الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الوعي الغربي بالإسلام (2)

في الوعي الغربي بالإسلام (2)

أ.د. محمد الدعمي

إذا كانت دافعية إرفنج Irving في تورخة الإسلام وتاريخه ومنجزاته في شبه جزيرة إيبريا وطنية، لها صلة بتتبع أصول “العالم الجديد” و”الإنسان الألفي الجديد” المستولد من تزاوج الشرق (آسيا) والغرب (أوروبا) من أجل ولادة أميركا، فإن دافعية توماس كارلايل Thomas Carlyle (1795ـ1881) لم تكن بأقل وطنية عن معاصره على الساحل المقابل من المحيط الأطلسي.
ألقى كارلايل عددًا من المحاضرات التاريخية المهمة حول أعظم الأبطال في تاريخ البشرية، حسب رأيه؛ فانتقى اثني عشر بطلًا تاريخيًّا. وقد كان بطله الثاني، بعد “البطل إله” هو “البطل نبيًّا: محمد: الإسلام” (يوم الجمعة 8 مايو، 1840). كانت هذه من أهم تلك المحاضرات التي لم تترك أوروبا وبريطانيا الثورة الصناعية إلا بعد أن قدمت لها رجة عنيفة على سبيل إيقاظ عنايتها بالإسلام وبنبي الإسلام وبعظمة هذا الدين الحنيف وأهمية اعتماده على العنصر العربي على سبيل تغيير العالم.
وإذا كانت هذه المحاضرة التاريخية قد تحدت الآراء الخاطئة السائدة في أوروبا الغربية حول الإسلام إلى حد بعيد، فإنها أثرت كذلك على صورة العرب الكامنة في قعر العقل الغربي، بدليل أن كارلايل قد باشر محاضرته بتفنيد الرأي الديني السائد بين الأوروبيين بأن (كتاب ايوب) The Book of Job هو نتاج يهودي، ملاحظًا بأن هذا الكتاب هو بدرجة من الإنسانية والعمق والعاطفية أنه لا يمكن إلا أن يكون من نتاج العقل العربي، ذلك العقل الذي حمله أولئك العرب السريعو الحركة والحاضرو البديهية والمعروفون بالشاعرية الذين ولد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بين ظهرانيهم. اليهود، برأيه، أكثر ميلًا للأنانية والشوفينية درجة أن العقل اليهودي لا يمكن أن ينتج كتابًا إنسانيًّا بهذا العيار.
إن استهلال هذه المحاضرة التاريخية لتمهيد الطريق لقصة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، “الرجل الذي أبحر وحده ضد تيار العالم أجمعين” حتى حرر الإنسانية من أخطر ما انتابها من علل، أي من الوثنية. والحق، فقد كان إعجاب كارلايل بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) بدرجة من العمق أنه راح يعتمد قصة النبي ومنجزه التاريخي معيارًا لقياس منجز بقية الأبطال التاريخيين الذين انتقاهم من بطون الكتب: فعندما أراد كارلايل أن يجسد حجم منجز القس الألماني “مارتن لوثر”، مؤسس الكنيسة البروتستانية، استحضر محمدًا (صلى الله عليه وسلم) باعتبار أن الأخير هو بطل تحطيم الأصنام، بينما لم يكن لوثر سوى محطم لأصنام الكنيسة الكاثوليكية الوسيطة التي راحت تبيع “صكوك الغفران” وتقتل الفلاسفة والعلماء، على القازوق، كسحرة لأنهم تحدوا المنظور الكنيسي السائد والمحدود للعالم.
إذًا، محمد (صلى الله عليه وسلم)، بنظر توماس كارلايل، هو معيار البطولة الحقة التي اعتمدها هذا الكاتب الاسكتلندي المهم (1795ـــ1881) لتشكيل نظريتين اشتهر بهما حتى اللحظة، وهما: (1) نظرية البطل؛ (2) نظرية التاريخ.
عندما ندمج النظريتيين تتجسد أمام المرء رؤيا فلسفية كارلايلية، حاول هذا العملاق توظيفها لاستحثاث عنصر البطولة في بريطانيا عصره التي كانت مبتلاة بالمآسي الاجتماعية والمعضلات السياسية لمجتمع ينتقل، لأول مرة في تاريخ النوع الآدمي، من العصر الوسيط (الإقطاعي، الزراعي) إلى (العصر الصناعي) حيث تسود الماكنة على الإنسان لتذله بالفقر والجهل من بين سواهما من أمراض اقتصاد رأس المال.
وهكذا استل كارلايل قصة محمد (صلى الله عليه وسلم) ورسالته من صحراء العرب القفراء القاصية لتركيب دواء يشفي بريطانيا الخضراء مما شابها من أمراض التصنيع والذهنية النفعية Utilitarianism العمياء.
هنا يسمو الإسلام فوق حقائق الجغرافية والتاريخ ليغدو عنوانًا للعولمة مذاك، وأداةً للتصحيح وعصا لضرب الاختلال ودواء لمعالجة أمراض العصر.

إلى الأعلى