الخميس 27 يونيو 2019 م - ٢٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سمات التقرير الجيد من خلال حديث الهدهد فـي القرآن الكريم «2 ـ 2»

سمات التقرير الجيد من خلال حديث الهدهد فـي القرآن الكريم «2 ـ 2»

د/ جمال عبد العزيز أحمد:

.. أما الخبر فيحتمل أن يكون للإخبار بما يعلم المخبَر، وبما لا يعلم، وأنه يحتمل الصحة، وغير الصحة، وأنه يكون عما مضى، (وذلك الفارق في الغالب)، ففي التقرير فصاحة وبلاغة ودقة في استعمال المصطلح، ثم وصفه بكلمة:(يقين) وهي من الألفاظ التي تفيد الثبات، وترسخ المدلول في النفس، وتعمق المعنى في الذات، فازداد بذلك يقين سليمان ـ عليه السلام ـ واشتاق أكثر لسماع ما في جوف الهدهد المنظَّم الذي ارتاح إلى قوله ومقدمته الداعية إلى التسليم لما سيقول، ويقدم من تقرير، ثم شرع في الموضوع نفسه، وصلب التقرير بعد المقدمة الجاذبة المشوقة اللافتة للانتباه (وهو من سمات ومتطلبات البرمجة اللغوية العصبية ولغة الجسد) يقول:(إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)، بأسلوب التوكيد الذي يفيد ثبات القلب، ويقين العرض، ورسوخ الفؤاد، وقوة الحجة، ثم يتحمل مسؤوليته الشخصية، فيتكلم بياء المتكلم: (إني)، ثم يستعمل فعل اليقين: (وجدت) ولم يقل: ظننت أو حُكِيَ لي، أو تخيلت، بل كتب التقرير بالفعل اليقيني، وكما يقول العرب :(ليس مع العين أين)، ثم إنه يذكره لفظ امرأة منكراً:(وجدت امرأة)، فيتضمن التنكير هنا الولاء لله، والبراء مما يعبد من غير الله، فكأنه أنكر في ذاته ولفظه سلوكَها الشائن، ولم يعرِّفها؛ لأنها بكفرها وعبادتها للشمس من دون الله لا تستحق التعريف الذي فيه احترام، وتوقير، وكأنَّ أعضاء وجهه تمتعض، وتستنكر وترفض، وهو منتهى البراء من أعداء الله، ومنتهى الولاء لله عز وجل، ووصفها بكونها:(تملكهم)، والفعل المضارع بمعنى أنك إذا رأيتها في أيِّ وضع رأيتَها تتصرف في ملك لها، فهي تصرِّفهم كيف شاءت، وتأمرهم حيث أرادت، وتنهاهم حيث رغبت، فلا يتخلف أحد عن رأيها، وأمرها، ونهيها، وهو مشاهد طيلة الوقت، فلم يزد الهدهد قيد أنملة عما رأى من فعلها وأمرها، وخضوعهم لها، ولكل أوامرها ونواهيها، ثم قال عن ملكها وما يدخل تحت مُكنتها ومدى ما وصلت إليه حضارتها وتقنياتها:(وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) فهي جملة مركزة ممتلئة، لو شُرِحت فستتطلب مجلداتٍ ترصد تحت ما في يدها وملكها، وبَنَى الفعل لما لم يُسَمَّ فاعله إيمانًا منه بأن المعطيَ، والمؤتِيَ، والواهبَ، والمتفضلَ هو الله، وليس بلقيس، ولا عقلها، وفكرها، ثم المجيء بكلمة: (كل) المستوعبة، والمضاف إليه (شيء) يبين مدى ما هي عليه من الغنى واليسار، والتحضر، وسعة الإمكانات، فقد رصد الهدهد بكل أمانة ملك هذه الملكة، وحاشيتها، وما عندها، وما في قدرتها، وجعل ذلك كله في تقريره حتى يتصرف سليمان ـ عليه السلام ـ وفق ما وضع أمامه، ثم قال:(وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) أيْ:(أن بيتها ومكان إدارتها ليس شيئاً عادياً، إنما هو من العظمة بحيث لا يطرف أمامه جفن، ولا تتحرك إزاءه وقبالته عين، وهو كناية عن كمال بنائه، وبهاء منظره، وأخذه بالألباب، وقدَّم شبه الجملة ولها) هنا لما لها من كمال تصرفها فيه، ورؤيتها في كل أوضاعها بحيث يراها الرائي أنها صاحبته ومالكته، واللام تفيد الملكية التامة، والضمير (ها) يفيد أن عظمته ثابتة وباقية، وأنها مستمرة آخذة بقلب وعين وفكر وتطلُّع الإنسان، فكلمة (عظيم) بوزنها الصرفي، وتنكيرها النحوي، لا يتسع لشرحها كتابٌ كامل بأبوابه وفصوله، في التقرير ملكها، وتغلُّبها، وأوامرها، ونواهيها، ومكان إدارتها، وعظمة ما تدير فيه شؤون مملكتها، وأنها ذات حضارة فائقة، وغنى لا حد له، ويسار لا وصف له، ثم عاد فقال السبب الذي جعله يتغيب هذه الفترة غير المعتاد تغيبُّه فيها، وذكر السبب الذي لأجله هو حزين أكله الحزن، وفتَّت فؤاده