Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

(ويا) يحتفي بالليبيريين الجدد

جودة مرسي

”..تعد ليبريا من أكبر الدول الإفريقية إنتاجا للحديد، فهي رابع دولة في العالم في إنتاجه فضلاً عن الذهب والماس، كما أنها تعد بلدا زراعيا إذ يعمل 70% من السكان بالزراعة، ورغم ذلك دخلت دوامة الفقر والجهل بسبب الانقلابات العسكرية وصراع الجنرالات على الحكم الذي أدي لحروب أهلية وحياة أكثر من 85% من السكان تحت خط الفقر، وشهد اقتصادها أعلى نسبة انخفاض في التاريخ بعد انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 90%. ”

جورج ويا اسم كبير في عالم كرة القدم الإفريقية لانتمائه إلى القارة وعالميا لاحترافه في العديد من الدول الاوروبية الشهيرة مثل تشلسي وباريس سان جرمان ومرسيليا واي سي ميلان وايضا في الخليج مع فريق الجزيرة الإماراتي وبقدر شهرته كلاعب كرة ذاع صيته ايضا في المجال السياسي ليس لكونه لاعب كرة بل لأنه اعطى الامل لشعوب افريقيا في ان الحياة يمكنها ان تكون افضل وذلك بفضل اصراره على تحقيق الفوز وتسجيل الهدف الذي ائتمنه عليه شعبه واعلن ان الديمقراطية يمكنها ان تسكن افريقيا، فساكنوها بشر مثل سائر صنوف البشر، ليحتفي في النهاية بالليبريين الجدد المتنسمين بحرية الديمقراطية، والحكاية مع نهاية العام الماضي وتحديدا في شهر ديسمبر عاد إلى الأضواء من جديد عندما أعلنت اللجنة الوطنية الانتخابية في ليبيريا في الثامن والعشرين من ديسمبر عن فوز نجم كرة القدم السابق، جورج ويا، بانتخابات الرئاسة في جولة الإعادة بنسبة 61.5% من الأصوات، ليصبح رئيسا لبلد يشهد أول تداول ديمقراطي للسلطة منذ عام 1944.
وتعد ليبريا من أكبر الدول الإفريقية إنتاجا للحديد، فهي رابع دولة فى العالم في إنتاجه فضلاً عن الذهب والماس، كما أنها تعد بلدا زراعيا إذ يعمل 70% من السكان بالزراعة، ورغم ذلك دخلت دوامة الفقر والجهل بسبب الانقلابات العسكرية وصراع الجنرالات على الحكم الذي أدي لحروب أهلية وحياة أكثر من 85% من السكان تحت خط الفقر، وشهد اقتصادها أعلى نسبة انخفاض في التاريخ بعد انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 90%.
الغريب أن الانقلاب العسكري عام 1980 قاده الرقيب أول (فريق اول بالنسبة لنظم بعض الجيوش) صامويل دو على السلطة المدنية المنتخبة، وعين نفسه رئيساً للبلاد، وفي عام 1985 طالبه الجنرال توماس كوينكبا (مهندس التخطيط للانقلاب العسكري) بتنفيذ وعد الجيش بالابتعاد عن السياسة وإعادة الحكم إلى المدنيين، وغل يد صامويل دو عن ثروات البلاد، فاندلعت أعمال دموية بدأت عام 1985 آلت بعد ذلك إلى حرب أهلية أولى عام 1989 واستمرت حتى 1999، ثم حرب أهلية ثانية من 1999 حتى 2003.
وتحت الرعاية الأممية والدولية ولدت التجربة الديمقراطية الأولي عام 2005 عبر انتخابات رئاسية وصفها المجتمع الدولي بالأكثر حرية ونزاهة في تاريخ ليبيريا، وفازت بها الاقتصادية إلين جونسون سيرليف لتكون أول رئيسة في أفريقيا في فترة رئاسية لمدة 6 سنوات، فبدأت عملية مصالحة شاملة وأنشأت لجنة لتقصي الحقائق ومعالجة أسباب وجرائم الحرب الأهلية، وتحسن اقتصاد أفقر بلدان العالم نسبيا، وانخفض مؤشر الفساد.
جورج ويا أشهر لاعب كرة قدم إفريقي كان منافسا لسيرليف في انتخابات 2005 وفشل أمامها، وفي الدورة التالية عام 2011 فازت سيرليف بدورة أخرى، وترشح ويا على منصب نائب الرئيس أمام نائبها جوزيف بواكاي وفشل في الفوز بالمنصب، لكنه عاد وفاز أمامه في الانتخابات الرئاسية التي أقيمت نهاية ديسمبر 2017 في عملية تكريس للتداول السلمي للسلطة في البلاد.
سيرليف فازت في انتخابات حرة في دورتها الأولي وتعاونت معها كل مؤسسات الدولة لإنجاح البلاد، وفي الدورة التالية لها فازت دون نفاق إعلامي أو تزييف للشارع بأنه يرغب أن تكمل البناء والإنجازات، وفي نهاية ولايتها الثانية لم تفكر في تعديل الدستور لتخلد نفسها في المنصب، بل رحلت وشعبها يحترمها فكانت جديرة بجائزة نوبل للسلام.
جوزيف بواكا، نائب الرئيسة السابقة إلين سيرليف، خاض انتخابات 2017 وهو في منصب حكومي رفيع ومعه الرئيسة في سدة الحكم، ورغم ذلك فشل أمام جورج ويا، فلم يعمل بواكا وسيرليف على توجيه أجهزة الدولة لصالحه ليفوز بالانتخابات بأي ثمن، كما لم يخططا لحملات وهمية تطالب بأن يكون هو الرئيس القادم باعتباره كان شريكها في الحكم، ولم يروج الإعلام الليبري لفكرة أن بواكا لدية القدرة على متابعة خطط العمل والتنمية، وأن جورج ويا لا يمتلك الخبرة السياسية لإدارة الحكم، ولم يتمسح بأي مؤسسة.
الجو العام الديمقراطي في ليبريا في السنوات الأخيرة منح الشعب الأمل وأعطى جورج ويا الفرصة لعرض نفسه على جماهير بلاده، ففاز في 2014 بمقعد عن العاصمة مونروفيا في مجلس الشيوخ، وواصل تقديم رؤيته لإدارة الدولة لكسب التأييد والحشد، دون ممانعة أو مضايقة من السلطة، فحول فشله مرتين إلى نجاح في المرة الثالثة، وتجرد ويا من مظاهر قهر المنافس، بل وجه الشكر للرئيسة السابقة ووصفها بأنها جزء من عملية الانتقال الديمقراطي للسلطة، وبكل تواضع قال في خطاب الوداع بمجلس الشيوخ “نحن جميعنا زملاء… نحن ليبيريون، حان الوقت كي نعمل معًا لدفع البلاد إلى الأمام، سنبني على التقدم الذي حققته السيدة ايلين جونسون سيرليف لتحسين حياة الليبيريين”.
الديمقراطية هي السقف الذي يأوي الشعوب لحمايتها وتوفير سبل التقدم لها، ويدرأ عنها المفاسد، ويصد المخاطر، ويشكل الوعي، ويحمي التعددية، لأنها تعلي من قيمة الإنسان وأهمية رأيه واختياراته، فهي لا تعترف سوى بإرادة الشعوب، ولا تعرف سوي أصحاب الرأي والفكر، ولا ترافق برامج سياسية غير التي يقدمها سياسيون قادرون على إقناع الشعوب بتحقيق آمالهم وحماية حقوقهم وحرياتهم، كما لا تعترف بوجود مرشح جاء كهبة من السماء، لأنها تعمل وفق منهج وخارطة محددة المعالم بدستورها وقوانينها التي تسري على الجميع.
ليبريا تلك الدولة الصغيرة (111 ألف كم2) غرب إفريقيا، والتي يعود تاريخها إلي 1820 عندما استعمرها العبيد المحررين من الولايات المتحدة، باتت في مصاف الدول ذات التجارب الرائدة سياسيا وديمقراطيا، وتفوقت على دول عظمى ودول ذات حضارات كبيرة، والمجتمع الليبيري المتألف من 16 مجموعة عرقية تمثل في مجموعها نحو 3.5 مليون نسمة فاق وعيه مجتمعات عريقة، فهكذا هي الديمقراطية انعكاسا لوعي الشعوب وطموحاتها، وتجاربا مرآة لواقعها.. إنها ليبيريا، وإنهم الليبريون الجدد.


تاريخ النشر: 4 يناير,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/236305

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014