الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / إلى متى بربِّكُم.. إلى متى؟!

إلى متى بربِّكُم.. إلى متى؟!

علي عقلة عرسان

” .. إذا كانت روسيا الاتحادية، بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين، قد تدخلت فعلاً في الانتخابات الأميركية الأخيرة، التي جاءت بترامب إلى البيت الأبيض رئيساً.. فإنها تكون قد لعبت اللعبة السياسية الأنجح، للرد على دور الولايات المتحدة الأميركية في تدمير الاتحاد السوفييتي، من الداخل، ذلك الذي أصبح الآن خارج التاريخ، و”غير مأسوف عليه”.. ويكون فلاديمير بوتين قد غرس خنجره عميقاً في الخاصرة الأميركية..”

“أنا عبقري، ومتوازن”، هكذا قدم الرئيس دونالد ترامب نفسه للعالم، من فوق منصة عالية في البيت الأبيض، إثر صدور كتاب “نار وغضب في البيت الأبيض”لمايكل فولك. جاء ذلك بعد صخب، وثورة نارية، وتعليق نشره ترامب على تويتر، قال فيه:”مايكل وولف فاشل تماماً، اختلق قصصاً لبيع هذا الكتاب الممل الكاذب. لقد استغل ستيف بانون القذر الذي ولول عندما أقيل، وتوسل للبقاء في عمله. الآن، ستيف القذر نبذه الكل تقريباً كالكلب.. شيء بالغ السوء”.. وستيفن كيفين بانون هذا، ذي الأصول الإيرلندية، تولى رئاسة المكتب الانتخابي لترامب، ومنصب كبير مستشاريه للشؤون الاستراتيجية، وعضو مجلس الأمن القومي في عام 2017.. ومن ثمَّ عزله ترامب بعد أربعة أشهر، وأوقف التعاون معه.
ويبدو أن ستيف بنون شارك في عجن التركيبة الإدارية الجديدة وخبزها، لكنه خرج من المولد “بلا حمّص”، نتيجة خلافه مع جاريد كوشنر وإفانكا. وهو من خطط لما ستقوم به إدارة ترامب، وعرف أشياء عن شخصية الرئيس، جعلته يضمن تصريحاته المتقدِّمة، بعض ما يمكن فهمه على أنه غمز خبير.. حيث يذكر الصحفي فولك، مؤلف الكتاب، أن ستيف هو من وضع برنامج حل “الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي”.. وتنقل أورلي أزولاي، مراسلة جريدة يديعوت أحرونوت، من كتاب فولك، أنه “قبل أسبوعين من أداء اليمين القانونية، بسط ستيف بانون، خطة السلام الإقليمية.. حين سُئل:”هل يفهم ترامب أين وضعه التاريخ؟”، فأجاب:”هو يفهم، أو أنه يفهم ما يفهمه.. لدينا خطة. في اليوم الأول ننقل السفارة إلى القدس. نتنياهو مع، شيلدون ادلسون مع ـ أدلسون هو ملياردير يهودي مناصر بعماء مطلق لإسرائيل ـ السعودية على الطرف. مصر على الطرف. تُعطى الأردن الضفة الغربية، ومصر غزة، وينشغلون بهذا. الكل يخاف الفُرْس خوفهم من الموت: اليمن، سيناء، ليبيا. وعليه فروسيا هي المفتاح.”/يديعوت 7/1/2018/ ويضيف إدوارد سافين مراسل المصدر: mignews.com مقتبساً من الكتاب ذاته، ما هو تكملة لكلام بانون، ذات مدلول: “هل روسيا فعلاً سيئة؟ أجل هم فتيان أشرار.. ولكن العالم مليء بالأشرار”./٧/١/٢٠١٨
ستيف بانون الذي وضع الخطة، لم يكمل المشوار، لكن جاريد كوشنر الذي حمل هذا الملف مع غرينبلات، تابع التنفيذ، وقدم وأخَّر، وأضاف وعدَّل، بناء على اتصالات ومشاورات، وطرح أفكاراً لجس النبض الفلسطيني والعربي.. مثل مشروع دولة فلسطينية مركزها سيناء “صفقة القرن”، و”دولة فلسطينية تنتزع منها ٤٢٪ من مساحة الضفة الغربية، “القدس الشرقية والمستوطنات”، عاصمتها “رام الله”بدلاً من القدس، مع سيطرة “إسرائيلية”على الضفة الغربية لنهر الأردن.. إلخ، مما أصبح مكشوفاً ومعروفاً ومتداولاً من جهة.. ومرفوضاً بالجملة والتفصيل فلسطينياً على الخصوص، من جهة أخرى.
