الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: العفو عند الخِصام
خطبة الجمعة: العفو عند الخِصام

خطبة الجمعة: العفو عند الخِصام

الحَمْدُ للهِ الَّذِي دَعَا إِلَى الوَحْدَةِ وَالوِئَامِ، وَنَهَى عَنِ الشَّحْـنَاءِ وَالخِصَامِ، وَجَعَلَ العَفْوَ وَالصَّـفْحَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ أَهْـلِ الإِيمَانِ، وَأَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا أَتْـبَاعَهُ إِلَى العَفْوِ فِي النِّزَاعَاتِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الخُصُومَاتِ فَقَالَ:(إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ)، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاتَّبَعَ هُدَاهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى دَعَاكُمْ إِلَى الاعتِصَامِ بِحَبْـلِهِ، وَأَمَرَكُمْ بِالسَّيْرِ عَلَى مِنْهَاجِهِ، فَقَالَ:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران ـ 103)، فَالعَلاقَةُ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَقْوَى العَلاقَاتِ وَأَمْـتَنِهَا، أَلا وَهِيَ رَابِطَةُ الأُخُوَّةِ فِي اللهِ تَعَالَى، يَقُولُ اللهُ ـ جَلَّ وَعَلا:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات ـ 10)، فَهُمْ إِخْوَةٌ يَصِفُهُمُ اللهُ بِقَولِهِ:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 71)، تَرَاهُمْ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْـتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ. وِحِفَاظًا عَلَى هَذَا التَّمَاسُكِ وَالتَّآلُفِ حَذَّرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّشَاحُنِ وَالتَّنَازُعِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْفَشَلِ وَالتَّرَاجُعِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلا: (وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال ـ 46)، وَحَذَّرَنَا أَيْضًا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) مِنْ مُسَبِّبَاتِ التَّنَافُرِ وَالخِصَامِ فَقَالَ:(لاَ تَحَاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الـمُسْلِمُ أَخُو الـمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْـقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ـ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْـقِرَ أَخَاهُ الـمُسْلِمَ، كُلُّ الـمُسْلِمِ عَلَى الـمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ).

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ الإِنْسَانَ اجتِمَاعِيٌّ بِفِطْرَتِهِ، مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ، لا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّعَايُشِ وَالتَّدَاخُلِ مَعَ بَنِي جِنْسِهِ، وَذَلِكَ مَدْعَاةٌ إِلَى تَشَابُكِ مَصَالِحِهِ مَعَ مَصَالِحِ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ، فَقَد تَقَعُ لِسُوءِ فَهْمٍ أَنْوَاعٌ مِنَ الإِشْكَالاتِ وَالخِلافَاتِ، وَرُبَّمَا تَتَطوَّرُ إِلَى مُسْـتَوَى النِّزَاعَاتِ وَالخُصُومَاتِ؛ لِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ حَذِرًا فِي تَعَامُلاتِهِ، مُتَبَصِّرًا فِي أَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، حَرِيصًا عَلَى بَقَاءِ الوُدِّ بَيْـنَهُ وَبَيْنَ مَنْ وَقَعَ فِي إِشْكَالٍ مَعَهُ، حَذِرًا مِنَ الغَضَبِ، آخِذًا بِوَصِيَّةِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وسلم):(لا تَغْضَبْ)، وَذَلِكَ بِسَبَبِ مَا يَصْدُرُ في أَثْـنَاءِ الغَضَبِ مِنْ تَصَرُّفَاتٍ وأَلْفَاظٍ لا تُحْمَدُ. وَحَسَنُ التَّصَرُّفِ فِي مِثْـلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ هُوَ مَنْ يَضْبِطُ كَلامَهُ ويُمْسِكُ لِسانَهُ؛ لِئَلا يَتَفَوَّهَ بِأَيِّ كَلِمَةٍ قَد تَزِيدُ مِنْ تَعْـقِيدِ النِّزَاعِ القَائِمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ سَيَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الخِلافَاتِ؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء ـ 53)، وَعَلَى المَرْءِ أَنْ يَتَجَمَّـلَ بِالصَّبْرِ وَالتَّحَمُّـلِ إِذَا مَا صَدَرَ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ شَيْءٌ مِنَ الأَلْفَاظِ الجَارِحَةِ أَوِ الكَلِمَاتِ النَّابِيَةِ، فَإِنَّ هُنَاكَ مَلَكًا يَرُدُّ عَنْهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَجُلاً شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) جَالِسٌ، فَجَعَلَ (صلى الله عليه وسلم) يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟ قَالَ:(إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ)، ثُمَّ قَالَ:(يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ؛ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا قِلَّةً).

عِبَادَ اللهِ:
إنَّ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ حَثَّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى التَّسَامُحِ وَالعَفْوِ وَالصَّـفْحِ، وَلَفَتَ نَظَرَ المُتَخَاصِمَيْنِ أَنَّ اللهَ هُوَ العَفُوُّ وَأَنَّهُ يُحِبُّ الرَّجُلَ الَّذِي يَعْـفُو وَيَصْـفَحُ، بَلْ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْهُ وَيَعْـفُو عَنِ سَيِّـئَاتِهِ، يَقُولُ ـ جَلَّ وَعَلا:(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور ـ 22)، كَمَا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ العَفْوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّقْوَى، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لا يَنْسَى المُتَنَازِعَانِ الأَيَّامَ الجَمِيلَةَ الَّتِي قَضَوْهَا قَبْـلَ أَنْ يَقَعَ الخِلافُ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ تَعَالَى:(وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة ـ 237)، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِهِ المُحْسِنِينَ حَيْثُ قَالَ: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران ـ 134)، وَقَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم) فَضْـلَ السَّمَاحَةِ وَالتَّسَاهُلِ عِنْدَ التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ فَقَالَ:(رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْـتَضَى)، إِنَّ صِفَتَا العَفْوِ وَالصَّـفْحِ كَانَتَا مِنْ أَخْلاقِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَتَأَسَّى بِهِ فِيهَا، فَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجَدَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) فَقَالَتْ:(لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّـشًا، وَلا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلا يَجْـزِي بِالسَّيِّـئَةِ السَّيِّـئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْـفَحُ)، فَيَنْبَغِي مِنَ المُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى العَفْوِ وَالتَّسَامُحِ؛ رَغْـبَةً فِيمَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَإِبْـقَاءً لِلأُلْفَةِ وَالتَّقَارُبِ بَيْـنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ المُسْـلِمِينَ، فَإِنْ ذَلِكَ يُعَدُّ قُرْبَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى ـ 40)، وَمَنْ تَرَكَ شَيْـئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَالعَفْوُ عِنْدَ المَقْدِرَةِ مِنْ شِيَمِ المُؤْمِنِينَ الأَقْوِيَاءِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ). وَقَدْ فَهِمَ السَّـلَفُ الصَّالِحُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّـةِ أَنَّ الْعِزَّ فِي الصَّـفْحِ وَالعَفْوِ؛ فَقَدْ قِيلَ لأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَنْ أعَزُّ النَّاسِ؟ فَقَالَ:(الَّذِينَ يَعْـفُونَ إِذَا قَدَرُوا؛ فَاعفُوا يُعِزَّكُمُ اللهُ تَعَالَى)، وَقَالَ الأَحْـنَفُ بْنُ قَيْسٍ:(إِيَّاكُمْ وَرَأْيَ الأَوْغَادِ، قَالُوا: وَمَا رَأْيُ الأَوْغَادِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَرَوْنَ الصَّـفْحَ وَالعَفْوَ عَارًا).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاحرِصُوا عَلَى الوُدِّ وَالوِئَامِ بَيْـنَكُمْ، وَلْيَكُنْ خُلُقُ التَّسَامُحِ والعَفْوِ وَالصَّـفْحِ حَاضِرًا فِي حَيَاتِكُمْ وَتَعَامُلاتِكُمْ لِتَنَالُوا القُرْبَ مِنْ رَبِّكُمْ، وَالرَّاحَةَ وَالسَّعَادَةَ فِي حَيَاتِكُمْ، وَالفَوْزَ وَالفَلاحَ فِي آخِرَتِكُمْ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

الحَمْدُ للهِ الْقَائِلِ:(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر ـ 85)، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّـقِينَ وَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَنَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ عَلى الْعَفْوِ وَالتَّسَامُحِ لِلْقَضَاءِ عَلَى مَادَّةِ الْخِصَامِ، فَهُنَا عَلَى المُتَخَاصِمَيْنِ أَنْ يَتَّقِيَا اللهَ وَيَسْـتَبْـقِيَا نِقَاطَ تَصَالُحٍ بَيْنَهُمَا، وَيَرْتَفِعَا إِلَى أَهْـلِ الفَضْـلِ وَالخَيْرِ أَوْ لِجَانِ التَّوْفِيقِ وَالْمُصَالَحَةِ لِحَلِّ الإِشْكَالِ الحَاصِلِ بَيْـنَهُمَا، وَالصُّلْحُ سَيِّدُ الأَحْـكَامِ، وَقَد دَعَا اللهُ عِبَادَهُ إِلَيْهِ عِنْدَمَا قَالَ:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات ـ 10)، وَحَلُّ الْخِصَامِ بِالصُّلْحِ أَدْعَى إِلَى أَنْ يَخْرُجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُتَخَاصِمَيْنِ وَهُوَ رَاضٍ؛ لأَنَّ فِي الصُّلْحِ مَجَالاً لِلْبَحْـثِ عَنْ حُلُولٍ تُقَرِّبُ وِجْهَاتِ النَّظَرِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهُـنَا أَيْـضًا ـ عِبَادَ اللهِ ـ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُتَخَاصِمَانِ مَجَالاً لِلصُّـلْحِ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّنَازُلِ وَالْعَفْوِ وَالتَّسَامُحِ؛ حَتَّى لا يَقَعَا بِخِصَامِهِمَا فِي لَدَدِ الخُصُومَةِ، الَّذي حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ عِبَادَهُ بِقَوْلِهِ:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) (البقرة ـ 204)، و(الألَدُّ) مِنَ الرِّجَالِ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ الَّذِي يُجَادِلُ بِالْباطِلِ، وَقَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ حِينَ قالَ:(إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ)، بَلْ جَعَلَ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم) ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَدْ ذَكَرَ مِنْهَا:(.. وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) ـ أَيْ: مَالَ عَنِ الحَقِّ وَقَالَ البَاطِلَ وَالكَذِبَ ـ فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الصُّـلْحُ بَيْنَهُمَا وَتَرَافَعَا إِلَى القَاضِي الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَّقِيَا اللهَ تَعَالَى، وَأَلاّ يَقُولا إِلاَّ الْحَقَّ، وَعَلَيْهِمَا أَنْ يَحْرِصا عَلَى أَنْ يَكُونَا مُسْـتَقِيمَيْنِ فِي نِزَاعِهِمَا، وَأَنْ يَحْذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَهُ، فَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم):(إِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّـتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاحْرِصُوا عَلَى أَلاَّ تَأْخُذُوا مَا لَيْسَ لَكُمْ، وَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنِ الْخُصُومَةِ قَدْرَ اسْـتِطَاعَتِكُمْ، تَآلَفُوا تَقَارَبُوا تَصَالَحُوا، يُصْـلِحِ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ جَمِيعَ أَحْوَالِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.

اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى