الثلاثاء 17 يوليو 2018 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الكوريوجرافيا

الكوريوجرافيا

لعل مصطلح “كوريوجرافيا” هو أحد مصطلحات الفنون، الذي ظهر في اللغة العربيةفي العقود القريبة الماضية. ونظرا لأنه – كغيره من المصطلحات – ترتبط دلالته بنشأته وتاريخه، ونظرا لأن هذا المصطلح ظهر في اللغة العربية، بمعزل عن هذه الأبعاد، فراح ينتشر بمعان خاصة ومفاهيم ذاتية ترتبط بالخلفية المعرفية لكل مستخدم له.

إن زيادة الإقبال على استخدام هذا المصطلح في مواقع مختلفة للممارسة المسرحية من الخليج إلى المحيط، ونظرا لتعدد دلالاته عند مستخدميه، وجدنا أنه من المهم المساهمة بتحديد معناه، إذ أن مفهوم تعبير “مصطلح”، هو اصطلاحالمتخصصين على أن منطوقا محددا، يدل على مضمون محدد. ويتغير مضمون أي مصطلح بتغير الظاهرة الدال عليها عبر تاريخها وتنوع الثقافات التي تطورت فيها. وبالتالي، يستفيد المهتمون بالظاهرة المعنية، من الخبرة الإنسانية التي انجبتها والتي ساهمت في خلق وتطوير المصطلح الدال عليها.
​عادة ما يلجأ المشتغلون على صك مصطلح ما إلى لفظتين أو أكثر، يتم دمج منطوقها في لفظة مستحدثة لها منطوقها الخاص، بهدف خلق مسمى متفرد للمعنى المقصود، حتى لا يتم الخلط بينه وبين مصطلحات أو حتى الفاظ أخرى. و”الكوريوجرافيا” مصطلح، ظهر في عام 1700، في أوربا، من دمج لفظتين في اللغة اليونانية: كوريو (الرقص في دائرة) وجرافي (تدوين). أي ان المصطلح – في بدايته – كان يدل على تدوين نشاط حركي، لم يكن قد تم إطلاق اسم (مصطلح) عليه بعد. وقد اتسع مضمون المصطلح – فيما بعد –ليشمل كل ما يتعلق بالتعبير شكلا أو حركة باستخدام الجسم الإنساني، من الرقص إلى التمثيل.

والجدير بالذكر، أن محاولات تدقيق تدوين الحركة تعددت وتشابكت في محاولة للوصول إلى ما يشبه النوتة الموسيقية، من أجل تدوين الأوضاع الحركات مكانا وأيضا إضافة زمن الأداء. وهي محاولة للوصول إلى مدونة تشبه نوتة الموسيقى. وأبرز من ساهم في هذا المجال هو لابان في كتابه “كينيتوجرافيا” (تدوين الحركة) الذي صدر عام 1928، والذي ابتدع وسيلة تدوين للحركة أصبحت مشهورة باسمه ويطورها مع الوقت الباحثون في هذا المجال.

ولابد هنا من توضيح أن ما ذكرناه هنا تحت مسمى الرقص، ليس الرقص الاحتفالي فحسب، وإنما الرقص بمعناه الأشمل، الذي مارسه الإنسان عبر تاريخ الحضارة، تعبيرا عن فرحه وحزنه وعن خوفه واطمئنانه وعن فوزه وخسارته وانتصاره وهزيمته، بل عن افراحه وجنائزه. وبالتالي فهو ليس مجرد الرقص الشعبي فقط أو الرقص الشبابي في الديسكو فقط وليس رقص البطن المسمى بالرقص الشرقي فقط. الرقص من أعرق اللغات الإنسانية. وبقدر تنوع المجتمعات وارتقاء قدرتها على التعبير، بقدر ارتقاء وسائل التعبير المباشر والفني، بما في ذلك الفن التشكيلي والموسيقى والرقص والتمثيل.

