الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : أين تقف الوظائف في ظل تعاظم دور تقنية المعلومات والابتكار؟
في العمق : أين تقف الوظائف في ظل تعاظم دور تقنية المعلومات والابتكار؟

في العمق : أين تقف الوظائف في ظل تعاظم دور تقنية المعلومات والابتكار؟

يأتي تناولنا لهذا الموضوع من فرضيتين الأولى، أن تعاظم دور التقنية والابتكار سيصاحبه انحسار في عدد الوظائف الحكومية خاصة والمشتغلين بها، أما الثانية، فإن الدور القادم في عمليات التوظيف والمنافسة وإدارة ملف القوى العاملة الوطنية ينبغي أن يتجه للقطاع الخاص، وبالتالي ما يستدعيه الفرضيتين من فقه المواطن ووعي الأسرة والمجتمع بشأن توقعاتهم نحو مخرجات حملة الدبلوم العام والشهادة الجامعية.
إن معطيات المستقبل في ظل تعاظم دور التقنية وشبكات الاتصال بالمؤسسات ودور الانترنت وقضايا الابتكار في الات والروبورت والذكاء الاصطناعي الحاصل بها والمعالجة السريعة الحاصة لإخفاقاتها عبر تنوع وتعدد التجارب، ستضمن نجاحا مبهرا لها واستغناء عن الكثير من الوظائف على المستويات العليا أو التنفيذية، وسواء تلك الوظائف التي تحتاج إلى قوة عضلية أو تلك الوظائف المحدودة كالمستخدمين والمراسلين وموزعي البريد الداخلي ومن في حكمهم، بل ستتعدى ذلك إلى الوظائف العليا التي تعتمد على عمليات التحليل والتفكير ورسم الخطط واستشراف المستقبل، وبالتالي ما يمكن أن يشكله ذلك على مستقبل التوظيف ودور الدولة فيه، والإمكانيات التي يمكن أن توفرها الدول سواء في القطاع الحكومي والوظائف العامة أو القطاع الخاص، وما يمثله ذلك من تبعات على الحكومات والمجتمعات والشباب من الباحثين عن عمل والأسر أن تتهيأ لها وأن تتنبه لها، بالشكل الذي يضع المجتمعات أمام قراءة شاملة وواسعة لمنظومة التشغيل والوظائف، وحجم العمالة التي يمكن ان تدخل في قطاع التوظيف، ويحدد شكل هذه العمالة ونوع المهارات التي تمتلكها، وما يعنيه ذلك من الأعداد القليلة التي تحتاجها المؤسسات من الوظائف المكتبية، إذ يصبح دورها مقتصرا على إدارة الأنظمة الالكترونية ومراقبة عملها وإدارة البرامج التقنية وابتكار الأدوات المعينة لها بالشكل الذي يضمن لها ديمومية التعاطي مع طبيعة المنجز ونوعه.
وهو أمر يتجه بدور المؤسسات إلى الرقابة ومنهجية المتابعة سواء في الوظائف التي تتطلب جهدا عضليا أو مساحات من التفكير وإعادة برمجه الواقع وهندسته أو تحويل البيانات والإحصائيات إلى معلومات حية تؤسس لمستقبل التنمية وتبني محطات النجاح، كما أن اتجاه العمل سيكون من الأعلى إلى الأسفل بمعنى أن الشواغل التي تحتاجها المؤسسات وعبر عمليات الرقابة والمتابعة والتطوير إنما يتركز الحجم الأكبر منه في الميدان وليس في مكاتب ديوان عام الوزارات أو المؤسسات أو المراكز الرئيسية، بما يعزز من بناء تشريعات تعزز لمسارات اللا مركزية وزيادة أكبر في الصلاحيات والمسؤوليات، باعتباره الطريق الأنسب لتحقيق معادلة التوازن في هذه الوظائف، كما أن الاتجاه إلى الشركات والقطاع الخاص لإدارة متطلبات العمل سيكون هو البديل لإشكاليات الترهل الوظيفي بالمؤسسات الحكومية ومنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبيوت الخبرة الوطنية الدور الأكبر في التعامل مع متطلبات المرحلة القادمة.
على أن حل اشكالية التباطؤ في التعامل مع نواتج البرامج والتطبيقات المؤسسية الالكترونية، يستدعي اليوم بناء أدوات تقييم ومتابعة جادة تسهم في تعقب مستوى انجاز الموظف، بحيث تقوم البرامج بكشف تأخير الموظف عن انجاز معاملة تقع بين يديه، وتعقب ذلك من قبل مركز المعلومات والاتصال الذي يفترض أن يقوم بالمهمة، ويمتلك الصلاحيات المحاسبية من خلال رسائل إنذار توجه للمسؤول أو الموظف في حالة تأخره عن أداء أو تنفيذ المهمة في قطاعه، من خلال تحديد وقت معين لإنجاز المعاملة والانتهاء منها تأتي بصورة مباشرة في النظام.
إن مسألة إدارة الوقت التي تحققه التقنية وتضبطه بشكل أفضل وأكثر دقة، في ظل ما تتيحه من اشكاليات هدر الموارد وقلة الانجاز الناتجة من تعدد الاجتماعات وزيادة الوقت المستهلك منها يستدعي اليوم البحث في آليات عمل واضحة تحقق الانتاجية وتقيس نسبة الوقت المستقطع لدى الموظف من حيث عمليات دخوله أو خروجه أو حركته داخل المؤسسة، قد يؤسس لبيئة مؤسسية ضامنة لنمو بيوت الخبرة الاستراتيجية وتعزيز كفاءة التشريعات والأنظمة والبرامج، وكفاءة أنظمة الاستراتيجية الوطنية لأمن المعلومات ومرونتها وعدالة التشريعات وقوتها ووضوح مسألة المحاسبية والتحفيز وفق المعايير.
وتأتي أهمية القيمة المضافة للكفاءة الوطنية من حيث إدارة المنافسة بينها وتعميق حضورها عبر التقنية والابتكار وتأكيد دورها في واقع المؤسسات لتؤكد أن عملية التسويق للكفاءة الوطنية سيدخله التغيير أيضا، فالتسويق القادم سيكون من الفرد نفسه وتعظيم قدراته واستعداداته ونشاطاته ودخوله للتجربة وقبوله بها، وليس على المؤسسات أن تبحث له عن عمل أو تتصل به في حالة توفر الوظيفة، وهو أمر يتطلب أهمية تهيئة المجتمع للتعامل مع هذه الاشكاليات وفهم حدود الدولة وامكانياتها في عمليات التشغيل واستقطاب المواطنين، وحجم الأيدي العاملة الوطنية التي يمكن أن تستقطبها مؤسساتها الحكومية، وأن لا يعني زيادة فرص الدخول في مؤسسات التعليم العالي، أن تتوفر الظروف نفسها لالتحاق الباحثين عن عمل في المؤسسات الحكومية، في حين أن على القطاع الخاص مسؤولية إعادة صياغة برامجه وخططه وتوجهاته وتقوية مسارات عمله، وبناء فرص وامتيازات اكبر تضمن الاستمرارية والابتكارية في ادواته وبيئاته التشغيلية، في ظل نوع الخبرة المطلوبة في المرحلة القادمة، وقدرته على خلق فرص أقوى لبناء القدرات والمنافسة فيها.
وعليه فإن ملامح الاقتصاد الجديد يعتمد بالدرجة الاولى على تعظيم القيمة المضافة للابتكار والتنظيم والادارة، والاستخدام الامثل للبرامج الالكترونية للمؤسسات للدخول بها في واقع الحياة المهنية والاجتماعية اليومية، وبالتالي تصالح إنسانه مع التقنية والآليات باعتبارها رصيدا بشريا لبناء مسارات التحول في حياته وتعزيز قوة التفكير والذكاء لديه وتفاؤله بما يستجد من عظمة من تقدمه التقنية.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى