيه من هالة جمالية على المنحوتة في كمالها وهيبتها وسط المحيط وتفاعلاتها مع الضوء والظل والقراءت التي تقدمها من خلال تلك الثنائيات التي تسكن جزئياتها كالملئ والفراغ والناتئ والغائر والاملس والاحرش لتظهر قوتها من خلال وحدة وتماسك الجزء والكل. من هنا تستمد المنحوتة قوة جمالية غير محدودة من خلال هذا التوازن الذي خلقه حضور اللون وغيابه في ان واحد.
تقنيات التشكيل واستعراض جماعي للقدرات: اعتمد النحاتون على تقنيات متعددة ومختلفة لتشكيل الرخام واستنطاق طاقاته كالحفر والقص والحذف والاختراق…باستخدام ادوات يدوية كالمطرقة والازميل …واخرى كهربائية، والمتأمل جيدا لنتيجة الجهد المبذول من قبلهم يلاحظ بما لا يدع مجالا للشك قدرات فذة وطاقات كبيرة واحترافية بالغة في التعاطي مع الخامة، فتحويل خامة صلبة كالرخام الى هيئات ادمية وحيوانية واشكال هندسية وغنائية محكمة البناء والتفاصيل انسيابية حينا وحادة حينا اخر يتطلب قدرة تقنية عالية تمكن الفنانون من خلالها من تجسيد مفاهيم تتطلب تعدد الخامات والتركيب فيما بينها لبلوغها ولكنهم حققوها من خلال الفعل في خامة واحدة، مفاهيم كالاحتواء والتراكب والاختزال والانزياح، والتكرار والتجميع …ومن خلالها دفعوا بالمبادئ الجمالية كالحركة والايقاع والتوازن وتناسق المتضادات قدما لشحن الفضاء الجمالي.
الحجم وجماليات الحضور المتعدد: جاءت المنحوتات بأحجام مختلفة منها من فضل الامتداد الافقي واخر فضل الانتصاب العمودي في الفضاء، ولكل فلسفته في التعامل مع الاحجام وحسن توظيفها فهناك من اخترقها بفتحات تعتبر فراغا فاعلا ومشكلا وهناك من حافظ على عذريتها وحضورها المتكامل والعمل على سطحها ومن جهاتها المختلفة بتقنيات تعامل متنوعة من حجم لأخر، ولكل حجم قراءة مختلفة في الفضاء تتماشى ورؤى الفنان الجمالية وخلفياته الفكرية والفلسفية.
هذا اللقاء الفني كان فرصة للتفاعل بين النحاتين الذين يحملون تقنيات واساليب وخلفيات ثقافية وفكرية وفلسفية مختلفة، اجتمعوا في مكان واحد اين يتبادلون الخبرات والتقنيات والحوارات الجمالية، فالفنان هو مثقف ينتمي الى ثقافة خاصة تمتد لتعانق الثقافة الكونية يتطلب تواجده في هذا العالم ان يحمل معه رسالته اينما ذهب رسالة انسانية يفيد من خلاله ويستفيد بالمقابل، وهذا التنظيم ترك خلقه رصيدا بالغ الاهمية من الاعمال النحتية من حيث الكم والكيف ليصبح احد المكاسب الثقافية مهما كان الفضاء الذي سيحتويه، هذا المكسب سيساهم في وقت لاحق في قراءة ملامح الحراك النحتي لهذه الفترة الزمنية ليصبح من ضمن المراجع المهمة، هذه الملتقيات الفنية ان دعمت جيدا حسب رايي يمكنها ان تغير خريطة الممارسة النحتية والفنية في الوقت الحاضر لان توفير الامكانيات والتحفيزات لمجموعة من خيرة النحاتين والفنانين المعاصرين وجمعهم في مكن واحد ستنتج دون شك اعمالا فنية لم يكن يتسنى لها ان ترى النور خارج هذا التنظيم بحكم عدة عوامل اهمها صعوبة هذا الاختصاص والتعقيدات التي تصاحب العملية الابداعية من خلاله لعل اهمها الخامات التي تتميز بالثقل والتي تتطلب امكانيات كبيرة لتوفيرها ونقلها، وضرورة تهيئة المكان المناسب لتسهيل العملية التقنية الخ… لهذا يجب تثمين وتشجيع مثل هذه المبادرات الخاصة للاستثمار في ميدان الفنون التشكيلية وخاصة الاختصاصات التي تتطلب امكانيات اضافية تتعدى في كثير من الاحيان قدرات الفنان الذاتية كالنحت والخزف.
حكاية النحت… هذا الحراك الجماعي…انتج افقا جماليا كونيا… رسم ملامح تجربة مميزة قادرة على التطور ووضع حجر الاساس في احد مكونات الثقافة الكونية المعاشة التي تنتج من خلال الحوار والتشاركية والبناء الجماعي، للمرأة فيه دور فعّال.

دلال صماري
تشكيلية وباحثة تونسية

إلى الأعلى