الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / المسرح الفلسطيني من المرجعي إلى الخصوصي الفني .. عرض ” 3 في 1″

المسرح الفلسطيني من المرجعي إلى الخصوصي الفني .. عرض ” 3 في 1″

عملان بارزان أطل بهما المخرج والفنان المسرحي الفلسطيني ايهاب زاهدة خلال الاعوام الأخيرة، في عالمنا العربي أولهما بعنوان «خيل تايهة» وثانيهما حمل عنوان (3 في 1)، لتضاف هذه الأعمال للقائمة التي قدمها زاهدة سابقاً، إلا أن ميزة عمليه الأخيرين تكمن في حفرهما بالواقع الفلسطيني، ومحاولة «وضع الموضوع بشكله الإنساني»، لتنال «خيل تايهة» جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي، فيما شكلت الثانية «درساً مسرحياً لكل من يتساهل على الخشبة» ما قاد البعض لترجمتها إلى لغات عدة من بينها اليابانية. وتجدر الاشارة الى اعماله الدولية الاخيرة في عام 2016 في اليابان والتي كان نتجاجها مسرحية “مرايا” مع طاقم من المحترفيين اليابانيين مما يزيد برصيده الابداعي على المستوى العربي والدولي ليتوسع بترجبته الفنية وصولا الى البرازيل واخر اعماله بمطلع عام 2017 بعمل حمل عنوان “لا احد يتذكر” بطاقم برازيلي من المحترفين وصولا لتجربته الجديدة والتي ابصر النور في سبتمر من 2017 بمسرحية “المغتربان” للكاتب البولندي سلافومير مروجك لكن نحن هنا بصدد الدخول لثنايا عمله المسرحي الذي قدم ضمن مهرجان المسرح العوماني السابع والذي حمل عنوان 3في1

مدخل :

” 3في1″ من إنتاج “مسرح نعم” سنغرافيا اواخراج المبدع ايهاب زاهدة هذا العمل الذي يلعب مجريات أحداثه ثلاثة ممثلين من مدينة الخليل في فلسطين الأبية، كان مفعما بالقضايا وحاملا لمشروع فني طموح . وفيما يلي قراءة موجزة في ظواهره و بواطنه .

1-الثالوث الأول : المتخيل- الواقعي- المحتمل :

تنطلق المسرحية في مشهد عرض منظم وفي مستوى ثان من على مستوى منصة يدخل ثلاثة أشخاص في لعبة مسرحية مكشوفة مرتدين ملابس يومية معاصرة وكان بالامر لا يتعدى أن يكون استعراض فني ممسرح لــــ “بروفة ” اعتيادية لهم حول تنظيم الأدوار بخصوص لعب مسرحية مرجعية للانكليزي “ويليام شكسبير” هي نقطة بداية وتحدي وصراع ذاتي بين الثلاثة حول أداء دور نسائي من طرف احدهم، وهذا أولى التلميحات إلى جوهر قضية مسرحية قديمة حديثة في المسرح حينما ترجع للأذهان فكرة تغييب المرأة في المسرح مذ عصوره الأولى ـ وتلميح صريح لغيابها وتغييبها عربيا .هذه اللحظة الفنية المتخيلة هي همزة الوصل بين المتخيل والواقعي والمحتمل كانت مقصدا دراماتورجيا أراد العمل تبليغه منذ البداية ذلك أن المتخيل وهو مرجعي حتم توفر امرأة للعب الدور لكن الواقعي فرض أن يتقمص ممثل الشخصية والمحتمل هو أن يخلق النقاش حول هذا المعطى التاريخي صراعا يفضي إلى مناقشة المسالة في طرح مسرحي يحمل قضية فنية يعبر عنها بوسائل مسرحية صرفة .إذن الطرح أفضى إلى كشف وفضح علاقة الثالوث الأول وفك ارتباطاته وخباياه وهي إبراز الوظيفة النقدية للمسرح بوسائل مسرحية جوهرية.

