الأربعاء 25 أبريل 2018 م - ٩ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إيران”ثورة في الثورة”

إيران”ثورة في الثورة”

د.احمد مصطفى

” لم تندلع المظاهرات وتمتد إلى عشرات المدن بما فيها العاصمة طهران لأن قوى إقليمية تريد تغيير النظام في إيران، أو لأن تغريدات ترامب وتصريحات نتنياهو حركت الشعب الإيراني، وإنما لأن الناس العادية نفد صبرها على الإصلاحات الاقتصادية التي لم تأت بجديد. ومنذ بدأ تنفيذ الاتفاق النووي مطلع 2016 والإيرانيون بانتظار التحسن الموعود في أحوالهم المعيشية نتيجة رفع العقوبات.”

رغم استمرار الاحتجاجات واتساع نطاقها في المدن الإيرانية، لا تبدو السلطات في إيران في حالة قلق عميق مثل تلك التي أصابت بعض الأنظمة في المنطقة إبان احتجاجات ما سمي الربيع العربي مطلع 2011. ولا يعني ذلك أن الحكومة لا تقدر مخاطر استمرار الاحتجاجات، لكنه يجعل رد الفعل الأمني مضبوطا حتى الآن رغم سقوط قتلى وجرحى في المظاهرات. ومع أن الاحتجاجات التي بدأت بسبب غلاء المعيشة والفساد وسوء الأحوال الاقتصادية ترفع الآن شعارات سياسية تطالب بتغيير نظام الحكم، إلا أن رد الفعل من الحكم حتى الآن يقتصر على الجانب الأمني ولم تظهر أي بوادر سياسية تشير إلى أخذ مطالب المحتجين في الاعتبار. وربما تتصرف السلطة في طهران بشكل مماثل لتصرفها في مواجهة مظاهرات 2009 التي استمرت عدة أشهر ثم خفتت وانتهت. لكن الاحتجاجات هذه المرة مختلفة، حتى وإن لم تكن ثورة على الثورة الإسلامية فأسبابها أعمق أثرا تحتاج إلى مواجهة سياسية ـ غالبا ما ستعني تغييرا سياسيا في إيران.
وإذا كانت حجة التأثر بالخارج، واتهام النشطاء بالعمالة ووسائل الإعلام الخارجية بتأجيج المظاهرات نجحت في 2009 في عزل من يقفون وراء الاحتجاجات فلن تنفع هذه المرة. ذلك أن أسباب الحراك الحالي داخلية تماما ولها علاقة بمظالم قطاع واسع من الجماهير الإيرانية من الطبقات الوسطى والفقيرة التي تشكل الرافد الرئيسي لقاعدة نظام الحكم الشعبية. وهذا ما يجعل من الصعب التصدي لتلك الاحتجاجات بمقولة أنها «ضد الثورة الإسلامية»، فالواقع أن من قاموا بها ويتسع نطاقها بينهم هم قاعدة «الشرعية الثورية» لنظام الحكم ومن ثم يصعب القول أنهم ينقلبون على الثورة، بل ربما كان الحراك «ثورة في الثورة» – بالطبع ليس بطريقة ما وصفه الكاتب الماركسي الفرنسي ريجي دوبريه في كتابه عن الثورة الكوبية. إنما هي جماهير الثورة سئمت عدم الوفاء بالوعود وآخرها وأكثرها إحباطا ما تزامن مع الاتفاق النووي واحتمالات الرخاء والتحسن الاقتصادي بعد رفع العقوبات وهو ما لم يحدث منذ عامين الآن.