الأسى:(وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) بالفعل اليقيني الذي وعتْه ذاته، ورأته عينُه، ولمستْه يداه، وعاناه قلبُه، وحزن معه فكرُه:(وجدتها وقومها) الواو عاطفة عطف مفردات، أو واو المفعول معه، (أي: وجدتها مع قومها)، فهم على أفجر قلب رجل واحد، والفعل المضارع:(يسجدون) يفيد استمرار طاعتهم، وعبادتهم للشمس المخلوقة لله، فهو يأسف لاهتراء عقولهم، وخسة صنعهم، ودناءة مسلكهم، غير أنه لم يتفوه بكلمة فيها إهانة أو بذاءة، ولكن عرض ما رآه بكل أمانة، وتجرد، وموضوعية، ثم ذكر سبب بعدهم عن الله، وهو:(وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) إن السبب يكمن في تزيين الشيطان للإنسان، وصرفه عن رب الأكوان، وخالق الإنسان، فهم منساقون خلف الشيطان، وهو لن يتركهم، فقد زين لهم سلامة عملهم، وحسن عبادتهم حتى يأخذهم معه في جهنم:(لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، ولما زين لهم الشيطان أعمالهم فقد كان نتيجة ذلك أن صدهم عن السبيل الصحيح والطريق المعتدلة، ونبل الهدف ولذلك فهم ضالون، لا يهتدون، فذكر السبب، وهو التزيين، والصد الذي نتيجته الضلال، وعدم الهداية، إنه تقرير دقيق، مفصل، بيَّن فيه الهدهد الأسباب والنتائج، وما يتبعها من أمور في أنساق لغوية مركزة وموجزة، وفصيحة، ودقيقة، ثم ذكر هدف الحياة، ورسالة الإنسان في الوجود، ووظيفته، وغايته من خلقه، والتي نسيها هؤلاء القوم الذين هم غارقون في مظاهر الحياة الدنيا، ومتمكنون من الحضارة الدنيوية:(ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)، فالذي أحزنه وأخَّره وآلمه وأتعبه أنهم لا يعرفون صحة الطريق، وسلامة السبيل، وهو السجود لله عز وجل خالقهم، ومربيهم، ورازقهم، ثم ذكر شيئًا عجيبًا من خلاله وحده، حيث ذكر أنه له به استحقاق الله للعبادة، والسجود، وهو أنه يخرج الخبء أي: المخبوء في كل كونه ذلك لأن الهدهد يبحث بمنقاره في الأرض، فيخرج ما أخفاه الله له وكتبه وقدَّره له، وهو كما فسره أحد المفسرين الكبار في العصر الحديث (وهو فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي) أن الله جعل ما تحت الأرض كالمرآة الصافية يعكس للهدهد كلَّ ما فيها، فتراه يجري، ويجري بسرعة، ثم ينقر في مكان منها، مستخرجًا طعامه، وكأن باطن الأرض صار مكشوفاً له كالمرآة، والمخبأ صار معلوماً واضحاً، فقد جعل الله له كلَّ مخبوء واضحاً، وكل مستور مكشوفاً، وهذا وحده ـ في رأيه ـ يستحق السجود لله، وعبادته، فما باله لو عرف أن الله خلق كل النعم للإنسان، وسخر له كل شيء، من شمس، وقمر، ونجوم، وليل، ونهار، وبحار، وأنهار، وحيوانات، وأبقار، ومياه، وأمطار، وسوَّى له الأرض، ومهَّدها، وجعل له في نفسه إعجازًا وعبرة:(وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، وسخر كل شيء للإنسان، فماذا كان سيقول الهدهد إذا عرف شيئا واحدا فقط، يتوجب عبادة الله، وجعل يقول:(الذي يخرج الخبء في السموات والأرض)، ثم ذكر ألفباء العقيدة السليمة بقوله:(ويعلم ما تخفون وما تعلنون)، ولا يملك الشيء وضده على سبيل الحقيقة الكاملة إلا الله، وهي مقابلة دلالية تدل على الإحاطة التامة، والعلم الكامل، وكناية عن طلاقة القدرة في الكون، وأن كل شيء ظاهره وخفيه، مستوره ومكشوفه، قليله وكثيره، معلومه، ومجهوله، كله معلوم تمام العلم لله ـ جلَّ في علاه ـ ثم ختم بأجمل أبجديات التصور العقدي الذي خُلِقت لأجله الحياة، ووُجِدَ الأحياء: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) يا له من ختام كريم، ونهاية سامية: أن يغلق تقريره بالتوحيد الخالص والإيمان والتسليم الكامل لله عز وجل فهو نفي واستثناء، يملأ القلب نقاء وصفاء، وحمالا وبهاء، فهو رب العرش العظيم بتعريف الكلمة بالألف واللام، التي نكَّرها لبلقيس من قبلُ: (ولها عرش عظيم)، فكل ما لله يختلف، ويتباين تمامًا مع ما أعطاه الله للبشر، وحباه للخلق، ووهبه للإنسان، وأعطاه لخلقه، وتفضل به على كل عباده وعبيده.

