الخميس 19 أبريل 2018 م - ٣ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / مسرحية “خيارات في زمن الحرب”

مسرحية “خيارات في زمن الحرب”

للكاتب بدر الحمداني والمخرج حسين العلوي
نص متفجر بالأسئلة، وعرض تقدمي بخيارات محسومة

شارك العرض المسرحي “خيارات في زمن الحرب” في مهرجان المسرح العماني السابع بصحار وتقديم فرقة تكوين المسرحية وهو باكورة عروض الفرقة وشارك في أدوارها الرئيسة الممثلين عبدالحكيم الصالحي وزهى قادر وحصل هذا العرض على الاشادة والتقدير من قبل النقاد والجمهور الكبير الذي تابع العرض.
بعد هذا الجهد في تقديم عرض محكم التفاصيل لابد من وقفة لتبيان ملامح هذا العرض المسرحي وتفاصيل نصه وننطلق بداية من دلالات العنوان واختيار الشخوص والأسماء لدى الكاتب بدر الحمداني: فقد وقع المؤلف على كلمة (خيارات) كمفتتح لنصه ليضعنا كقراء ومشاهدين أمام مفترق طرق فالاسْمُ مِنَ الاخْتِيَارِ هو بالخيار: يختار ما يشاءُ، والخِيارُ المختار المنتقى ويقال عن خِيار الشِّراء أو البيع: الحقّ المطلق لبيع أو شراء شيء في تاريخ معيّن وبسعر متَّفق عليه، وليس له خيار أي ليس أمامه خيار، مضطرّ، واختار الطّريق الأفضل بمعنى توجّه إليه بمحض إرادته، ولكن أيضا منها اِخْتَارَ وتقال: اِخْتَارَهُ اللَّهُ إِلَى جِوَارِهِ، وهناك مصطلحات متماسكة في المعنى والدلالة ومعروفة: كخيارات استراتيجية، وخيارات التسوية… وغيرها.
إن الخيارات التي قذفها بها الحمداني كانت محدد مسبقا بزمن والغالب إن الزمن يشير إلى تحديد بعينه ولكنه أردف بعدها بمفهوم ” زمن الحرب” فعمم ولم يخصص وترك لقياس الخيارات الممكنة في صورة متماسكة تبدوا مستحيل التنبؤ بها وفيها لأنها واقعة في زمن الحرب، وكما هو معروف في الحروب يجوز فيها في ما لا يجوز في غيرها من الازمنة الاتيان بأفعال والقيام بقرارات -بنت اللحظة- والاخلاقيات تنحدر للدرك الاسفل لأنها متروكة للمفاجأة وتقدير الموقف الاخلاقي من قبل المنتصرين فيها، ومبدأ الاختيارات المفتوحة لدى المنتصر في الذهاب لأقصى حدود العقاب أو الأخف منها، وأن الخيارات ضيقة جدا أمام المهزوم بين الهلاك وتصفية النفس أو الوقوع في الأسر والذل والمهانة المنتظرة في غالب الحروب وخصوصا الغير متكافئة، فالخيارات هنا دلالتها الكبيرة في السقوط في زمن الحرب الذي لا يحمل الخيارات التي هي بالضرورة في زمن السلم والرخاء.
عربي يقول:” انعدمت الخيارات.. الحرب لا تترك للفقراء من أمثالنا أية بدائل.. كل البدائل تشبه الموت أو هي الموت ذاته” ص 5
وفي حوار آخر لعربي يقول: ” الخيارات معدومة.. وعندما تنعدم الخيارات يتوارى المنطق في الظلمات”. ص 7
أما عن التسميات ومفاتيح الاسماء عند أبطال الحمداني فهي اسماء قيمة وليست أسماء وصف مجردة، فالدلالة فيها مثقلة فاختيار اسم ( عربي) و ( خالدة) كل شخصية تحمل هدفاً وموقعاً جللاً في تراكيب المجتمع العربي بشكل عام، فعربي كاسم يحمل هموم المجموعة/دلالة على كل رجل عربي معرض أن يقع في الظروف الاستثنائية للحرب فهو يحمل المقاييس للرجل العربي الذي يتصف بقيم الشهامة والتضحية وغيرها. أما شخصية (خالدة) فهنا كانت المعادل الموضوع للرجل العربي واسمها مأخوذ من الخلود والدوام وإن كان لها دلالة كاسم انثى فهي مفتاح بقاء العنصر البشري ومسؤولة عن الانجاب واستمرارية النسل العربي والعرق العربي والاجيال العربية، أما عن المعادل المشاهد من خلال حواراتها كزوجة فهي هنا تمثل الثبات في المواقف الذي تدافع عنه أي امرأة يحاول المحتلون سلبها الحياة والبيت وتقف شامخة بجوار زوجها في أحلك المواقف فهي هنا قدوة للشراكة التي تدافع بها المرأة العربية عن وطنها مهما كلفها ذلك من اثمان.
ونجد كذلك في حوارات المسرحية أن الشخصيات الرئيسة تجمع بينها علاقة صراع مفاهيمي، بحيث كل شخصية تدافع عن ما تؤمن به وتتصوره إنه أحد الخيارات الممكنة في هذا الزمن وهذا التوقيت البالغ الحساسية. فخيارات الزوج عربي الذي يتعرض بالمشاهدة لأقصى درجات الذل والمهانة تتبدل في لحظات الضعف والوهن وتشتد كلما التقى بخالدة ويتماسك ويقدم الحياة بأنها تمثل خيار، فنجد يسخر برده على سؤال خالدة عن الأوضاع في الخارج فيقول ” نسبة الحياة والموت خمسون خمسون .. ففتي ففتي . كانوا الجنود يلعبون بايدينا وآمالنا”.
هناك جملة من الملاحظات لابد أيضا من ذكرها عن حوارات النص كي تعم الفائدة لمثل هذه العروض المسرحية، وهي بداية في تكرار كلمة خيارات فنجد إن عنوان الورقة النقدية ” نص متفجر بالأسئلة، وعرض تقدمي بخيارات محسومة ، فهذه الخيارات المحسومة وردت في النص صريحة فالخيارات وردت في النص والعرض بالفاض (انعدمت الخيارات ) ص 5.. (الخيارات المعدومة) ص 7.. (تنعدم الخيارات) ص 12..( كيف يعيش المرء بلا خيارات؟) ص 14.. (انعدمت امامي الخيارات) ص 17.. (انعدمت في وجهي الخيارات ) ص 21

وهناك رسالة متناقضة وأن صدق في كشفها الحمداني، ولكنها لم تكن في يوما من الايام الاتجاه العربي في الحروب الداخلية وهي في هذا المقطع ” المليشيا متخصصة في التطهير العرقي.. يجتثون فئات معينة من الناس .. يبيدونهم كما يبيدون الصراصير” فنجد خالدة توجه السؤال لعربي : ” وأنت. يرد عليها: ” أنا واحد منهم الآن!؟؟” فيرد عليها: ” ابيد من يريدون ابادته من المدينة.. قائمة من ينتظرون الابادة طويلة جدا.. فيها صاحب الدين المختلف والفكر المختلف والرأي المختلف.. فقد أبدت ابو سليمان وزوجتة واولادهم جميعا وهم من حينا”.
وإن كانت الرسالة التي يحملها عربي كمفهوم للعربي المتحول ولكن كشخصية متنقلة بين الاضداد سريعا مع وضد هو بكل تأكيد يمثل صوت الكاتب ورايه الشخصي وليس الشخصية الدرامية التي لابد أن تحمل تمهيد لكل انتقال لتغيير كبير كهذا. فيما يدور حاليا من وجهة نظر الكاتب في التناحر العربي الداخلي وعلى سبيل المثال في سوريا أو العراق وأشدد على كلمة الحالي وليس بالضرورة هذا التصنيف له ما يؤيده مستقبلا أو يقبل به العربي الذي تربى على القيم السوية والانسانية الحقة والعيش المشترك مع الآخر المختلف في الدين أو العرق أو اللون والتاريخ شاهد كبير على ذلك. للأسف هذا وضع الاستثناء في القاعدة التي حاول المستعمرين دسها في مجتمعاتنا ونجحوا طالما الان نحن نكشفها على خشبات مسارحنا.

