الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “عاموس” المونديال .. وشرك التطبيع

“عاموس” المونديال .. وشرك التطبيع

محمد عبد الصادق

بذلت إسرائيل جهودًا جبارة منذ توقيع معاهدة السلام مع مصر والأردن لتنفيذ بقية بنود الاتفاقية وأهمها بالنسبة للدولة العبرية هو (التطبيع)
وأنشأت إسرائيل إدارة خاصة لرعاية هذا الملف تابعة لوزارة الخارجية وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك), وسعت إدارة التطبيع الإسرائيلية طوال أكثر من 35 عامًا لاختراق الرأي العام العربي بمحاولة إقامة علاقات تعاون ثقافية, ورياضية, وفنية, ولكنها قوبلت بموقف عربي ـ شعبي ورسمي ـ صلد يرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني, طالما استمر في ممارساته العدوانية التوسعية ضد الشعب الفلسطيني, وطالما ظلت القدس والأراضي الفلسطينية قابعة تحت الاحتلال, وظل آلاف الأسرى الفلسطينيين يعانون الظلم في سجون الصهاينة.
كما تم إنشاء مكتب مقاطعة تابع لجامعة الدول العربية لمواجهة التطبيع, ومهمته ليس فقط منع العلاقات مع الكيان الصهيوني, وإنما رصد الشركات والمنظمات والهيئات الدولية, وحتى الأفراد الذين يثبت تعاملهم مع إسرائيل, وعمل قائمة سوداء يعلن عنها سنويًّا لوقف التعامل مع هذه الجهات.
كما كان للنقابات المهنية, والعمالية, والاتحادات الثقافية والفنية العربية دور بارز في تفعيل المقاطعة, باستثناء حالات قليلة لبعض الكتاب والصحفيين الذين زاروا إسرائيل, وتم فصلهم من الاتحادات والنقابات العربية جزاء إقدامهم على هذه الزيارات الشاذة.
حتى جاء مونديال البرازيل وحصلت إحدى القنوات العربية الرياضية المشفرة على حقوق بثه في المنطقة العربية مقابل أكثر من مليار دولار وطرحت (الديكودر والكارت) اللازمين لفك التشفير مقابل 300 دولار وهو مبلغ كبير؛ خصوصًا على مواطني الدول العربية المحيطة بإسرائيل التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات نتيجة اضطرابات ما يسمى الربيع العربي, وفشل حكومات هذه الدول في شراء ولو جزءًا بسيطًا من مباريات المونديال يعرض على القنوات الأرضية, بسبب مغالاة الفيفا, وضغوط القناة الرياضية المشفرة.
وراح مشجعو المونديال في هذه الدول (مصر ولبنان وسوريا والأردن وفلسطين) يبحثون عن وسيلة رخيصة يتمكنون من خلالها متابعة مباريات المونديال, حتى هداهم تفكيرهم للقمر الإسرائيلي عاموس, الذي لا أعرف كيف حصل على حقوق البث المفتوح لجميع مباريات المونديال, لدولة عدد سكانها لا يزيد عن 8 ملايين نسمة, لا يتابع المونديال منهم سوى 3 ملايين مشاهد فقط, بينما تعجز الفضائيات العربية المفتوحة عن تقديم نفس الخدمة للمشاهد العربي الفقير, إلاّ إذا كان الاتفاق بين الفيفا والقناة العربية المشفرة يحول دون ذلك.
والنتيجة وصول البث الإسرائيلي ليخترق الأسر العربية, وتتردد اللغة العبرية التي كانت من المحرمات على مسامع الشباب والنشء العربي, ويتعمد (عاموس) بث النشرة الإخبارية بين شوطي المباريات, بدلًا من الإعلانات أو الاستوديو التحليلي, لتبث صور الاعتداء الإسرائيلي على الفلسطينيين في الضفة الغربية, وقطاع غزة والذي تزامن مع مباريات المونديال ولكن من وجهة النظر الإسرائيلية, فضلًا عن الأفلام التسجيلية عن القدس, وحائط المبكى, والتي تروج لحضارة وتقدم ومدنية إسرائيل, وتبرز الأماكن السياحية, والشواطئ المبهرة التي تغص بالمصطافين شبه العراه من الجنسين؛ لتغزو عقول المشاهد العربي الذي وجد نفسه مضطرًّا لتجرع هذا السم الزعاف الذي ظل سنوات طويلة ينأى بنفسه عن الولوغ فيه, ولكن تكالبت الظروف عليه لتضعف مقاومته ويقع في هذا الشرك الصهيوني الخطير, بسبب حالة التردي والتشرذم التي يعيشها العرب والتي عمتهم المصالح الضيقة عن أبسط حقوق المواطن الفقير.
ولم يكن غريبًا أن يخرج علينا المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ليعلن ترحيبه بمتابعة 20 مليون عربي لمباريات كأس العالم على القمر الإسرائيلي عاموس, ويتمنى أن تكون هذه فرصة للتقارب وإزالة الحواجز بين الشعوب العربية, وإسرائيل.
لقد حققت إسرائيل من وراء إذاعة عاموس للمونديال ما فشلت في تحقيقه طوال 35 عامًا من محاولات التطبيع الفاشلة, والله وحده أعلم بتداعيات جلوس هذه الملايين من الشباب والنشء العربي لمدة شهر أمام شاشة إسرائيلية لمشاهدة المونديال ـ على الأمن القومي العربي الذي طالما حاولت إسرائيل ومن والاها اختراقه, وبث سمومها التوسعية وخرافاتها الدينية عن إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات, وإغراء الجيل الجديد لزيارة إسرائيل, باعتبارها واحة الحرية والديمقراطية, والتقدم العلمي والاقتصادي, مستغلة الوضع الصعب للشباب العربي في هذه الدول من حرمان وفقر وبطالة.
وأتساءل أين دور جامعة الدول العربية؟! وأين اتحاد الإذاعات العربية الذي يضم في عضويته 22 دولة عربية, وكان يتولى في السابق مسؤولية الشراء الجماعي لمباريات المونديال ويوزع تكاليفها على الدول العربية, ومن ثم يقوم بإعطاء حقوق بثها لمحطات التليفزيون الوطنية العربية واستمرت هذه الخدمة منتظمة حتى منتصف التسعينات؛ قبل ظهور القنوات الرياضية المشفرة التي أشعلت الأسعار, وفتحت عيون (الفيفا) المتعطشة للمكاسب على منجم الذهب (حق المشاهدة والبث لمن يدفع فقط), دون الالتفات لحقوق الفقراء في المشاهدة المجانية لرياضة ارتبطوا بها وبتشجيعها من خلال شاشات التليفزيون لعقود طويلة.

إلى الأعلى