الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـن مـواقـف الـرحـمة (3)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـن مـواقـف الـرحـمة (3)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الـرسـل أجـمـعـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن مـواقـف الـرحـمة للـرسـول الكـريـم (صلى الله عليه وسلم): لـقـد سـار الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) في مـوكـب الـنـصـر، يـوم فـتح مكـة حانياً رأسـه تـواضـعـاً لله، واعـتـرافاً بـفـضـله سـبحانه عـلـيه وعـلى الـمـؤمـنين، حتى تعــذر عـلى الـنـاس رؤيـة وجـهـه الشـريـف، وحتى كادت ذؤابـة عـمامته تـلامـس عـنـق جـمله، مـردداً ابتـهـالات الشـكـر الـمـمـزوجـة بالــدمـوع. سـأل الـرسـول أعـداءه بـعـد أن تمـكـن مـن دخـول مـكـة، واسـتـقـر به الـمـقـام بالـبيت الحـرام قـائـلاً: يا مـعـشـر قـريـش، ويا أهـل مـكـة، واشـرأبت إلـيه الأعـنـاق وزاغـب الأبـصار، سـألهـم: مـا تـظــنـون أني فـاعـل بـكـم؟ وصـاحـت الجـمـوع الـوجـلة بـكلـمـة واحـدة، كأنـما كانـوا عـلى اتفـاق مـسـبـقاً بــترديــدهـا قـالـوا: خـيراً أخ كـريـم وابن أخ كـريـم، فـقال قـولته الـمشـهـورة:(اذهـبـوا فـأنـتـم الـطـلـقـاء)، ولـقــد فـوجـئ الـمـذنـبـون الـذين كانـوا ينـتـظـرون الـقـصاص العـادل، الـذي كانـوا يـستحـقـونه عـلى ما ارتـكـبـوا مـن الجـرائـم، أنـعـم عـليه بأنـبـل العـفـو وأجـل الصـفـح، حـتى قال أبـو سـفـيان بن حـرب الـذي ناصـب الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) الـعــداء أعـوامـا طـويـلة:(بأبي أنـت وأمـي يا رسـول الله، ما أرحـمـك وما أحـلـمـك، وما أحـكـمـك وما أوصـلـك للـرحـم ما أكـرمـك).
يا سـيـدي يا رسـول صلى الله عـلـيـك، ما أجـمـل عـفـوك عـنـد الـمـقـدرة، وما أعـظـم نفـسك التي سـمـت كل هــذا الـسمـو، فـتسـامت فـوق الحـقـد والحـسـد والبغـض وفـوق الانـتـقـام، لـقـد تـرفـعـت عـن كل عـاطـفة دنيـئة، وبـلـغـت مـن الـنـبـل فــوق ما يـبـلـغ الإنسان، ولـم تـكـن تعـرف الـعـداوة، بـل لـم تـكـن تـريــد أن تـقـوم بـين الـناس، لـقـد مكـنـك الله مـن عــدوك، فـقــدرت فـعـفـوت فـضـربت أروع مـثـل للـعـالم كـله، عـلى مـر الـزمـان واتسـاع الـمـكان، مـثـلا في العـفـو والصـفـح، فـلم تـجـعـل مـكـة الـمـكـرمة يـوم فـتحـها، يـوم تـشـف ومحـاسـبة وأخـذ الـثـأر، بـل جـعـلـته يـوم بـر ورحـمة وسلام وهـكـذا مـوقـف الـعـظـماء.
وعـفـوه (صلى الله عليه وسلم) عـن أهـل مـكـة الـمـكـرمة، يـذكـرنا بـعـفـوه عـن أهـل الـطائـف، الـذين كـذبـوه أشـد الـتـكـذيب، واسـتخـفـوا بـه وبـدعـوته، واسـتـهـزؤوا به وبـدعـوته، بـل اغــروا به سـفـهاءهـم وعـبـيـدهـم وصـبـيانهـم، فـرمـوه بالحجـارة فـدمـيت قـدمـاه ذلك مـوقـف أهـل الـطائـف.
حتى جـاءه الـروح الأمـين جـبـريـل عـليه السلام يسـتأذنه، أن يـطـبـق عـليهـم مــلك الجـبال الأخـشـبـين، جـبـلا مـكـة العـظـيـمين فـما زاد (صلى الله عليه وسلم) أن قال:(اللهـم اهـد قـومي فإنـهـم لا يـعـلـمـون، لـعـل الله أن يخـرج مـن أصـلابهـم مـن يـوحـد الله تعالى) لـقـد عـفـى عـنهـم، واعـتـذر مـنهـم وتـوسـم بأبـنائـهـم الخـير.
