الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بوكو حرام .. خطف حلال (2ــ2)

بوكو حرام .. خطف حلال (2ــ2)

كاظم الموسوي

فتحت باريس أذرعها لمؤتمر إفريقي يسهل للمخططات المرسومة والمطلوبة بدعوة من الرئيس فرنسوا هولاند، وبتكليف له أيضا، لوضع “خطة” تحرك إقليمية للتصدي للجماعة التي تمثل “تهديدا كبيرا” في إفريقيا. وهكذا أعلن قادة خمس دول إفريقية (17/05/2014) الحرب على جماعة بوكو حرام في نيجيريا. بدأها الرئيس النيجيري جودلاك جوناثان بإعلان “التزامه الكامل” بالسعي إلى العثور على الطالبات، وإطلاق سراحهن من محتجزات بوكو حرام. وسبق وأن تعرض لانتقادات لتباطئه في الرد على تجاوزات الجماعة. وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع هولاند: “نحن ملتزمون بالعثور على الفتيات أينما كن”. وقال رئيس الكاميرون بول بيا: “نحن هنا لنعلن الحرب على بوكو حرام”. وأكد الرئيس التشادي إدريس ديبي “العزم على مواجهة الإرهابيين الذين يفسدون المنطقة”، معتبرا أنه من غير المسموح “ترك إفريقيا ضحية للفوضى”. وقال الرئيس البنيني توماس بوني يايي: “نحن مصممون على تنسيق جهودنا وإمكاناتنا على المستوى الإقليمي والدولي”، معتبرا أن “عدم التسامح الديني لم يعد له مكان” في إفريقيا. ولفت رئيس النيجر محمد إيسوفو إلى أن قمة باريس كانت أيضا فرصة لبحث “التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة”. وأوضح الرئيس الفرنسي هولاند أن هذه الخطة تلحظ “تنسيق المعلومات الاستخباراتية وتبادل المعلومات وقيادة مركزية للإمكانات ومراقبة الحدود وتأمين وجود عسكري حول بحيرة تشاد وقدرة على التدخل في حال الخطر”. وأضاف: “لا تحتاج فرنسا إلى نشر وحدات عسكرية، إنها موجودة سلفا في المنطقة”(!). وبعد هذه الالتزامات الواضحة والتوظيف المباشر لـ”خطة” المواجهة والتصدي، ولكن الأهم من كل ذلك هو حجم المشاركة والدعوة والخطط .. وهو ما يوضح ما وراء الأكمة، إضافة إلى ما كشفته كلمات المتكلمين. فقد شارك في قمة باريس ممثلون للولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، وهذا هو المؤشر لحملة بوكو حرام والحروب الجديدة في إفريقيا، بدءًا من نيجيريا الآن بعد غيرها ممن ابتلت بالتدخلات المباشرة أو غير المباشرة في شؤونها وهمومها وثرواتها وتنميتها وتطوراتها.
وتطالب بوكو حرام الإفراج عن مسلحيها وعائلاتهم مقابل إطلاق سراح البنات. ولكن الحكومة ترفض مطلب المتشددين. وأشار مراسلون إعلاميون إلى أن حوادث الاختطاف الأخيرة ليست مفاجئة، وأن “العديد من قرى شمال شرق نيجيريا غير آمنة، وعندما يهاجم مسلحو بوكو حرام تلك القرى فإنهم يقضون الساعات في النهب والقتل”.
وقع الاختطاف الأخير في منطقة دامبوا بولاية بورنو. ونقلت وكالات الأخبار عن مسؤول محلي في دامبوا قوله إن أكثر من 60 شخصا “اختطفوا” في هجوم المسلحين. وتعرضت قرية كومابزا إلى التدمير، حسب المسؤول المحلي. وأضاف أن عددا من الناجين بينهم نساء وأطفال هربوا على الأقدام إلى بلدة لاسا على بعد 25 كلم، بينما لجأ آخرون إلى بلدة جولاك بولاية أداماوا. (وكالات 24 حزيران/ يونيو 2014).
