الخميس 19 يوليو 2018 م - ٦ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الناقد والاديب جمال بوطيب : السرد هو الوجود … بل هو صلب حياتنا

الناقد والاديب جمال بوطيب : السرد هو الوجود … بل هو صلب حياتنا

يؤكد ان النصوص الجيدة هي التي يصح تأويلها لا تصديقها

أجرى اللقاء ـ وحيد تاجا :
اعتبر الناقد والاديب المغربي الدكتور جمال بوطيب ان السرد هو الوجود، يحيط بنا من كل جانب وبه نحيا، فهو يوجد في القصة والرواية وفي الشعر والمقامة وفي الخطبة والرسالة بل هو صلب حياتنا. وأضاف في حوار مع ” أشرعة” أن: العرب كتبوا سردا موزونا مثل المقامة والشعر، وسردا غير موزون حملته بقية الأجناس، لذلك فأصل الأشياء الفعلية والسلوكية والحياتية والابداعية هو السرد. والدكتور جمال بوطيب ناقد وباحث وروائي وشاعر، أستاذ جامعي بكلية الآداب بفاس، تخصص أدب حديث (الرواية والنقد)، والمدير المسؤول ورئيس تحرير مجلة مقاربات الأكاديمية المتخصصة في العلوم الإنسانية. – المدير المسؤول ورئيس تحرير مجلة “الاستهلال” (متخصصة في السرد وقضاياه). تربو أعماله الإبداعية والنقدية على العشرين عملا. حاصل على العديد من الجوائز المحلية والعربية.

* نحن أمام مبدع متعدد: أستاذ أكاديمي، تكتب الشعر والرواية والقصة القصيرة والدراسات النقدية، كما ساهمت في تأسيس مؤسسات ثقافية كبيرة. كيف تتواجد في كل هذه الحقول؟
** التواجد هو الجواب، فصيغته التشاركية مبنية على التفاعل وانا أحضر في كل هذه المناطق بفضل الكتاب والباحثين والاعلاميين وغيرهم عن طريق الأخذ والعطاء والمشاركة والبناء والفعل ورد الفعل، وإذا ما فكرنا في العبور من التواجد الى الوجود النصي فالأمر مرتبط بالتصور العام للإبداع قبلا، وللثقافة بعدا، فالإيمان بالحدود المرسومة/ المهدومة يجعل المكتوب نصا واحدا والمتعدد مفردا، وإنما هي اللحظة التعبيرية التي تدعو هذا القالب او ذاك.
* طرحت في إحدى حواراتك سؤالا إشكاليا، في جوهره، حول شجرة النسب، في الأدب والفن عموما، لتخلص إلى أن السرد هو أب الفنون. فهل يمكن أن تعرف لنا معنى السرد بالنسبة إليك؟
** السرد هو الوجود كما قلت في كتابي “الجسد السردي: احادية الدال وتعدد المرجع”، السرد يحيط بنا من كل جانب وبه نحيا، فهو يوجد في القصة والرواية وفي الشعر والمقامة وفي الخطبة والرسالة بل هو صلب حياتنا .. كل واحد منا يعد متتالية سردية لأفعال سردية مختلفة، كل فرد هو قصة لقاء رجل وامرأة، وكل جسد بمرضه وبصحته وبندوبه وبصلعه هو قصص تحكى فرحا وحزنا، بصيغ شتى.ولابد من مراجعة ثنائية الشعر والنثر بكلية هي السرد وقد كتبت دراسة مطولة في الموضوع عنونتها بالسرد ديوان العرب نحنو تأصيل للنسب.
إن الإنسان ـ محور السرد ـ كما أشرت في أحد أبحاثي باعتباره ساردا أو مسرودا له هو نفسه سرد، ففي خلق الإنسان، من جنينيته مرورا بمولده، وفطامه ويفاعته وشبابه وشيخوخته، وصولا إلى موته..الخ تفاصيل سردية ومتواليات تحكى؛ بل حتى في حالة ثباته ـ باعتباره جسدا ـ هو يحكي، دون أن ينطق، قصة الخلق ويسرد عظمة الخالق، مادام كل شيء دال تلك الدلالة التي اعتبرتها الثقافة العربية مشتركا بين الموات الجامد والحيوان الناطق ، إن نطفة الرجل نقطة سردية، ومداد على صفحة جسد الأنثى. إنها استهلال سردي لمحكي قد يطول أو يقصر حسب عدد محمولاته. يبدأ المحكي السردي بتواري محكي سردي آخر، هو العادة الشهرية التي تتوقف باعتبارها متوالية سردية فيزيولوجية خاصة بالأنثى، لتبدأ متوالية الحمل وهي متوالية ذات أبعاد ثلاثة. إن الموت نفسه سرد على مستويين “الأول” : الجثة التي صامتة تحكي حياة جسدها مادام الجعل قد حول” دلالة الأجسام نطقا والبرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا” و”الثاني” الجسد الذي مخرسا يروي قصة حياته، باختصار: الإنسان حكاية.