هـذا عـن عـفـوه الجـمـاعي، فـما ذا عـن عـفـوه الـفـردي؟، يـتجلى عـفـوه الـفـردي بالصفـح عـن نـفـر مـن الـمشـركـين، بالـغـوا في عـداوتهـم وأذيـتهـم يـوم فـتـح مـكـة، بحـيث ضاقـت عـليهـم الأرض بما رحـبت، وضاقـت عـليهـم أنفـسهـم، وهـامـوا عـلي وجـوهـهـم، ومـن أولـئـك الـذين هامـوا عـلى وجـوهـهـم صـفـوان بن أمـية الـذي شـد رحـالـه نحـو جـدة لـيبحـر مـنها إلى الـيـمـن.
واشــتـد إشـفاق عـميـر بن وهـب عـلى صـديـقـه صـفـوان بن أمـية، وصـمم أن يـسـتـرده مـن يـد الـشـيطان بـل وسـيلة، وذهـب مـسرعـاً إلى رسـول الله (صلى الله عليه وسلم)، فـقال له: يا نبي الله، إن صـفـوان بن أمـية سـيـد قـومه، وقـد خـرج هـاربا مـنـك، لـيقـذف نفـسه في البحـر، فأمـنه (صلى الله عليه وسلم)، فـقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(هـو آمـن ..) قال: يا رسـول الله، اعـطـني آية يـعـرف بها أمانـك، فأعـطاه الـرسـول (صلى الله عليه وسلم) عـمامـته التي دخـل بها مـكـة المـكـرمة، فخـرج بها عـمـير حتى أدركـه وهـو يـريــد أن يـركـب الـبحـر، فـقال: يا صـفـوان فـداك أبي وأمي الله الله في نـفـسـك، إن تهـلكـها هـذا أمان رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) قـد جـئـتـك به، إن رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) أفـضل الناس وأبـر الناس، وأحـلم الناس عـزه عـزك، وشـرفـه شـرفـك، قال صـفـوان: إني أخـاف عـلى نفـسي، قال عـمـير هـو أحـلـم مـن ذلك وأكـرم، فـرجـع صـفـوان مـعـه، حتى دخـل يه عـلى رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) فـقال صـفـوان لـرسـول الله (صلى الله عليه وسلم): إن هـذا يـزعـم أنـك أمـنتـني، فقال (صلى الله عليه وسلم):(صــدق) قال صـفـوان: فاجـعـلني في الخـيار شـهـرين، فقال (صلى الله عليه وسلم):(أنـت في الخـيار أربـعـة أشـهـر) وفـيما بـعـد أسـلم صـفـوان.
وروي أن أعـرابـياً جـاء رسـول الله (صلى الله عليه وسلم) يطـلب مـنه شـيئاً فأعـطاه ثـم قال له: أحسـنت إلـيك؟، قال الأعـرابي: لا ولا أجـملـت، فـغـضـب وقاموا إلـيه، فـأشـار إليـهـم أن كـفـواً، ثـم قام ودخـل مـنـزله، فأرسـل إليه وزاده شـيئاَ، ثـم قال له: أحـسنـت إلـيـك، قال: نـعـم ، فـجـزاك الله مـن أهـل وعـشـيرة خـيراً، فـقال النـبي (صلى الله عليه وسلم): إنـك قـلـت ما قـلـت آنـفـا وفي نـفـس أصحـابي مـن ذلك شـئ، فإن أحـببت فـقـل بـين أيـديـهـم ما قـلـت بـين يــدي، حتى يـذهـب ما صـدورهـم عـلـيـك قال: نـعـم، فـلما كان الغــد جـاء النبي (صلى الله عليه وسلم):إن هـذا الأعــرابي، قال ما قال، فـزدناه، فـزعـم أنه رضي أكـذلك؟ قال: نـعـم، فـجـزاك الله مـن أهـل عـشيرة خـيراً، فـقال رسـول الله (صلى الله عليه وسلم):(مـثـلي ومـثـل هـذا رجـل له ناقـة شـردت، فاتـبـعـها الناس، فـلـم يـزيـدوهـا إلا نـفـورا، فـنـاداهـم صاحـبها، فـقال لهـم: خـلـوا بـيني وبـين ناقـتي، فـإني أرفــق بها مـنـكـم وأعـلـم، فـتـوجـه لها بـين يـديـها فأخـذ مـن قـمام الأرض، فــردهـا، حتى جـاءت، واسـتناخـت، وشـد عـليها رحـله واسـتـوى عـليها).
.. وللحـديث بـقـيـة.

إلى الأعلى