2-الثالوث الثاني : المرجعي- العربي- الخصوصي :

حتم الصراع في مستواه الأول – بخصوص لعب الشخصية النسائية الحاضرة المغيبة- تحويلا أوليا هو رفض لعب الخرافة الشكسبيرية المتخيلة لا لشيء إلا لكونها إنقليزية دخيلة ويعبر عن ذلك عبر المنطوق الآتي ” ليش ما نحاول نحكي عن ثلاثة شباب بسطاء مالهم هم غير يحكو مشاكلهم هن ليش يا زلمة” إذن هذا المطلب كان ترجيع صدئ لموضوع “النحن” و”الهم”وخوض في إنبثاقات المثاقفة الواهمة أو لنقل هكذا كانت تتبدى لهم. وهي في الجوهر مناداة وتعليق مباشر وصريح لمسألة القطيعة مع المرجعي الوافد لكنها مناداة و إفصاح عن نبذ المضمون لا الشكل . يراد منها في حقيقة الأمر إعطاء سبل ومنطلقات ومبررات للحديث عن واقع الممارسة الفعلية والآنية للمسرح العربي عموما ومسرح “نعم ” الفلسطيني خصوصا، والذي حرص ممثلوه المباشرون أو المتخيلون على كشف جملة من أطروحاتهم ومفاهيمهم لمكونات المسرح واصطلاحاته المتداولة – ولما لا يقدمون منظورا بسيطا أو مبسطا للمتلقي لإقحامه في معترك الخصومة أو لنقل المشاحنة الاصطلاحية و المفاهيمية لمقاربة المسرح العربي رغم أن الظاهر من الإصداح والإقرار كان يبدو هادفا لتثقيف المتلقي وتلقينيا لتعاليم غير ثابتة مذ أرسطو إلى الآن _ على غرار مفهوم الديكور- الحكاية- الممثل- الزي المسرحي – المسرح ذاته …الخ وكأننا بصناع العرض المسرحي “3 في 1″ يبسطون للمتفرج وهو من العوام ويثقلون على النخبوي لأن مجرد الخوض المفهومي يعد تقويلا او لنعتبر انه طرح مفهومي يدخلنا في فوضى المصطلحات وانزلاقيتها.

يعتبر هذا التناول في نظرنا خوضا في الوظيفة التنظيرية للمسرح من حيث خوض الشخصيات الثلاثة فيها دون الدخول في منطق صحتها من عدمه . ذلك أن المقصد العام من وراء مطارحة الموضوع ومعالجته مسرحيا يجعل المرجعي المفهمومي ذريعة لإعادة مساءلة المفاهيم الأصول- في و من على الخشبة- وهي نخبوية ومركبة تبلغ إلى العامي البسيط فلا تحقق مبتغاها في الإفهام والتوعية الآنية لمقاصد ومفاتيح العرض المسرحي في العموم.

أما العربي في العرض فكان مبطنا في المضمون الذي حافظ على اللهجة الفلسطينية في التواصل ، حينما تتبدى لنا مسرحة الواقع سبيلا لكشف قضايا ومناظير عربية محدودة في المسرح بطرق لعبي فلسطيني يساءل الموجود ويعريه من قبيل التصور العربي لثنائية الممثل/الشخص- الفرد في تعالقاته الواقعية مع الأسرة والعائلة والآخر المتمظهر(الجار- الأب – الصديق- الزوجة- التاجر…المجتمع) الذي يحيا تحت وطئة الضغط ومنه الولوج إلى سطوة المقدس(المنظور الديني) على الفن والانزياح به إلى مواضعة مبتذلة ورديئة هي خانة المدنس حينما يعير الإبداع بميزان الحلال والحرام . وهذا ما بدا متجسدا في العلاقات الدرامية المعروضة والمحكية والعاكسة لصورة الأنا في علاقاته بالآخر( حب / كراهية – تواصل / قطيعة…) هذه المقاصد يتم تفعيلها مشهديا في صورة تعبيرية لشخصية “القهوجي العجوز” الناصح للممثلين المتوجهون للتدريبات قائلا:” ليش ما بتشتغل حلواني ..سيبك من المسرح .. الحلواني بيكسب كثير”. ان هذه الطرادة ومثيلاتها هي نقطة مفصلية في زمن “ميطوسMythos ” الحكاية الواقعية التي يروم الشبان الثلاثة لعب مجرياتها وهم ثلاثة مواطنين لهم همومهم الدنيوية الاعتيادية ففيهم المديون لجاره والمتخاصم مع زوجته وأما ثالثهم ففي سن السادسة والثلاثين حالمون جميعا لا بتغير العالم أو تحرير فلسطين بل المطلب بسيط وهو أن تتاح لهم فرصة واحدة للتعبير عن خصوصيتهم المكتسب بالفطرة. وهذا في حد ذاته إحالة مباشرة ومشروعة في الحلم واللامشروطية في أمل بسيط . امل الرغبة في الفعل . ومكاشفة بمواجع صدمة الواقع المرير والفكر المتحجر المأرخ لروح الفن في كيان الفنان الفرد المتأصل في ذات الآخر. وتحوله شكلا ومضمونا إلى صنيعة مدجنة يحتكم في فعله الفني إلى تخاريف وأحكام الأولين في أمره .مما جعل كل منهج إبداعي آخر الأولويات في مشروع المواطنة “العربانية” التي تستنزف تفكير الآخر بإعتباره مواصنا وسيد نفسه .وهو ما “يستحمر” عقولنا كعرب ويستهجن غائية وجودنا المتجسد في” شو .. إنت راجل .. رجل لابس مرا.. ليك إستحي ع حالك يا زلمة .. ليك تفوو.. إنت فلسطيني.. وليك تفففففففو….” لقبح طبائعنا والشر المتأصل في جوهر أحكامنا القيمية والمعيارية على روح الأمل في رغبات التغيير فينا. على هذا الأساس تنكشف أخيرا الوظيفة الإيديولوجية للمسرح. وأماالجانب الخصوصي المشار إليه فكان للحكاية وتسلسلها المنطقي دور كبير في إبرازه حيث راوح العرض بين إيجاد المرجع كذريعة للولوج إلى واقع الممارسة الفلسطينية للفن الرابع ، فما هؤلاء الثلاثة اللاعبين لأدوار في نص شكسبيري إلا ثلاثة شبان عرب يحدثون ويسردون ويتقمصون أمام جمهور النظارة لحظات مخصوصة من مسار تجاربهم اليومية وتعاطيهم المباشر للفن لكن من منطلقات جمالية تبدو متجلية في فنية مطلقة هي التخفي والتنكر وراء الشخصيات المتخيلة لتعبر عن رغبات شخصية تعاني مرارة تحقيق رغباتها وأمالها البسيطة المركبة في آن ، لتقول وتكشف وتفضح وتعري قبح تصورات الأخر والمجتمع عموما تجاه الفن والجمال والجسد المعبر المفعم بالتدليل، حينما نستقرأ في مجريات العرض أن أمل الرغبة في صدور اللاعبين جعلهم حاملي لواء المسرح في أوطانهم رغم صدمة الواقع الذي جعل الفكر في أرضهم متكلس.

خاتمة:

لئن كان عرض مسرحية “3 في 1″ الذي قدمه مسرح نعم الفلسطيني غنيا بالمقاصد وثريا بالدلالات الفنية إلا أنه تجربة فريدة ووحيدة في مسار وتوجهات جمالية مخصوصة به ولا تختزل في المطلق جل المسرح الفلسطيني ومقارباته الجمالية والإبداعية ولكنها حتما جزء لا يتجزأ من مسار التجربة والمسار ككل .وحتى وأن توافرت تشابهات لما يروم العرض البحث فيه أو الدفاع عنه من قضايا مسرحية بالآليات المسرحية الصرفة فذلك مؤصل لمسار وتوجه جديدين من تاريخ الممارسة الفعلية للفن ،إذ تبقى المحاولات الكثيرة والتجارب هي السبيل الوحيد لتحقيق مبتغيات صناع عروضها، سيما إذا توفر في الأرض الممثل المواطن (رائد، محمد ، إيهاب) الذين يلعبون أنفسهم في طرح واقعي لا يخلو من الأمانة والموضوعية في لعب المتخيل وتحويله إلى لعب للحقيقة هادف إلى كشف هموم الفرد في وطن يحيا تحت سطوة المقدس والمدنس.

إن هذا العمل”3 في1″ هو ” مسرحية من نوع آخر،حيث أن الممثلون رائد ،محمد ،إيهاب لا يقومون فيها بالتمثيل وإنما يعكسون ببساطة تجاربهم الحقيقية في الحياة محاولين إلقاء الضوء على الأوضاع والتحديات التي تواجههم كمواطنين يعيشون ظروفا حياتية صعبة خاصة في مدينة الخليل من جهة وفي ظل مجتمع لا يقدر قيمة المسرح من جهة أخرى فالبعض يعتقد أن التمثيل محرم، و آخرون لا يؤمنون بإمكانيته في الاستمرار وبأنه سيختفي يوما ما … تساؤلات كثيرة…”.

__________

هامش :
العرض المسرحي ( 3 في 1 ) تم تقديمه في مهرجان المسرح العماني الذي أقيمت فعالياته مؤخرا بمدينة صحار.

أحمد الزائر سالمي
ناقد تونسي

إلى الأعلى