الأربعاء 18 سبتمبر 2019 م - ١٨ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: من مواقف الرحمة ٢

شـذرات مـن هـدي القـرآن: من مواقف الرحمة ٢

ناصر بن محمد الزيدي

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الـرسـل أجـمـعـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:

فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن مـواقـف الـرحـمة للـرسـول الكـريـم (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، قال تعالى:(فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الـبـقـرة ـ 38)، وقال أيـضاً:(.. فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طـه ـ 123).
فـمـن اتـبـع هـدى الله عـز وجـل، لا يـضـل عـقـله ولا تشـقى نـفـسه، ولا يـنـدم عـلى ما فات، ولا يخـشى مـما هـو آت.
الـعـفـو: إن الله تعالى في عـلاه عـفـو رحـيـم، يعـفـو عـن الـسيئات ويغـفـر عـن كـثـير مـن الـذنـوب، فإذا تاب العـبـد تـوبـة نصـوحـاً أنسى الله حـافـظـيه وجـوارحه، وبـقـاع الأرض كلها خـطـاياه وذنـوبه، فالعـفـو مـن الـمغـفـرة لأن الـغـفـران يشعـر بالـستر، بـينمـا العـفـو يـشـعـر بالـمحـو، والـمحـو أبـلغ مـن السـتر.
وقـد أمـر الله عـز وجـل نبيـه الكـريـم )صلى الله عليه وسلم( بالعـفـو والصـفح، قال تعالى:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعـراف ـ 199)، وقال:(.. فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجـر ـ 85)، وقـد فـهـم النبي )صلى الله عليه وسلم( الـعـفـو بأن تعـطي مـن حـرمـك وتصـل مـن قـطـعـك وتعـفـو عـمـن ظـلـمـك.
وقـد أمـر الله الـمـؤمـنين بما أمـر به الـمـرسـلـين، فـقال تعالى:(.. فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البـقـرة ـ 109)، وقال أيـضاً عـن أبي بـكـر الـصـديـق، لـما نـزلـت بـراءة الـسـيـدة أم الـمـؤمـنين عـائـشة الـصـديقة ابنة الـصـديـق، وكـان مـمـن خـاض في حـديث الإفـك قـريب لأبي بـكـر وكان مـن الـمهـاجـرين الـفـقـراء، وكان أبـوبـكـر يحـسن إلـيه لـقـرابـته مـنه، فـلما عـلـم أبـوبـكـر بمــا نـزل في شـأنه اسـتـدعـاه الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلـم)، فـقـرأ عـلـيه الآيـة:(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) (الـنـور ـ 22).
فـمـا إن سـمـعـها أبـو بـكـر الـصـديـق مـن لـسان رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، حتى بـكـى، وهـو يـردد بـلى بـلى، فـرد مـا كان يـعـطـيه قـريبـه وعـفا عـنه، وهـكـذا كان شـأن الـمـؤمـن في جـمـيع أحـواله ومـواقـفـه، ولـكـن لـماذا يـعـفـو أناس وينـتـقـم آخـرون؟، إذا اتصـل الإنـسان بالله الـعـفـو الكـريـم يـشـتـق مـنه بـعـضاً، مـن هـذا الخـلـق العـظـيـم الـذي جـبـل الله رسـوله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) عـلـيه، وأوصـى بـه أمـته أن يتخـلـقـوا بـذلك الخـلـق العـظـيم، قال الله تبـارك وتعالى:(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا) (الأحـزاب ـ 21).