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن ما أقدمت عليه جماعة بوكو حرام من جريمة خطف الطالبات هو جريمة بشعة، لا إنسانية، تضاف إلى أعمالها الأخرى وما تقترفه معها، ومثلها كل ما ترتكبه الجماعات المشابهة لها في كل مكان تتواجد فيه وتبتلي به الشعوب. وفي المحصلة تخدم هذه الأفعال الإجرامية والانتهاكات الصارخة المصالح والخطاب الغربي في تشويه الإسلام والمسلمين وخلق رأي عام عالمي معاد لهما، وتوفر مواد دعائية لليمين المتطرف في الغرب. وفي جرائمها هذه تلتقي مع الغرب أيضًا بنشر الفوضى والعنف وعدم الاستقرار في البلاد الإسلامية عموما والعربية خصوصا.
لهذا وتعبيرا عنه سلطت وسائل الإعلام أضواء على تلك الجريمة (وكالات 13/04/2014) ومن بينها صحيفة الإندبندنت البريطانية معلقة على صورة الفتيات النيجيريات المختطفات، التي تُظهر الفتيات خاضعات للجماعة المسلحة، يرتدين الأسود والرمادي، وتقدم صورة لوضع المرأة ومدى الإساءة والقمع الذي تتعرض له.
أشارت الصحيفة إلى عمليات الاغتصاب والعنف ضد الفتيات والنساء في الحروب، مثل ما حدث من عمليات اغتصاب جماعي لنساء مسلمات في البوسنة والانتهاكات المستمرة ضد المرأة في جمهورية الكونجو الديمقراطية والسودان وغيرها، وجميع الضحايا بلا حول ولا قوة والعالم يشمئز فقط تجاه هذه الأفعال، فاختطاف الفتيات النيجيريات لم يكن متوقعًا وهو انتهاك رهيب لحقوق المرأة.
وصفت الصحيفة بوكو حرام بحركة الشر البغيضة المتطرفة الواثقة أن الحكومة النيجيرية لن تتحرك لإنقاذ الفتيات، فهي لم تكن ستلتفت لخطف الفتيات وستتعامل مع الأمر مثل عمليات البحث عن بضائع مسروقة وقد تفلح في بحثها أو تفشل، وبوكو حرام تدرك ذلك جيدا، ما جعل زعيم الجماعة أبو بكر شيكو الذي يلقب بالمجنون يقول بمكر: الفتيات اللاتي تهتمون بأمرهن حرات. وتأملت الصحيفة بانتهاء الأزمة وتحرير الفتيات وانتهاء القمع اليومي للنساء في جميع بقاع الأرض.
وقائع الحال تقول بأن ما يجري في نيجيريا وإفريقيا عموما هو صراع من أجل النفوذ والثروات، كما أعربت الحكومة الألمانية عن تشككها حيال تقديم دعم عسكري لنيجيريا رغم تنامي الأعمال الإرهابية من قبل بوكو حرام بدون تفهم حقيقي للواقع وللأهداف منه (وكالات 07/06/2014). وقال كريستوف شتراسر، مفوض الحكومة الألمانية لحقوق الإنسان: “أعتقد أن تقديم مساعدة عسكرية ستكون له نتائج عكسية تماما، فهذا سيقود إلى مذبحة مرعبة ولن يساعد أحدا”. وأعرب عن اعتقاده بأن الهجمات التي تحدث في نيجيريا لا تتعلق بحرب دينية، بل بصراع على السلطة ومصادر الثروة وأكد “إنه صراع على النفوذ والمال”. وهذه الحقيقة الغائبة أو المعروفة في قضية الحروب على بوكو حرام وتصرفاتها المتخادمة معها ومع حروب الغرب على مصادر الثروة والهيمنة على قارة إفريقيا وامتدادها في العالم أيضا.

إلى الأعلى