* تناول العديد من النقاد استخدام اللغة الشعرية في السرد، ولكن يبدو أنك ترى الأمر من منظار أخر، حيث تشير إلى أن “الشعرية تتحقق من خلال الموضوع، ومن خلال المقاربة الجمالية، ويذهب الناقد (د. سلام أحمد إدريسو) في دراسته حول كتابك (السردي والشعري)، بأنك تنطلق في تنظيراتك من مفهوم هجانة الكتابة وليس من مقولة الأجناس التقليدية، ما رأيك؟
** كتاب “السردي والشعري” هو كتاب يهدف إلى مساءلة الحدود المهدومة بين نمطين كتابين اثنين هما الشعر والنثر، ولا يتعلق الأمر بمراجعة لمعطيات المفاضلات النصية كما تناولتها كتب التراث ، ولا بشرف هذا النوع أو ذاك سعيا إلى تسمية أو لقب تمييز لأحدهما ، وإنما يسعى الكتاب إلى مساءلة المتبقي من خصائص هذا النمط أو ذاك بعد هذا التداخل الحاصل بينهما على مستوى أجناس الكتابة.
ولتحقيق هذه الغاية، سطرت تحديدا مفهوميا لمجموعة من المفاهيم وحاولت في ضوئها ملاحقة التداخل بين مجموعة من التناصات الشكلية باعتبارها-بالنسبة الي -استدعاء لنصوص ثوان استدعاء شكل، لا استدعاء متن، ليتم الانتقال بعد ذلك إلى الاشتغال على نصوص مختلفة سردية وشعرية عربية ومغربية وهي نصوص لم يتم انتقاؤها سلفا أو بنية قاصدة، وإذا كانت هذه المساءلة لا تدعي الكمال كما نبهت في تصدير الكتاب، فإنها تحتفظ بحقها في شرف المحاولة مستنبتة لنفسها منهجا قائما على فرضية عامة مؤداها غياب الاستقلالية الجنسية في الكتابة وهجانة النوع الأدبي واستعصاءه الدائم والمستمر على التصنيفات المدرسية الصارمة ومروقه ونزه عن المناهج التحليلية التي قد تصر بمرجعياتها الفكرية والنظرية وبمفاهيمها الضابطة وتمثلاتها التطبيقية على خنق حرية النص المؤسسة على سؤاله الدائم والمستوجب للمساءلة النصية الدائمة ايضا.
* وأين موقع قصيدة النثر في هذا السياق السردي.. وهل صحيح أن المعركة حسمت جماليا لصالح قصيدة النثر في المغرب…؟
** المعركة حسمت جماليا لصالح السرد كيفما كان نمط المنجز السردي وكيفما كانت تسمياته بين مبدعيه وبين النقاد، فالمتحقق سرديا بصيغة الأقوى جماليا هو المنتصر ولنا أن نسميه رواية او قصة او قصيدة او نصا، لكن يصعب علينا حتما ان ننزع عنه صفة السردية كمعادل موضوع للشعرية بمفهمومها البلاغي ومفهومها السيميائي.
* إذا انتقلنا الى روايتك ” سوق النساء ” حيث لجأت فيها إلى طريقة جديدة في توزيع الفصول، تبدأ من الفصل العاشر ثم الثامن فالأول والخامس ثم السابع والثالث والثاني لينتهي في الفصل التاسع لتشكل غرائبية تضاف إلى غرائبية العمل ذاته؟
** القصد من هذا الترتيب هادف الى الاعلان على ان هذه الرواية مثلها مثل قصة المقبرة من مجموعة برتقالة للزواج برتقالة للطلاق يمكن ان تقرأ من أي موطن شئنا دون مراعاة للترتيب ودون ان يتغير المعني، وهي تدخل ضمن الروايات التي تخلق لنفسها اعرافا كتابية لعل اهمها الحجاج السردي، فكل سارد من سرادها يحاجج ويتعلل بالشخوص لكي يقول محكيا يوهمنا بانه الحقيقة، وبالتالي فإن هذا الاختيار هو اختيار جعل المرحوم الصديق الطاهر وطار يسألني عندما ارسلت له لرواية ليطلع عليها ويبدي رأيه فيها لأنها كانت تهتم في جانب كبير منها بمجتمع مغاربي تشكل الجزائر مركزا من مراكزه، قلت سألني هل اخطأت في الترتيب ، ولما أكدت له سلامة الترتيب عاد الى قراءاتها رحمه الله، وسجل ملاحظاته حولها كان ذلك في سنة 2005.
* ايضا في ذات الرواية ” دعوت ” القارئ الى عدم التعاطف مع بطلي الرواية ” عبد الرحيم دباشي ” أو ” لبانة الربيعي” قبل قراءة الفصلين الرابع والسادس. لنكتشف ان لا وجود أصلا لهذين الفصلين في الرواية…؟
** الفصلان فعلا محذوفان من الرواية، لكن الحذف ليس بمعناه الذي يعني الا وجود للرواية بدونهما، والتنبيه كان حيلة سردية مشككة في يقينية المعطى الحكائي فقط، وعموما فقد كتبت الجزء الثاني من الرواية وهو “خوارم العشق السبعة”، وذكرت في تنبيهه السردي انها هي الجزآن الفصلان الرابع والسادس من الرواية وبالتالي فإن الرواية اكتملت بجزئها الثاني الذي سيجعلنا الروائي عبر معادلة اخرى نشك فيه كمعطى نصي الى ان ظهر الجزء الثالث الذي هو رواية وصلني حقي.
* وكيف ترى تعامل الأديب المغربي ( روائي او شاعر) مع ثنائية التراث والمعاصرة، والى أي مدى نجح في المزواجة بينهما .. ؟
** الأديب المغربي له اختيارات وطبعا الأمر شبيه بتجربة الولادة والموت باعتبارهما تجربتين فرديتين، كل أديب له طريقة في التعامل مع التراث تبعا لفهمه لهذا التراث ولدرجة استيعابه، وعليه فتجارب التعامل مع التراث تتباين بين التوظيف الساذج مرورا بالتوظيف الواعي وصولا الى محاورة هذا التراث غير ان التجارب التي تستحق الاحتفاء هي التجارب التي أنتجت في الحاضر وخلقت تراثها الخاص وفي ضوئه كتبت وأنتجت وتميزت.
* هل نستطيع الحديث عن رواية مغربية جديدة لها سمات محددة .. ام نقول تجارب روائية مغربية لكل منها سمات يحددها الكاتب …؟
** من غير شك أن السمات قائمة وهي متجددة ومختلفة عن أزمنة روائية سابقة، وبالتالي فإن التراكم الذي حققته الرواية المغربية من شأنه ان يجعل الناقد او المتتبع قادرا على استجلاء ملامح الخصوصية التي يمكن وسم الرواية المغربية بها، غير ان ما يمكن التنبيه اليه هو ان تعدد الاسماء الروائية وتعدد التجارب الكتابية والتحاق جيل جديد من الروائيين بزمرة السرد وقبيلة الروائيين يفرض قراءة نسقية للرواية المغربية وتحديدا لسماتها انطلاقا من فرضيات قرائية محددة سلفا.
* في ذات السياق وانطلاقا من بحثك وكتابك عن الرواية الجزائرية .. هل يمكن إجراء مقارنة سريعة بين الرواية في المغرب والجزائر…؟
** المقارنة بين القطرين في الرواية فيها غير قليل من المغامرة ولكل بلد نصوصه العميقة وأسماؤه الوازنة غير ان الرواية في الشقيقة الجزائر استطاعت ان تحقق حضورا بين المتون النقدية العربية الأمر الذي لم تحظ به النصوص المغربية التي قد تكون مظلومة نقدية ويمكن ذكر اسماء مثل الطاهر وطار رشيد بوجدرة والجيلالي خلاص وواسيني العرج واخلام مستغانمي وغيرهم ونرى حجم حضورهم في المتون النقدية العربية. غير ان الرواية المغربية وهو ما يسري ايضا على الرواية التونسية اصبحت واقعا ملحا وعلى النقد العربي ان يعيد النظر في حضور هذه الرواية لايفوتني طبعا الاشارة الى تميز النقد الروائي المغربي على مستوى التجارب في العالم العربي وهي دعوة صريحه له للاهتمام برواية القطر قبل الالتفات الى روايات الاقطار.
* وكيف ننظر في هذا السياق إلى موقع الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية في المغرب العربي بشكل عام ( المغرب ـ تونس ـ الجزائر) …؟
** هي رواية متقاربة جماليا على مستوى النصوص، ومتفاوتة حسب وزن وقيمة كاتبها، ولعل ذكر الاسماء يغني عن المقارنة المغامرة فمولود معمري او مولود فرعون او كاتب ياسين الجزائريون وادريس الشرايبي والطاهر بن جلون المغاربة، كل اسم له حضوره وخصوصيته ومرجعياته المغربية والمغاربية والفرنسية التي من شأنها ان تؤسس له افقا كتابيا خاصا، تتسع هوة المقارنة عندما تتم الاشارة إلى الاسماء المقيمة في الوطن والتي اختارت اللغة الفرنسية لغة روائيى تعبيرية
وعموما تبقى هذه الرواية شئنا ام أبينا أدبا مغاربيا مكتوبا بلغة غير العربية وهو ما ينسحب وصفا على النصوص المكتوبة بالإسبانية والفرنسية والانجليزية والالمانية وحتى بلغات وطنية غير العربية كالأمازيغية والعامية.