وإذا اسـتـقـرت الـرحمة في قـلـب الإنـسان، فإنها تفـيض حتى تعـم خـصـومه بالعـفـو والـغـفـران، فـيصـبـح الـعـفـو أحـب إلـيه مـن الانـتـقـام ويسـتمـر عـلى ذلك طـول حـياته.
وإذا عـلـم الإنسان أن خـصمه (بـشـكلٍ أو بآخـر) أخ له في الإنسانية، فـإذا انتقـم مـنه خـسـره وإذا عـفـا عـنه ربحه، ولأن يـربح الإنسان أخـاه، خـير مـن أن ينـتقـم منـه ويخـسره، وإذا ربحـه كان له خـيرا له مـن الـدنيا وما فـيها، وعـنـدئـذ يـرى في العـفـو غـنـمـاً، وفي الانـتقـام غـرمـاً.
وإذا أيـقـن الإنسان أن العـفـو يتخـذه المـؤمـن سـلـما يـرقى عـليه إلى عـز الـدنيا والآخـرة، وأن الانتقام دركات يهـوى بها إلى ذل ومـقـت يـلاحـقانه حتى الـممات، آثـر العـفـو عـن الانتقـام.
وإذا عـلم أبناء الـمجـتـمـع الـواحـد أنه بالعـفـو تـتسـع دائـرة الصـداقات والـمـودات، فـيصبح الـمجـتمـع كالـبنـيان المـرصـوص، يـشـد بـعـضه بعـضاً، وبالانـتقـام تفـشـو العـداوات، والأحـقـاد حتى تصل بالمجـتـمـع إلى أحـط الـدركات، صار الـعـفـو ديـدنهـم، وتعـالـوا بـنا إلى الـرسـول الـمـصـطـفى وحـبيبه الـمجـتبى )صلى الله عليه وسلم(، أسـوتـنا الحسـنة وقــد وتـنا الصالحة، ومـثـلـنا الأعـلى الـذي بـعـثـه الله مـعـلـما للـبشـرية ورحـمة للإنسـانية.
تـعـالـوا بـنـا لـنـرى نبينـا الأكـرم، ومعـلـمـنا الأعـظـم، وهـو يـدخـل مـكـة الـمـكـرمة فـاتحـاً، ويـدخـل مـكـة وهـي التي ائتـمـرت عـلى قـتـله، مـكـة التي أخـرجـته ثاني اثنين إذ هـما في الـغـار، مـكـة التي عـذبت أصحـابه، ونـكلـت بهـم، مكـة التي قاطـعـته سـنـوات عـديـدة فـصـبر لـتـلك الـقـطيـعـة، مكـة التي كـذبـته وقاتـله في بــدر وأحـد والخـنـدق وغـيرها مـن الـمـواقـف.
مـكـة التي ألـبـت عـليه العـرب قاطـبة في غـزوة الأحـزاب، مـكـة التي درتـه ومـنـعـته مـن دخـولـها في الـعـام الـسادس، وعـقـدت مـعـه صـلحـاً مـا يسـمى بـصلـح الحـديبية، مـكـة الـتي نـقـضـت الـصـلح في الـعـام الـسابـع، لـمـا أعـانـت قـبـيـلة بـكـر عـلى قـبيـلة خـزاعـة، فـلـما نـصره الله وفـتـح له مـكـة ماذا فـعـل، وبـماذا عـامـل أهـلها؟.
لـقـد ألـقى أهـلها كل سـلاح، ومـدوا إلـيه أعـنـاقـهـم لـيحـكـم فـيهـا بما يـرى، إنـهـم في قـبضـته، أمـره فـيهـم نـافـذ رقـابـهـم بـيـده، حـياتهـم جـمـيـعـاً مـعـلـقـة بـين شـفـتيه، وهـذه عـشـرة آلاف سـيـف تـتـوهـج يـوم الـفـتـح فـوق ربى مـكـة تأتـمـر بأمـره، وتنتـظـر إشـارة مـنه لـتـنـفـيـذ أوامـره، إنها تسـتـطـيع أن تـبـيــد مـكـة وأهـلها في لـمح الـبصـر.
لـقـد دخـلها يـوم الـفـتـح الأعـظـم، دخـول الحـكـماء الـمـتـأدبـين الـشاكـرين، مـعـترفاً بـعـظـم الـفـضل الـذي أكـرمه الله بـه، نـصـر عـبـده وأعـز جـنـده وهـزم الأحــزاب وحـده، فـلـم يـدخــلـها دخـول الـمـتـكـبرين الـمـتجـبرين الـمـنـتـقـمـين، ثـمـلاً بـنشـوة الـنـصـر والتصـرف اللاعـقـلاني، ولـكـنه أدرك وعـلـم وآمـن بـقـوله تعالى:(.. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عـمـران ـ 126).

.. وللحـديث بـقـيـة.

إلى الأعلى