ترامب في الحلبة، يواجه الداخل والخارج، وتضيق الحلقة حوله، لا سيما بعزلة أميركية ظاهرة بعد الجولات الخاسرة في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة حول قراره المتعلق بالقدس، وفي مجلس الأمن حول المظاهرات في إيران.. وتلاحقه قضية الدور الروسي في الانتخابات التي فاز فيها بالرئاسة. وتهم حول جاريد كوشنير وثروته، وجنيور ابنه ودوره مع الروس في الانتخابات من خلال المحامية الروسية التي كان يقابلها. إن ترامب يدافع بشراسة عن “مملكته؟!”، وعن عبقريته، بتوازن متكلَّف.. لكنه في حقيقة الأمر، يهاجم كالثور الهائج في حلبة المصارعة الإسبانية المعروفة.. وفي أثناء ذلك، تزداد السهام التي يغرسها اللاعبون في عنقه. إن تصريحه الذي هاجم به فولك وبانون، ووصفهما بما وصف من ألفاظ وصفات.. قوي التعبير عما يشتعل في أعماقه، وعميق الغور في جذوره، وبالغ الدِّلالات.. في الكشف عن بعض مكنونات تقلق تلك الذات”الرئاسية، العبقرية، المتوازنة؟!”.. وعندما أستعيد جولاته، واستعراضاته، وبعض المشاهد والأقوال المتصلة بذلك الحال الذي له، تمثُل أمامي بقوة – لا أدري كيف – شخصيةُ “الإمبراطور جونز”، تلك التي رسمها الكاتب الأميركي يوجين أونيل، بإبداع.. في مسرحيته التي تحمل الاسم نفسه.. كما تبدو لي مشاهد من مسرحيته الأخرى التي تحمل عنوان “القرد الكثيف الشعر”، لا سيما المشهد، حين تقابل الفتاة البورجوازية المدللة “ملدرد”ابنة صاحب المصانع الكبرى، التي ترافق والدها في جولة.. فتقف أمام الوقاد يانك، وهو نصف عارٍ، أمام الفرن المشتعل.. تلك المسرحية التي قال يوجين أونيل، في تفسير مغزاها، أو ما أراده لشخصيتها الرئيسة، “يانك”، من مغزى، بقوله: “القرد كثيف الشعر، هو رمز للإنسان الذى فقد شعوره بالانتماء مع الطبيعة ، هذا الانتماء الذى كان يتمتع به قديماً كحيوان، والذي لم يستطع اكتسابه في ظل الحضارة المادية الجديدة”.؟!.
منذ إعلان فوزه في الانتخابات، وإثارة موضوع تدخل الروس لصالحه، وتلك القضية تلاحقه وتقلقه.. وإذا كانت روسيا الاتحادية، بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين، قد تدخلت فعلاً في الانتخابات الأميركية الأخيرة، التي جاءت بترامب إلى البيت الأبيض رئيساً.. فإنها تكون قد لعبت اللعبة السياسية الأنجح، للرد على دور الولايات المتحدة الأميركية في تدمير الاتحاد السوفييتي، من الداخل، ذلك الذي أصبح الآن خارج التاريخ، و”غير مأسوف عليه”.. ويكون فلاديمير بوتين قد غرس خنجره عميقاً في الخاصرة الأميركية.. لأن الرئيس ترامب زعزع، وسيزعزع، الوضع الأميركي في الداخل والخارج، وسينتقص من الهيبة الأميركية في الوقت الذي يعلن أن من أهدافه استعادتها، وسيزيد في عزلة العم سام، الذي بدأت تتجلى عزلته، نتيجة تصرفات ترامب وإدارته الصهيونية. فهذا السياسي الفج، في صراخه على تويتر، وفي اتخاذه القرارات، وتوقيعه الاستعراضي عليها، وفي سياساته العدوانية، وتهديده ووعيده للآخرين، ونشره للفساد والإفساد السياسيين .. يبدو الآن بوضوح، وبعد سنة من دخوله البيت الأبيض رئيساً.. يبدو أنه خطر على السلم والأمن الدوليين، وعلى المواثيق والقوانين الهيئات والمؤسسات الدولية، وعلى المناخ الذي تهدد مؤشراته السلبية الدول والشعوب على امتدادا كوكب الأرض، وعلى العدالة ومفاهيما، وعلى السياسة المتزنة المسؤولة وأساليبها البناءة.. وأنه ضار بالمصالح الأميركية العلياعلى المدى البعيد، حيث يبدو نهَّاباً مُغْفلاً للأخلاقي والإنساني والعادل من المعاملات والسياسات. وعلى هذا، فإنه من الحكمة أن تُسحَب منه “أزراره النووية الكبيرة”، وأن يُسحبَ هو نفسه من البيت الأبيض، وتلغي قراراته التعسفية، المخالفة للشرعية الدولية، وللعدالة الإنسانية .. وعلى رأس تلك القرارات، مايتعلق بالقدس وفلسطين. فهذا “العبقري الشرس”، هو من فصيل العبقريات المكلِفة والمدمِّرة .. وكم عانى عالمنا، من عبقريات من هذا النوع، جرَّته إلى حروب وويلات وكوارث، فضلاً عن إغراقه في الصراعات والأزمات والضائقات من كل لون.
على أن هذا الأمر الحيوي، على الصعيدين الشعبي والدولي، “أميركياً وعالمياً”، فيما أرى.. قد لا يحدث، لأن الصهيونية – العنصرية وأتباعها، ورديفاتها، ومن يواليها، والجهات الأميركية التلمودية والمتصهينة الأخرى من جهة.. والسياسات والشركات والمؤسسات والشخصيات الأميركية – الصهيونية، ذات الأنياب المالية – الرأسمالية المتوحشة، تلك التي تنفذ أنيابُها ومخالبُها في لحم الفقراء والشعوب والدول، وتصل إلى نقا عظامها أيضاً، “من دون أدنى رحمة”، وعملاء تلك الجهات، من جهة أخرى.. هي التي تحكم السياسات والقرارات، وتتحكم بها هناك إلى حدٍّ بعيد.. ولذا فإن المطلوب هو فعل منقذ من نوع آخر، مسؤل ومنتمٍ وواعِ، يقوم به المستهَدَفون، في الداخل والخارج.. فعل يقوم على الوعي وسعة الرؤية أولاً، ويستخدم كل الأدوات والإمكانيات والأساليب، للدفاع عن نفسه وماهيته وهويته ثانياً.. المطلوب أن يحمى العالم المُسْتَهدَف “بالعبقرية ذات الأزرار النووية الكبيرة”، وبالتهديد، والابتزاز، بالبيع والشراء، بالفساد والإفساد، بمنطق القوة ولغة القوة.. وبالأساليب الترامبوي – صهيونية الأخرى.. المطلوب أن يدرك المخاطر الزاحفة نحوه، وأن يحاصر خطرها، ويوقف تمددها وانتشار شرورها، ومن ثم يتغلَّب عليها.. وأخص بالذكر، من هذا العالم المُسَتَهدَف وفيه، أولئك المُستَهدفين: “دينياً، وثقافاً، وهوية، ووجوداً..”، استهدافاً معلناً: “سياسياً وسيادياً، عسكرياً وأمنياً، جغرافياً ومالياً، ثرواتياً وبشرياً”.. إن عليهم أن يعوا ما يتربص بهم، وما ينتظرهم.. وعلى رأس أولئك شعوب ودول عربية وإسلامية، ترفض أن تستمر بالتآمر على نفسها، وعلى قضاياها وشعوبها وعقيدتها ومقدساتها.. وترفض أن تبقى تقتل نفسها في حروب بالوكالة، وأن تجر محاريث الدم والبؤس، تحت النير الأميركي – الصهيوني – الرأسمالي، الاستعماري، الوحشي.. وترفض التآمر المستمر عليها، والنظر إلى أعظم ما تملك، وما هو في صالح البشر كافة “الإسلام السمح، والإيمان الرحمة، والعدالة قيمة القيم”.. ترفض النظر إلى ذلك الدين، ووصفه بأنه “سرطان”، وأنهم مسرطنون، وأن دفاعهم عن أنفسهم، وعن أرضهم، وحقائق دينهم العظيم، وعن قيمه، ومقدساته، هو “إرهاب”؟!.. “مسرطنين وإرهابيين؟!”، بنظر أولئك الوحوش المقنَّعين، الذين “أبادوا عشرات الملايين من أبناء الجنس البشري، ليقيموا دولهم بالإرهاب، وفق قوانين العبودية، والتمييز العنصري، والقتل، والاستغلال، والنهب، والتهديد المستر..”.. ولينهبوا العالم ويفسدوه، في حروبهم القذرة.
إن تلك القوى الشريرة لم تكتف بما ألحقته ببلدان عربية وإسلامية، وببلدان أخرى ، غير الوطن العربي والعالم الإسلامي، من كوارث ونكبات وخراب ودمار، وفساد وإفساد، وتخلف وطغيان.. بل تستمر في التأسيس للفتن والحروب والتخلف، وتستثمر في ذلك بسخاء. في منطقتنا المشتعلة منذ سنوات، وفي سورية والعراق من بين بلدانها، على سبيل المثال لا الحصر.. تؤسس العنصريتان الإرهابيتان “الأميركية والصهيونية”، لاحتلال دائم يتوسع، ولحروب وفتن تدوم.. وتغذي نار الفتن المذهبية والقومية، وتستثمر فيها، وتمد أطراف تلك الفتن، ومتطرفيها، بالسلاح والمال والخبرة التدميرية.. ليستمر الموت، وينتشر الدمار، ويتسربل الجميع بالمذلة والعار. في فلسطين تتوسع “إسرائيل”على حساب ما تبقى للفلسطينيين من أرض ووجود.. وفي شرق الفرات السوري، في أرض الجزيرة وبعض الشاميَّة، تحتل الولايات المتحدة الأميركية الأرض، وتقيم القواعد، وتدرب المقاتلين.. وتعمل على إقامة دولة، هي صنو تام “لإسرائيل”، وحليفة لها.. لتكون تلك الدولة خنجراً ساماً في جسم أربع دول، عربية وإسلامية، على الأقل، هي:”سورية، والعراق، وتركيا، وإيران”، من خلال الوجود والنفوذ الأميركي الصهيوني. وفي حوض آخر، عربي وإسلامي، ذي مركز وامتدادات، تثير الحرب المدمرة الأخرى بين “العرب والإيرانيين”، ويبتلع الطرفان الطعم السام.. إذ هناك من يستجيب لها، ومن يخدم مشاريعها، بوعي أو من دون وعي.. وهناك من يركب رأس الفتنة، ليستثمر فيها عدوه، ويضر بنفسه وبأخوته في الدين وشركائه في المصير.. والرابح هو الوحش العنصري -الصهيوني -المتصهين.. فهل إلى وعي مسؤول من سبيل؟!وهل إلى يقظة تحت أي عنوان؟!هل من لحظة توقف هذا العَمَه “العربي -العربي، والعربي -الإسلامي، والإسلامي -الإسلامي”الذي طال أمده واستطال، وأغرقنا في مناقع الدم، ومستنقعات الأوحال، مع أن الرب واحد، والدين واحد، والكتاب المرجع واحد، والرسول واحد.. والهدى بيِّن.؟!
إنه السؤال الملقى على المستهَدَفين بالشر والعدوان والتآمر الأميركي -الصهيوني، وبسواه الذي من نوعه، ولأسبابه مشابهة:إلى متى.. إلى متى؟!ونار الحرب والفتنة التي دمرت ما دمرت، في الوطن العربي والعالم الإسلامي.. تستمر وتستعر وتنتشر، وقودها نحن البشر، نحن العرب والمسلمين.. الذين نحترق، ونُحْرَق، لتتحقق أهداف المعادين لنا ولديننا ووجودنا.. ولتنضُج مشاريعهم العدوانية، وتتحقق منافعهم، ومكاسبهم، وأطماعهم التوسعية، لا سيما الأميركية منها والصهيونية.؟!.. إلى متى بربِّكم.. إلى متى..؟!

إلى الأعلى