Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الكيذاوي موسى الحسيني

ترجمة الشاعر المقوال ابن حسين بن شوال
استوقفني اسم الشاعر، بعد أن مكث ديوانه سنوات في مكتبتي دون ان اتطرق اليه لأسباب عديدة لا ضرورة لإبدائها، فشاء الوقت أن كنت في جرد ما تحويه المكتبة من كتب، ويقيناً أن اسم الشاعر هو المحرك الأول للبحث والتعرف عن كثب عن حياة هذه الشخصية التي يضوع من شعرها رائحة “الكاذي”، فبحثت عن مراجع تفي بترجمة تجزي عن حياته وسيرته، فلم أجد لها في الديوان المطبوع من قبل وزارة التراث والثقافة عام ( 1405هـ / 1985م) أية تقدمة عن حياته وسيرته، ولما لم أجد فقد بدأت في البحث بغية الوصول الى كتابة ترجمة مبدأية تفي بغرضها للباحثين والمهتمين بالأدب وشخصياته، وأن تكون بمثابة مرجعاً لوضع اللبنة الأولى لبداية دراسة جوانب هذه الشخصية الشعرية المتميزة، وبعد البحث وجدت أن أهم مرجعين بعد ديوان الشاعر المطبوع هما “شقائق النعمان في سموط الجمان في أسماء شعراء عمان ” للشيخ محمد بن راشد بن عزيزي الخصيبي الذي صنفه من شعراء ـ عمان ـ الطبقة الاولى، أما المرجع الآخر فهو ” إتحاف الاعيان في تاريخ بعض علماء عمان ” للشيخ سيف بن حمود بن شامس البطاشي، ولما لا توجد سيرة أو ترجمة لهذا الشاعر في سمط واحد متكامل فربما قد تكون هذه البداية لذلك. فجمعت ما كتب في كلا المرجعين لتكونا معيناً واحدا، على أن يؤخذ في الحسبان عند إعادة طباعة الديوان الرجوع الى هذه المقالة ـ اليتيمة ـ والأخذ ما تيسر منها خالصاً لوجه الله، ووضعها كمقدمة في صدره بعد تحقيقها، وذلك بعد إضافة ما تخلف من بعض القصائد والمنظومات التي اكتشفت لاحقاً، والتي تربو على الخمسين قصيدة حسب رواية الشيخ البطاشي، وذلك مما وجده بعد مقارنته بين الديوانين المطبوع والمخطوط، والوقوف على مواضع الأبيات الكثيرة التي سقطت من بعض منظومات وقصائد الشاعر، كما نوه الشيخ البطاشي على ذلك في مرجعه. ومن جملة ما اطلعت عليه أيضاً برنامجا تلفزيونيا انتجه التلفزيون العماني عن هذه الشخصية مع جملة من أعلام عمان، وكانت جل المعلومات الواردة فيه ما ذكر في المرجعين الآنفين، ولعل الكثير من اعلام عمان في الشعر والادب لم تنل حظاً من الدراسة والبحث والتمحيص، والوقوف على كافة الجوانب التي تناولوها في أدبهم واغراض شعرهم.
اما سم الشاعر ونسبه فهو موسى بن حسين بن شوال بن ثاني بن خاطر بن ابي الحسن الحسيني المحلوي نسبة الى بلدة “محليا” من وادي عندام بنيابة سمد الشأن التابعة لأعمال ولاية المضيبي، وهي وطن الشاعر وبها نشأ، وسكن بنو حسين ـ قبيلة الشاعر ـ وفيها يقول: ولا غرو إن كانت محليا محلتي … وقد صغرت عن عظم شأوي ومذهبي .
وقوله كذلك : بأرض المحل من شرقي محليا …بذات القاع ما بين الحزون .
ويذكر البطاشي بأنه لا يُعرف متى؟ وأين ولد الشاعر؟ ومتى توفي؟ وفيما يظهر من مدائحه للنباهنة وغيرهم؛ بأنه عاش في النصف الأخير من القرن العاشر، وفي الربع الأول من القرن الحادي عشر الهجريين، وما يدلل على ذلك أن ملوك النباهنة المتأخرين هو سلطان بن محسن المتوفى سنة (972هـ). وهم من الملوك الذين عادوا الى السلطة قبيل أوائل السبعينات من القرن العاشر الهجري كالسلطانين (فلاح وسلطان ابني المحسن بن سليمان) وذلك بعد أن اختفى صوت الامامة سنة (967هـ). وبعد أن تلقى العلم على يد والده الشاعر الفقيه، وتعلم القرآن الكريم، ودرس العلوم العربية انتقل من بلدته الى أحضان ملوك بني نبهان يمدحهم وينال من معروفهم وكرمهم، فنظم فيهم غرر قصائده فكان جل شعره في مدحهم.