إنه هدهدٌ، منظَّمٌ، مهندمٌ، مرتَّبٌ، واعٍ، حصيفٌ، فصيحٌ، ذكيٌّ، ألمعيٌّ، داعيةٌ، وقَّاد القريحة، قويُّ الحجة، لسنٌ، ثابتُ الجنان، كامل الإيمان، عرَّفَنا، وأوقفنا على كيفية كتابة التقارير الممتازة بكل سماتها، وخصائصها، وضوابطها، وأشربنا وأعلمنا في تركيز وجيز كلَّ أبجديات العقيدة الصحيحة، والتصور العَقَدي السليم بما فيها من توحيد، وإيمان كامل، وإذعان تام، وخشوع، وخضوع، وولاء، وبراء، وما يحيط التقرير من مقدِّمة مشوِّقة، وبدء جذاب، ثم عرض صلب الموضوع الذي تضمن كلَّ ما يتطلب من ضوابطَ، وشروط، ثم الختام الدقيق الذي سيق لأجله الحديث بكامله، وهو الذي يراد أن يعلق بالقلب، ويركز في الفؤاد، ويُرْجَى لكل العباد إلى يوم التنادِ، فاللهم اجعلنا على شاكلته، مهمومين بالدعوة، ماضين في نشر دينك، وتعليمه، وتعلمه، والذود عنه، والموت في سبيله، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى، ونعم النصير، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

إلى الأعلى