* من الملفت جدا ان الكثيرُ من الروائيين المغاربة يركنون، إلى توظيف المكوّن الصوفي، في إبداعاتهم الروائية. مما حدا بالناقد محمد أدادا إلى اعتبار ان البعْدُ الصوفي “مظهراً من مظاهر حداثة الرواية المغربية الجديدة” ورأى أن (الصوفي) وسيلة فعّالة لتشكيل شعرية (Poéticité) الرواية…ماقولك ؟
** الشعرية او البويطيقا منذ ان تكلم عنها ارسطو وربما افلاطون قبله وبعدهما ابن سينا في كتاب المجموع وصولا الى بارث وجنيت مرورا ببول فاليري والشكلانيين الروس وغيرهم، الشعرية لها قوانينها الضابطة التي في مقدمتها ما الذي يجعل من نص ما نصا شعريا حتى ولو لم يكن شعرا، وبالتالي فالمكون الصوفي يمكن أن يكون مكونا من مكونات الشعرية لكن لابد اثناء الحديث عن الشعرية ان نحدد ما الذي نريد ان نبحث في شعريته هل شعرية النص ام شعرية الخطيب ام شعرية المدرسة ام شعرية الاتجاه…الخ وفي ضوء الاختيار نحدد سمات الشعرية كما نتصورها.
* ايضا من الملاحظ استخدامك اللهجة المحلية ” الدارجة” والأمثال الشعبية في نصك الروائي او القصصي، وهو امر يكاد ينسحب على معظم الروائيين المغاربة والجزائريين .. لماذا؟
** اللغة حمالة أوجه، واللغة حمالة معان، فلا يمكن أن تكون لغة غير اللغة قادرة على التعبير عما يختلج في الأعماق، لذلك فإن الروائي او القاص يستعين بما لا تحققه له لغة من خلال لغة ثانية للنجاح في التعبير عن ذاته وعن محيطه، وهي فرصة لكي تقول ان للعامية قوتها التي ينبغي ان ينتبه اليها بعيدا عم المنتوج العامي على مستوى الابداع والذي كثيرا ما يكون محط اسفاف بسبب ضعفه الكبير.
* استوقفني نقدك للنضال السياسي من خلال تعرضك لـ ” المناضل” حماد الفيش ، وقلت ” حماد الفيش المناضل بالأقدمية فقط، وبلون الحزب يلبسه ويمسح فيه انفه المنتصب عندما يداهمه المخاط ..الخ” …هذا النقد، والذي يكاد ينسحب على معظم الروائيين العرب في هذه المرحلة، هل هو نقد ذاتي او جلد للذات ام ماذا بالضبط..؟
** هو في الحقيقة نقد للعمل السياسي داخل المغرب ولكن أظنه ينسحب على جل المجتمعات العربية حيث يتم انصاف الخونة وتهميش المناضلين وسقي الجبن والتخاذل، والرواية حافلة بمواقف مماثلة واعتقد بان واقعنا العربي أكبر من واقعنا الكتابي ولعل الأحداث التي تمر بها الأمة أكبر مما يمكن التعبير عنه نصيا.
* سؤال اخير. أنت رئيس ومدير عام لمؤسسة ثقافية كبيرة بالمغرب هي مؤسسة مقاربات بفاس، نود حديثا مختصرا عن تجربتك المؤسسية والثقافية من خلالها؟،،
** مؤسسة مقاربات هي مؤسسة نشر تم إنشاؤها سنة 2007 وهي تضم مجموعة خلايا أو أقسام مكونة من دار مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، ومجلة مقاربات الدولية، ومؤسسة مقاربات المرتبطة بالعمل المدني والمؤسسة نشرت مئات الكتب بمختلف اللغات وفي مختلف التخصصات، وتهدف الى نشر اوسع للكتاب ابداعا ونقدا كما تحرص على الوفاء لبعدها الأكاديمي من خلال مؤتمرها السنوي الذي تنشر اعماله بمختلف اللغات.
مقاربات لها شراكات مع عدة مؤسسات اكاديمية عربية ومغربية ودولية وتسعى الى جعل الاشتغال بالثقافة واستراتيجيات التواصل همّا علميا لها، وهي فرصة استغلها لأشكر كل العاملين بالمؤسسة ولجانها العلمية وداعميها داخل المغرب وخارجه.

إلى الأعلى