الشخصيات الغائبة الحاضرة:
هناك تنوع وتقاسم لشخصيات يتحدث عنها النص ولكنها ككيان وتجسيد غير موجودة بالتمثيل في النص ولكن رسالتها وقوتها داخل الحدث الدرامي موجودة فشخصية ( شيخ الجامع) و ( أم سليمان الجارة) النقيضين فالأول للالتزام الديني والاختباء في محراب المسجد والثانية هي تشتغل في حفلات المجون والعهر داخل المعسكرات . تجاذبات الخير والشر في ظل الخيارات المحدودة. عربي يقول: وهل عندنا خيارات أخرى؟ يبدوا أني قد بالغت في ردة الفعل.. أخذتني الحمية والشهامة والرجولة والنخوة التي لم يعد لها مكان في هذه الايام “. ص 11
وهذا المقطع الحواري لعربي يوضع الحديث عن الشخصية الغائبة: مررت على شيخ الجامع .. فوجدته منحشرا في المحراب الذي ظل صامدا بعد قصف المسجد و تهدم معظمه .. كدت أن أيأس من لقياه بعد أن صار المسجد ركاما .. لكني أخيرا وجدته .. فأريته اللحم الذي أحمله و سألته عن حله من حرامه ..فتسألة خالدة: و بماذا أفتاك؟ فيجيبها عربي: لم يتفوه بكلمة .. بل ظلّ يحدّق في اللحم و يبكي و هو يقبض بيديه البائستين على أمعائه ..ص 4
إلا إن المخرج حسين العلوي ينتبه لهذه الشخصيات وإشاراتها المهمة التي تقدمها في النص فيحولها لشخصيات مجسدة على خشبة المسرح، وبذلك خلق تنوع مهم كسر به طول الحوارات التي وضعت في النص، وهذا ذكاء التنفيذ وبعد رؤية لمفهوم المخرج المفسر الذي يضيف أبعاد النص المؤلف ليقدم بذلك القراءة الثانية للنص والذي كان موفقا بمثل هذه الاضافات الداعمة لرسالة المسرحية وموضوعها الرئيس.

موضوع المسرحية ورسائلها :
إن الحدث الرئيس المعالج داخل هذه المسرحية هو استعراض الزيف والانتهازية والنفاق والا انسانية الذي تتميز به القوى الاستعمارية الغاشمة التي تدخل الحروب بقيم تمثيلية وتمارس قيم عدوانية وسادية، فنجد طرح الاسئلة حول هذه الرسالة الكبيرة من بداية المسرحية ” خالدة: ماذا فعلوا هذه المرة ؟ بمعنى أن هناك مرات ومرات تم فيها استخدام طرق مختلفة للإذلال والتعذيب الروحي والجسدي. عربي يقول: يلقون صندوقا لأحد الجوعى ويقطعون يد الجائع الذي يقف خلفه مادا يديه وهم يضحكون” ويقول عربي ” اللعنة على الحرب.. واللعنة على من أتى بها إلينا أيضا”. المسرحية تلقي أحمالا من وقع عليهم الظلم وويلات الحروب، وهي تنتصر لقيم الأمل والرغبة في الحياة والتكيف مع هذا الدمار الذي سيحمل بارقة حياة أخرى يتفوق فيها الصبر على الجشع والمبالغة في القسوة.
فموضوع المسرحية ينظر لنصف الكأس الممتلئ وليس الفارغ، ويحمل بشخصيتين النموذج لأسرة عربية تقع في هذه الدائرة من القصف والرعب والموت اليومي المجاني الذي تقدمه صواريخ المحتلين مع كشف قيم الاستعلاء والفوقية والظلم والاستبداد في تعاملها مع الفئات الفقيرة في مجتمع الحرب ولا يهمها إذا ما كانت تطبق القوانين والانظمة بطريقةٍ شريفةٍ أو غير شريفة، و كذلك تسليط الضوء على قيم الأخلاق التي يجب أن لا تجزأ وأن على الإنسان الواعي المتحضر والصادق أن يكون صادقاً وشريفاً وعادلاً وطيباً ومتعاوناً ومضحياً في كل الظرف في الحرب قبل السلم وأن العدالة التي ينشدها الانسان الحر وتحديدا العربي هنا الذي لا ينتمي لمكان محدد بل كل العرب الذي يمثلهم عربي عاشوا ويلات هؤلاء الغزاة المغتصبين لقيمة الحق والخير والفطرة الانسانية السوية التي لا تؤذي بدافع التشفي إنما الحروب هدفها ارجاع الحقوق لأصحابها والدفاع عن الاوطان وأهلها.

