السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مريم شريف تستعيد ما لا يُستعاد في مجموعته الجديدة

مريم شريف تستعيد ما لا يُستعاد في مجموعته الجديدة

عمّان ـ العمانية :
كثيرة هي الأشياء التي نفقدها خلال مسيرتنا الحياتية، وكثيراً ما ننسى ما نفقده، لأننا نهتمّ في الغالب بما هو بين أيدينا، لكن الشاعرة مريم شريف تظل متشبثة بأشيائها، وأشخاصها، ولا تريد أن تنساهم، لمجرد أنهم غابوا، فظلالهم التي لا تستطيع الإمساك بها باقية، تعيش إلى جوارها.فهذا “إبراهيم”، زوجها الذي غاب مؤخراً، يقف بباب مجموعتها “ما لا يستعاد” الصادرة عن الآن ناشرون وموزعون، عنواناً لقصيدة، وعتبة للمجموعة، فكان الإهداء إليه، فكأن الشاعرة تثبت حضوره، وتستعيده في الشعر. ويأتي بعده الأب الذي لم يعد من الحرب.
الشاعرة في هذه القصيدة، كما في بقية قصائد المجموعة، تبقي الطريق مفتوحةً أمام عودة المفقودين أو الغائبين:
“كلُّ الطرقات التي تعرفنا
لن تستطيعَ أنْ تسحبَ تلك الليلةَ
من تحت ذلك الجبل
ليعرفَ أبي البيتَ إنْ عاد
أو لتمحو منها الحرب
التي لم تُعِده”.
تأتي قوة نصوص مريم شريف من عفويتها وهي تعبّر عن ذاتها وتروي تفاصيل حياتها وتتحدث عن العزلة التي تنطق بكل شيء. وترسم الشاعرة صوراً فائقة الجمال، بلغة عادية، شفافة، تتراءى الأشياء من خلفها ملونةً نابضة بالمشاعر، وهي تؤثث الفراغ الثقيل، فتجعله محتملاً، معطية لبقايا الحياة المتسربة من بين الأصابع قيمةً عالية.
قصائد مريم شريف لا تنطق بكلماتها وتعابيرها فقط، بل بما تولِّده من صور وأفكار مدهشة لا تنتهي:
“ما زالت هناك أغنيات جميلة
ما زال هناك غرباء
أريد أن أبادلهم حديثاً عابراً
عميقا وعابراً”.
وكما في:
“كنت سأكتب عنك
لكنني لا أقوى على رؤية نهايات اللغة”.
وكذلك:
“نضيف للظلِّ وهو ينمحي
شكلَ امرأةٍ وطاولة..”.
وهو ما نجده في المقطع التالي أيضاً:
“لم يكن الضوء هو كل ما أريد
ولكن
أن يظلَّ في قلبي مكانٌ صغير لا يعتم”.
تقلب مريم شريف المألوف في صورها الفنية محْدثةً مفارقةً مدهشة. ويغيب في قصائدها الإنسان، لكن لا يغيب صوته، وتارة لا تغيب صورته، وتارة لا تغيب روحه:
“سأكلِّم صوتك
ظلَّ هنا حين ذهبتَ
الأشياء الصامتةُ هي صوتكَ
الأشياء المألوفة
صوتك الذي لا تخفتُ أجراسهُ
صوتك الذي لا يذهب
كالأيَّام”.
وفي مقطع آخر تقول الشاعرة:
“هنالك صوتٌ لكلماتك
وصوتٌ لصوتكَ
صوتٌ عميقٌ
وبعيد
كآخر الأرض
تَعرفهُ روحي
تذهبُ إليه أحياناً
تحيا هناك
مثلما تحيا الروح
في جسد”.
ورغم فداحة الفقد، ووحشة العزلة التي تعيشها الشاعرة، إلا أنها تجعل من الأشياء المحيطة بها كائناتٍ حيّة، أليفة، تولِّد الحياةَ من السّراب، كما تستعيد الأحبةَ من خلال أثر أصواتهم، وأرواحهم التي لم تغادر المكان:
“في كلماتهِ القليلةِ
أبحثُ عن قطرة ماءٍ
عَلِقَتْ بسَقفِ إحدى الكلمات
أبحثُ في قطرة الماءِ عن نهر
أبحثُ في النَّهرِ
عن كأسي التي أضعْتُها منذ سنين
أُلَمْلمُ الرؤى التي أحاطتِ السَّرابَ منذ الأزل
أُشاهدها تلوي عُنقَ السِّنين
وتُعَبئُ النَّهرَ في كأسي
أشاهد الكون
يتبادلُ الدَّورَ
مع الكأس التي شَربْتُها للتَّو”.
يقول الشاعر السوري علي جازو في تجربة مريم شريف: “بسبب نسيج كلماتها البسيط، الأقرب إلى التكلم منه إلى التأليف، نبقى معلّقين وسط كلام لا يعرف نهاية، رغم بحثه المرير عن شفاء عبر الكلمات نفسها. قصائد الشاعرة مندغمة، وممتزجة بموضوعها حد التماهي الخالص، والتطابق الصرف”.
أما الشاعر الفلسطيني جميل شعث، فيقول: “شاعرة في قصائدها زهدٌ وتمسّك، زهد بأي إضافة ترهق القول الشعري، وتمسّك بالعمق للإضافة عليه، لملئه، لمراكمة وضوح القصيدة؛ لتظل الأخيرة نابضة بالماء المعاش، منبّهاً معنوياً، ومطهراً لأعماق الإنسان”.يذكر أن مريم شريف صدر لها سابقاً مجموعتان شعريتان، هما: “صلاة الغياب” (2003)، و”أباريق الغروب” (2007).

إلى الأعلى