كل هذا لا يعني أن التأثير الخارجي منعدم تماما فيما يجري في إيران، فهناك شبه إجماع دولي على عدم استمرار حكم المرشد والقوى المرتبطة به والموصوفة بالتشدد، وفي الوقت نفسه لا يلقى «الإصلاحيون» الذين يمثلهم الرئيس حسن روحاني دعما من القوى الدولية الرئيسية. ويبدو الأمر كأن العالم مجمع على «اسقاط النظام» في إيران، وأنه يجد ضالته في الاحتجاجات الأخيرة ويعمل على إذكائها لتحقيق هذا الغرض. لكن ذلك في الواقع غير صحيح، فلا يوجد من يريد فوضى في إيران كتلك التي تشهدها دول «الربيع العربي» مثلا، وبغض النظر عن تصريحات نتنياهو وترامب النارية لن تجد أي قوة فاعلة في السلطة في أي من الدول الغربية ـ بما فيها المؤسسات الأميركية حتى ـ ترغب في انهيار نظام الحكم تماما في طهران، فمن شأن ذلك أن يخلق حالة من الفوضى تؤثر على الوجود الأميركي في دول الجوار كالعراق وأفغانستان. كما أن روسيا والصين لن تسمحا بمثل هذا الاضطراب الخطير قرب حدودهما، ووصل خط النار من باكستان إلى لبنان في حزام حصار لها. إنما يظل في الأخير أن تلك الاحتجاجات لا يمكن اخمادها أمنيا، أو بعزل القائمين بها باعتبارهم «أعداء الثورة»، فالمشكلة أعمق بكثير ويدركها الرئيس روحاني وحكومته.
لم تندلع المظاهرات وتمتد إلى عشرات المدن بما فيها العاصمة طهران لأن قوى إقليمية تريد تغيير النظام في إيران، أو لأن تغريدات ترامب وتصريحات نتنياهو حركت الشعب الإيراني، وإنما لأن الناس العادية نفد صبرها على الإصلاحات الاقتصادية التي لم تأت بجديد. ومنذ بدأ تنفيذ الاتفاق النووي مطلع 2016 والإيرانيون بانتظار التحسن الموعود في أحوالهم المعيشية نتيجة رفع العقوبات. هذا مع أنهم صبروا على إصلاحات حاسمة قام بها الرئيس روحاني في فترة رئاسته الأولى منذ 2013 حين ألغى كل أشكال الدعم النقدي التي توسع فيها سلفه محمود أحمدي نجاد. ومع أن الحكومة تمكنت من تحسين الأرقام الكلية للاقتصاد، لتأهيله للعودة للحظيرة الدولية، لكن ذلك لم ينعكس على حياة الناس. فمع أن التضخم انخفض من 40 في المئة في 2012 إلى نحو 12 في المئة الآن، إلا أن أسعار السلع الأساسية تظل مرتفعة وتتراجع القوة الشرائية للعملة الإيرانية (الريال) في الوقت الذي تجمدت فيه الدخول بالنسبة لقطاعات واسعة من الإيرانيين.
ضاعف من شعور قطاعات واسعة من الإيرانيين بالغبن حجم ما ينكشف من فساد له علاقة بالمحسوبية، وكذلك انهيار مؤسسات مالية كان صغار المتعاملين يدخرون بها جل ثروتهم البسيطة. وهذا ما جعل مظاهرة عمالية في أصفهان في مارس 2016 ترفع لافتة ضد انفاق أموال الإيرانيين على جهد عسكري في الخارج بينما الشعب يعاني شظف العيش. كذلك انكشفت الرواتب الهائلة لقيادات في قطاعات مختلفة توضح الفجوة الكبيرة بين المواطنين، ففي حين متوسط الأجور للموظفين في حدود 400 دولار، هناك موظفين كبار في قطاعات كالمصارف وغيرها تصل رواتبهم إلى 60 ألف دولار. ومع أن الحكومة قررت قبل أشهر وضع سقف للرواتب العالية عن 5500 دولار، إلا أن ذلك لم يقنع الغالبية من محدودي الدخل.
يصعب التكهن بمسار الاحتجاجات في إيران، لكن براجماتية السلطة في طهران قد تجعلها تقدم على تغييرات جذرية تحافظ على البلاد وتلبي قدرا من مطالب الناس بما يجنب الجميع احتمالات الفوضى.

إلى الأعلى