وهنا يجب التنويه إلى أنه أحيانا ما يتم الخلط بين الجمالي والتعبيري. ونقصد هنا اللجوء إلى الكوريوجرافيا – خارج المجال التعبيري في الفن – مثل أنواع الرياضة، التي تتطلب جمالا في الأداء، مثل الجمباز الفني والاستعراضات المائية. والفرق الجوهري بين الكوريوجرافيا في الفن وفي الرياضة، هو أن الأشكال والحركات في الفن هي وسية للتعبير، بينما في الرياضة هي مجرد لمسة جمالية، تضاف إلى الأداء الرياضي، الذي تعتبر الحركة فيه، غاية في حد ذاتها. كما أن هناك فرق آخر بين استخدام الكوريوجرافيا في الاستعراضات، التي تعبر عن حالات شعورية محدودة، سواء كانت حربا أو انتصارا او فرحا، وبين استخدامها في التعبير المسرحي. فأساس المسرح هو الدراما، والدراما فعل له بنيته التي تفرض منطق الصعود والهبوط والتعقيد والحل وكل دفقة تعبيرية لها خصائصها، فلا يستكين التعبير إلى الصياغة البسيطةللمشاعر.

​ويتضح الآن أن مصطلح الكوريوجرافيا، لم يعد يقتصر – في دلالته – على النشاط الذي عاصر عملية صك المصطلح أو ما بعده فحسب، وإنما أصبح أداة وحيدة للإشارة إلى النشاط المقصود انّا وُجد مكانا وزمانا. فالكثير من الباحثين وجدواما يدل على تجارب إبداع التعبير بالجسد ومحاولات وصف أو تدوين الأشكال والحركات المعبرة منذ عهد مصر القديمة، مرورا بكل العصور الحضارية. ولكن تركيز الباحثين على ظاهرة دراسة التعبير بأشكال وحركات الجسم الإنساني، القت الضوء على قدم وعمق هذا اللون من التعبير الإنساني، فأثرت معرفتنا به وساهمت ولا زالت تساهم في تجنب المعوقات وفتح مجال الإبداع على مصراعيه.

​لقد مر على المسرح العربي زمن اقتصرت فيه حرفية التمثيل على فن الخطابة او يكاد. وراح يحاول الخروج من هذه الأزمة طويلا، فلم يكن متاحا له – وقتذاك – سوى إضافة بعض المشاهد الغنائية الراقصة، التي كانت تصور (الرقص في الحياة)، مثل الحريم أو الأفراح أو الكباريه، حيث الراقصات المحترفات تؤدين الرقص بغرض التسلية، وليس بغرض التعبير (الحياة في الرقص). فما بالك بالتعبير الدرامي. وحتى فن السينما، كان اسير هذا المفهوم لدرجة كبيرة، حتى أنني اسمي ما كان يقدم من أفلام تحت مسمى “أفلام غنائية” أنها – في واقع الأمر – “اغان مفلمنة”، كانت ابطالها مغنون معروفون ومغنيات معروفات. ويتم إنتاج الأفلام اعتمادا على شهرتهم في مجال الغناء. وتعرض الأغنية في الفيلم كاملة متخطية بذلك كونها جزء من الفيلم إلى أن أنها الأساس وكل ما عداها مجرد ذريعة لتقديمها.

​وبالرغم من الحالة المعاصرة لفن المسرح في بلادنا، التي تطورت كثيرا عن الحالة التي ذكرناها، إلا أنها لا زالت تعاني من بعض التابوهاتالثقافية ، مثل استخدام الجسد في التعبير وخاصة الجسد الأنثوي. ولا زال معظم إبداعنا الموسيقى عندنا – رغم كل الجهود – يعاني من انحباسه في إطار موسيقى الطرب وليس الموسيقى الدرامية. فالتعبير بالجسد الإنساني دراميا مع الموسيقى الدرامية هما عماد الكوريوجرافيا، بصفتها تعبير فني درامي.

​لقد ساهمت المؤسسات التعليمية سواء في المسرح أو الموسيقى في تغيير الإبداع المسرحيعندنا كثيرا، ولكن لازال أمامنا طريق طويل نحو النضج ثم التميز ثم … التفرد.

د. يحيى عبدالتواب
كاتب مصري

إلى الأعلى