يمتاز شعر الكيذاوي بالفصاحة ووضوح المعاني، فهو ذو أشعار رائقة رقيقة الألفاظ فسمي بـ” الكيذاوي” تشبيهاً لشعره برائحة “الكيذا” أو “الكاذي “وهو من الأشجار العطرية المعروفة. فجاء التشبيه لما اتصف به شعره من رقة وعذوبة وسلاسة بعيداً عن التكلف واستعمال الالفاظ الوحشية، والمعاضلة في التركيب. ويصفه البطاشي بأنه طويل النفس في كثير من قصائده، وأن أغلب أغراضه الشعرية كانت في الغزل والنسيب والمديح وقليل من الرثاء، ولم يطرق غرض الهجاء في شعره، ولكونه مداحاً فقد بالغ في مدح ممدوحيه ؛ بل تجاوز كثيراً في ذلك. ويقول عنه الخصيبي بأن الشاعر قد جرى عليه الوصف مجرى اللقب فصار وساماً له يتميز به عن غيره من الشعراء، لأنه لما تفوق شعره واشتهر ذكره وانتشر صيته في البلاد وصار كرائحة ” الكاذي”. فشعره محبوب مرغوب فيه لرقته وعذوبته، يهواه الجميع فيتلذذون به في ألسنتهم. وأن شعره كله رائق فائق تعشقه الأسماع وتهواه القلوب وتتلذذ به الالسنة والأسماع لحسن انسجامه، ويمتاز بالبيان ومحاسن المعاني والبديع؛ مما يدل على غزارة شاعريته، ورسوخ قدمه في اللغة العربية.
حقا أن هذه الشخصية ـ كغيرها من الشخصيات ـ الشعرية لم تنل حظاً من الدراسة والنقد، ولم يتطرق أحد الى الكتابة عن محتواها الشعري وبناء فكرها التكويني والمعرفي، لأن ذلك لا يعدو ان تكون دراسة للأدب والشعر فحسب لهذه الشخصية أو غيرها من الأسماء، بل دراسة لتتبع ما سلكه التكوين الشعري بمجمله في هذا القطر عبر الأزمنة، وكيفية وصوله الى ما وصل اليه من رقي وفن وجزالة في اللغة والمعاني والمحسنات البديعية.
وفي ختام الديوان (المطبوع) في صفحته الأخيرة تؤكد من تمام ” الفراغ” من كتابة أو ” نسخه ” يوم 29 شوال ولم تذكر سنة تمامه ، إلا أنه جاء بعده ذكر الأمام المنصور والبطل المشهور أحمد بن سعيد بن أحمد بن محمد البوسعيد أعزه الله ونصره ، وكان تمامه على يد الفقير لله عز وجل الراجي رحمة ربه سعد بن عبدالله بن سعيد بن عمر بن عبدالله .
وعند قراءتي المتواضعة لهذا الشاعر وقفت على الكثير مما أورده من المحسنات البديعة في الوصف والغزل والمديح والفخر، والقصائد المطعمة بالحكمة فكانت أشعاره رائقة تلامس شغاف القلوب، وتأسر كلماته ذائقة متلقي الشعر، وجعل الغزل باباً ينفذ منه الى الممدوح، ومما وقفت عليه وهو يعد من ضعف الشاعر وهناته استخدامه المتكرر للكثير من أبياته وإعادة صياغتها وتحويرها مما جعل بعض القصائد تبهت رغم جمالية موسيقاها، كما انه كرر في شعره كثير من الشخصيات التاريخية لمقارنتها أو استعلاء الممدوحين عليها ، ولو أن الشاعر استغنى عن تلك الأبيات لم يكن يفقد القصيدة رونقها، فكان حري به أن يزيل تلك الابيات لأن تكرارها يتجاوز حد إملال المتلقي، ولو ان الشاعر ازالها لكانت تلك القصائد أجود وأفضل، ولم تكن تؤثر في قيمة الممدوح، ومما يعيب على التكرار أن بعض الصور الشعرية لا تتفرد في الممدوح بل أصبحت تتشابه مع ممدوحين آخرين الى حد كبير مما يدخل الشاعر في حالة أشبه بالإفلاس والركود وعدم التجديد، وهذا ما وقع فيه الشاعر كثيراً ، حيث ساوى أغلب الممدوحين في المدح، ويكاد لم يكسب أي منهم بالفرادة في ذلك، وقد بلغ أنه ساوى في المدح من هم أدنى من ملوك بني نبهان، وبذلك فإنه قد انتقص حق ممدوحيه بتساويهم في المدح وبذلك قوض مصداقيت كشاعر مداح من الطراز الرفيع، وفي إحدى قصائده عاتب أحد الملوك مما يدل على جرأة الشاعر من جانب ، وتظهر علاقته الوطيدة بالمعاتب من جانب آخر وكأن الكلفة مرفعوة بينهما، ومن غريب ما وقفت عليه استخدام الشاعر لعدد من الأشهر السريانية ” كانون ـ آذار ـ تشرين ـ آب ” وهذه المسميات الشهرية لم يعهد استخدامها في القطر أو الإقليم العماني بل يقتصر استخدامها في ” بلاد الشام والعراق ” وربما تأثر أو إطلع على شعر المتنبي، وغيرهم من الشعراء الذين وصل شعرهم في تلك الفترة، ولكون قصائد الديوان خضعت للترتيب الأبجدي؛ فأنه بالضرورة لا يعرف مدى تطور ملكية الشاعر لناصية الشعر وتطورها لديه إلا من خلال الشخصيات التي مدحها وتسلسلها في تأريخ حكمها، وهذا يتطلب دراسة مستقلة تتبع فيها تسلسل القصائد وتأريخ إنجاز كل قصيدة، ويبقى ” الكيذاوي ” شاعراً متفردا من شعراء عمان في عصر فقد من شعره الكثير، وعلى المهتمين بهذا الجانب تتبع ذلك الفقد لعله يحوي بين جنباته تاريخ عصر من الأحداث لم يتم تسجيلها بالصورة المتطلبة.

سعيد الكندي
Saidalkindi2009@hotmail.com


تاريخ النشر: 31 ديسمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/235438

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014