لغة العرض المسرحي
الايقاع : أهمية الايقاع ف يعرض خيارات من زمن الحرب تتمثل بصدق في هذا الاستشهاد بعبارة المخرج الروسي ستانسلافسكي (ايقاع قلبك يأخذ إيقاع بطلك ) لقد كان ايقاع عرض خيارات من زمن الحرب أعقد من ايقاع النص، لأنه ينتظم في علاقة مركبة مباشرة وحية يؤلها ممثلين محترفين هما عبدالحكيم الصالحي وزهى قادر… وأن ايقاع العرض المسرحي الشامل يقف خلفه مخرج متمكن من أدواته لم يسمح للرتابة التي هي عدوة الايقاع وأن العرض المسرحي في ايقاعه بالنسبة لي لم يكرر النص بل أعاد إنتاجه وخلق رؤية خاصة بصريه لها ايقاعها وشحن الشخصية بمشاعر دافعة, ومتنوعة من الايقاع الداخلي في لحظات الصمت وتبادل الاشارات إلى التحول لفعل خارجي تبادلي أوصل لنا ما وراء الكلمات التي تمرس الحمداني في نثرها متنوعة بإيقاع شعري ونثري محمل بالكثير من الطاقة الايجابية والدقة والوضوح اللتان يتسم بهما الدور المكتوب مما سهل عملية الاندماج الطبيعة الداخلية للشخصي الذي اتقنه بامتياز ممثل خطير يمتلك خامات صوتية وتبدل وتلون في الحركات الادائية وكانت مباراة حامية بين قوتين دافعتين استمتعنا بمشاهدتها في هذا العرض.‏ لهذا حصول الممثل عبدالحكيم الصالح لجائزة أفضل ممثل في المهرجان كانت نابعة من درجات التنوع والابهار في الاداء مع الصورة البصرية التي قدمها بجهد مضني وصادق للمتفرجين.

الديكور والملابس والمكياج عناصر تنتصر للفضاء الركحي/ المسرحي
أن الديكورات والملابس والمكياج عناصر مادية مشاهدة بدلالاتها تساعد الشخصية للوصول والتعرف عليها من حيث المهنة والانتماء الاجتماعي/ الطبقي والقومي وأحياناً الديني والوظيفي وتحديد العمر كذلك, ويمكن التعرف من خلالها أيضاً الى الحقبة الزمنية أو المرحلة التاريخية ففي مسرحية خيارات من زمن الحرب استطاع المهندس يوسف البادي من اضفاء ملامح جديدة وكبيرة لهذا العرض وواضح ان ليوسف البادي كمهندس للديكور فلسفته في قراءة هذا النص الذي يمكن أن يجر مصمم الديكور لمناطق أكثر فقرا وسوداوية الا إن البادي كان أكثر تحرر من القراءة الأولى لهذا النص وقدم العرض بقطع ديكور لمربعات في خلفية المسرح غير متوازية العرض لرسومات غير واقعية واتجه لمدرسة بيكاسو في رسم الحصان والشخصيات الضائعة للملامح ولكنها تحمل ذات المعاناة التي يقدمها النص وبالوان امتازت بانها الوان صارخة ونابضة بالحياة ومعبرة عن ما يدور داخل خشبة المسرح.
أما الملابس فكانت توحي أيضا بأكثر من دلالة واختلفت في قراءتها ففي بعض العروض تشير لوظيفة واحدة في استعمالها وهي بمعنى أنها تستر العري والجسد ولا تحمل قيمة فنية تم الاشتغال عليها من قبل مصمم الملابس(الملابس المسرحية ليست إذن وسيلة جمالية , الغرض منها تستولي على العين فتمارس غواية تحول دون دورها الوظيفي)، إلا إن في مسرحية خيارات في زمن الحرب فالملابس ناطقة للشخصيات ورسالتها فهذه الشخصية ترتدي ملابس مدروسة من حيث الشكل, الخياطة, واللون, وأسلوب الارتداء, فهي تدل على اسرة داخل مدينة تتعرض للقصف والحرب فكانت الملابس تعبر عن الحالة النفسية والذوق الجمالي كذلك المناسب.
السينوغرافيا تتبع مبارزة الاداء ولا تتقدمه
هذا النجاح الذي كنت على ثقة بأن يقوم به المخرج حسين العلوي في عرض (خيارات من زمن الحرب) فالسينوغرافيا وسيلة تحقق وتضافر الصوت والحركة والتشكيل والأزياء والاضاءة في فضاء العرض المسرحي, كما يربط بين السينوغرافيا والفضاء المسرحي الذي ينقسم إلى قسمين فضاء النص وفضاء العرض فالسينوغرافيا كأداة تحقيقي تكمن في أنها مرئية لأنها تصوغ المكان وتملأه بالإيقاع وتحمل ايقاع النص وتثقل كلماته بالتعبير والاحساس اللازمين لوصول الرسالة . فهل تحقق ذلك ؟ نعم تحقق على مستويات عديدة من لحظة انطلاق المسرحية بأصوات الرصاص والقذائف إلى لحظة الختام عندما تستلم (خالدة) البندقية لتعلن بذلك استمرار المقاومة والدفاع عن البيت والأرض.

د. سعيد محمد السيابي
باحث مسرحي بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى