الإثنين 16 يوليو 2018 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الشكل المتغير للحرب واستراتيجيات الصراع في النظام العالمي القادم (1-2)

الشكل المتغير للحرب واستراتيجيات الصراع في النظام العالمي القادم (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. رغم ان نظام الدول ذات السيادة لا يزال هو النمط المسيطر في العلاقات الدولية (فإن المرء يستطيع البدء بتمييز نمط من المجتمعات المتداخلة ونوع من الإدارة يحملان شيئا من الشبه بالوضع الذي كان سائدا قبل ان يصبح نظام الدول ذا طابع رسمي بمعاهدة سلام ويستفاليا, فالاتصالات العابرة للحدود القومية عبر الحدود السياسية كانت نماذج مألوفة في عهد الإقطاع, ولكنها صارت مقيدة على نحو متزايد بنشوء الدول – الأمم المركزية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يمكن الحديث عن نشوء شكل جديد للتغيير على مستوى النظام العالمي وبنية السياسة الدولية. وبالتالي حدوث تغيير مشابه نتيجة تلك التغيرات والتحولات في البنية أو البناء القائم على التطور للنظام العالمي في القرن 21 في ادوات السلطة والصراع والقوة دون الحديث عن تقديم حضاري وتهيئة انسانية لذلك التغيير الشامل. فعندما تصل حضارة من الحضارات الانسانية إلى مرحلة النهاية والانهيار فإنه لا بد ان تعمها الفوضى والصراع سواء كان ذلك على مستوى العلاقات الدولية أو الاجتماعية أو حتى الأطر القانونية المنظمة لكلا العلاقتين. وليس بالضرورة ان يحدث ذلك الانهيار على شكل دمار شامل او ابادة جماعية ومطلقة.
ولكن يمكن ان يحدث ذلك نتيجة وصول البناء المكون لتلك الحضارة إلى درجة الاضطراب والفوضى في مكوناتها الهيكلية السياسية على سبيل المثال بسبب تزاحم القوى الكبرى على السيادة, او بسبب انفلات قوة تلك القوى الكبرى امام قوى اقل منها حجما بسبب تكتلات وتحالفات يراد من ورائها الإطاحة بها. او نتيجة انتشار موجة من التغيير في مستويات الصراع العالمي بسبب مطالب وتحولات القوة والنفوذ والهيمنة, الأمر الذي يمكن ان يدفع إلى مواجهات وصراعات تؤدي بدورها إلى تفتيت الكثير من الدول والأنظمة المكونة للنظام القائم.
كذلك يمكن ان يحدث ذلك نتيجة تطور تلك الأنظمة السياسية والعسكرية بسبب تطور الأفكار والتكنولوجيا المكونة لشكل السيادة الجديدة. كما يحدث اليوم في ظل العولمة والانترنت والثورة التكنولوجية والهندسة الوراثية حيث تتجاوز الصلاحيات القانونية والسيادات الإقليمية لأننا باختصار (نعيش في اولى مراحل تحول الحدود العالمية – الكوكبية إلى فضاء سيادة امبراطورية مفتوحة ورحبة, أي الحضارة العالمية )( ). وبالتالي يمكننا الحصول على فكرة بسيطة وسهلة عما نحن متجهون إليه. اذا القينا نظرة على الماضي, وكيف تكون النظام العالمي القائم اليوم منذ اتفاقية ويستفاليا في العام 1648م حتى انهيار ابراج التجارة العالمية في العام 2001م. فهذا النوع من المطالعات والقياسات التاريخية يمكن ان تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين.
ورغم ان نظام الدول ذات السيادة لا يزال هو النمط المسيطر في العلاقات الدولية (فإن المرء يستطيع البدء بتمييز نمط من المجتمعات المتداخلة ونوع من الإدارة يحملان شيئا من الشبه بالوضع الذي كان سائدا قبل ان يصبح نظام الدول ذا طابع رسمي بمعاهدة سلام ويستفاليا, فالاتصالات العابرة للحدود القومية عبر الحدود السياسية كانت نماذج مألوفة في عهد الاقطاع, ولكنها صارت مقيدة على نحو متزايد بنشوء الدول – الامم المركزية. اما الآن السيادة اخذة في التغيير, فقبل ثلاثة عقود كانت الاتصالات عابرة للقومية اخذة في التنامي, ولكن المشتركين فيها كانوا اعدادا قليلة نسبيا من الفئات النخبوية المنهمكة في اعمال الشركات المتعددة الجنسيات والمجموعات العلمية والمؤسسات التربوية والاكاديمية, اما الان فإن الانترنت بسبب كلفتها المنخفضة اخذة بفتح باب الاتصالات العابرة للقومية امام ملايين كثيرة من الناس)( ).
يضاف إلى ذلك ان ما سنجده من خلال تلك القياسات سيؤكد لنا بأنه (ليس امام الحضارات جميعها الا التوجه نحو الإمام, حتى وان كان هذا الإمام هو نحو تدهورها وسعيها نحو حتفها . لأن التدهور ايضا يعد مرحلة متطورة للحضارة, المرحلة التي تبدأ فيها الحضارة التالية بوضع اسسها. يعني انتهاء مرحلة لبدء مرحلة اخرى, مثلها مثل الحصان الذي يتسلق الجبل بحمولته, لا امل له الا في الصعود, انه محكوم عليه بالصعود إلى الاعلى كي لا يخر صريعا, لأن أي توقف لا يعني سوى موته المؤكد . لا مجال اذا للتراجع والعودة إلى نقطة البدء , لا مجال للتوقف . ومن اجل الحفاظ على وجوده ليس امامه الا اختيار واحد , وهو الاستمرار في الصعود )( ). بل وربما في اكثر الاحيان لا يكون امامه في حال كان يحمل بعض الاثقال سوى رميها بشكل كامل وراءه حتى ينقذ نفسه ويعيش.
والمتتبع لجملة التغيرات في بنية النظام العالمي الراهن يجد انها احدثت جملة من المتغيرات الحضارية, خصوصا في الجانب السياسي. والتوجهات الجيوسياسية المعاصرة الكبرى( ) . التي افرزت بدورها وبشكل اكثر اتساعا وكثافة وقوة على رقعة الشطرنج الدولية في القرن 21 العديد من اشكال التحول والتغيير تجاه اساليب واستراتيجيات ادارة توازنات القوة. والنزاع او الصراع الدولي من جهة. خصوصا في جانب الابتكارات العسكرية المتقدمة ” الثورة في الشؤون العسكرية ” وجانب التقدم التكنولوجي في العصر الرقمي” الثورة السبرانية”. وكذلك على جانب تبادل التأثير وردود الافعال والمواقف السياسية والعسكرية والامنية الرسمية في ما بين اعضاء المنظومة الدولية “العلاقات الدولية والسياسات الدولية ” داخل اطار علاقة تغذية راجعة وتبادلية بخصوص تلك الاساليب والاستراتيجيات وجملة المتغيرات والتوجهات المتعلقة بإدارة تلك الصراعات والنزاعات والتوازنات من جهة اخرى.
بمعنى اخر. ان البنية المتغيرة للسياسة العالمية, وتشظي النظام العالمي كنتيجة طبيعية لتراجع المركزية الاميركية باتجاه تعددية قطبية فضفاضة وربما الاتجاه الى ما يطلق عليه بنظام حكم الكثرة المتوقع تشكله مع بدايات العقد الثالث او الرابع على ابعد تقدير من القرن 21. وما نتج عن ذلك التحول من نتائج سياسية وجيوسياسية خطيرة . كارتفاع سقف مساعي الكثير من الدول في مختلف ارجاء العالم بمختلف اشكالها واحجامها إلى البحث عن مصادر القوة والسلطة والنفوذ لسد الفراغ الجيوسياسي الذي احدثه ذلك التراجع, او للبحث لنفسها عن مكان قوي في تلك البيئة الدولية المتشكلة من عشرات الخيارات القاسية للبقاء والمحافظة على السيادة. يضاف إلى ذلك السعي الى تأمين نفسها من خلال ادوات القوة بمختلف اشكالها بسبب ارتفاع سقف المخاوف من التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية, واقامة تحالفات عسكرية وامنية عابرة للحدود الوطنية لسد ثغرة الضعف المحتمل في قوتها السياسية او العسكرية او الامنية .
بالتالي، دفعت وما زالت جملة تلك التحولات والتوجهات الكبرى (الدول والامم في مثل هذا النظام ان تكون مستعدة لحماية نفسها. دون اهمال حلحلة القيود المفروضة على العمل الاحادي المفترض ان يكون سائدا في التكتلات الأمنية ذوات الأطراف المتعددة في ان معا. والذي قد يبدو العالم من خلاله عائدا الى النظام التقليدي القائم على الدول القومية والسيادية. الا ان فوضى النظام التقليدي كان بالمقارنة مستقرا. فقادة الاوطان كانوا عموما قادرين على التحكم بما يجري داخل حدود ادارتهم وعلى الزام بلدانهم بتحالفات معينة بغية التصدي لقوة خصومهم. اما في عالم نظام – التعددية القطبية الفضفاضة وكذلك – نظام حكم الكثرة فثمة عددا اكبر بكثير من (الحبائل السائبة) المتروكة على الغارب ( حرفيا ومجازيا ) القادرة وحدها على احداث الفوضى في النظام.
ناسفة باستقرار الحكومات جنبا الى جنب مع الترتيبات الخاصة بالسلام والأمن الدوليين).( )
على ضوء ما سبق. يمكن التأكيد على ان تلك المتغيرات وتلك التحولات المتسارعة كما وكيفا في النظام العالمي سالف الذكر. جعلت منه نظاما ميالا اكثر من السابق للحرب والصراع. صحيح ان تلك الأشكال الجديدة للصراع لا تدور بشكل مؤكد في سياق الحرب المباشرة. أو مواجهات الجميع ضد الجميع “الحروب العالمية أو الشاملة”. بقدر ما ستتوجه نحو صراعات الحدود الجغرافية المتقاربة. او حول بقع جغرافية متباعدة تتنازعها المصالح الجيوسياسية المتضاربة بين بعض الأطراف الدولية. نظرا لهشاشة الصداقات والخصومات وسرعة تقلبها في هذا النظام, وهو ما يمكن ان يطلق عليه بطابع الشكل المتغير للحرب في القرن21.
في جانب اخر، فإن ادوات الصراع وساحات المعارك في هذا النظام المتشكل، واساليبه السياسية والامنية والعسكرية ستختلف بشكل كبير وجذري، حيث سيغلب عليها الطابع التكنولوجي والفني خصوصا ذلك الذي يتعامل مع العالم الافتراضي، وكذلك استراتيجيات الردع والاحتواء المتقدم تحت شعارات وشماعات الامن القومي والتدخل الانساني قبل التفكير باي عملية هجومية مباشرة على الخصوم، يضاف الى ذلك، سيتم الاستعاضة والاستغناء عن الكم بالكيف والنوع بشكل كبير جدا في الكثير من مجالات وادوات الصراع والحرب، يضاف الى ذلك ان امتلاك تلك الادوات لن ينحصر على الدول والانظمة السياسية الحكومية، والتي يفترض انها بدأت منذ وقت طويل في امتلاك تلك الاوراق الرابحة، بل سيمتد للأفراد والمنظمات غير الحكومية، خصوصا المنظمات الارهابية، والتي سيرتفع سقف تدخلاتها وقدرتها كفاعلين ومؤثرين في هذا النظام بشكل كبير. وبمعنى اخر ان تلك الاوراق الرابحة ستمكن الضحايا والمعتدين، المدنيين والعسكريين في ساحات ذلك الصراع على حد سواء من امتلاك القوة والقدرة والكفاءة سواء في مجال الدفاع او الهجوم او الردع.
مع التأكيد على ان تلك الادوات المتقدمة والحديثة في (الساحة الافتراضية ) لن تتمكن من الغاء الدور البشري او الجانب الفيزيائي في عمليات الصراع او الحروب القادمة . فعندما يتصاعد نزاع ما ويتحول الى حرب مسلحة في المستقبل، سيجد المشاركون فيه ان ساحة المعركة قد باتت مختلفة تماما عما كانت عليه في الماضي ولكن، لن يغير فتح الجبهة الافتراضية للحرب حقيقة انه مهما تطورت الاسلحة والجنود, فسيكون عليها العمل في العالم الفيزيائي, ولن تستغني عن الدور الاساسي للتوجيه واتخاذ القرار البشريين. اما الجيوش التي لا تأخذ هذه الظاهرة مزدوجة العوالم (ومسؤولياتها في كلا العالمين) في الحسبان. فستجد ان التقانة الجديدة التي تجعلها ماكينات قتل اكثر فعالية، تجلب عليها الكراهية والتشهير ايضا, مما يجعل مشكلة كسب العقول والقلوب اصعب بكثير).( )

إلى الأعلى