الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رسالة الحرف في كتاب الله تعالى

رسالة الحرف في كتاب الله تعالى

إعداد/علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: من هذا القبيل هاتان الآيتان الكريمتان (قل إن الأمر كله لله), وقال سبحانه:(والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين).
فالآية الأولى تثبت أن الأمر ثابت لله وحده, لا يشاركه فيه غيره, أما الآية الثانية فإذا نظرنا في سياقها, وجدنا أن لها معنى آخر, فملكة سبأ حينما جمعت الملأ (قالت يا أيها الملآ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون).
فهي لا تشك في أن الأمر لها هي وهم لا يشكون كذلك, ولذا قالوا لها مجيبين قال الله مبيناً ذلك:(نحن أولو قوة وأولو بأسٍ شديدٍ والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين).
فهم لا يريدون أن يبينوا أن الأمر ثابت لها فهذا لا تجهله هي, ولا ينازعون هم فيه كذلك, إنما يريدون أن يبينوا ــ والله أعلم بمراده ــ أننا مهما أبدينا من آراء, وأيا كانت المشورة التي نشعر بها, فإن نهاية ذلك كله, إنما هو راجع اليك أنت, فآراؤنا جميعا وأقوالنا ومشورتنا,ليست شيئا مذكورا, فأنت صاحبة القرار الأخير.
وهكذا ندرك أن كلا من الحرفين أعطي ما لم يعطه الآخر.
ومن هذا ما نجده من أسرار بيانية في استعمال الحروف بين هاتين الآيتين قال تعالى:(هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون), وقوله سبحانه:(وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام).
فالآية الأولى التي ذكر فيها اللام وما يشبهها جاءت تبين أن الله أنزل الماء من أجلهم لتحيا به الأرض وليشربوا وأنعامهم , وهكذا نجد أن الآيات الكريمة التي ذكرت فيها نعمة إنزال الماء يذكر فيها هذا الحرف اللام (لكم).
ولعل الآية الوحيدة التي ذكر فيها حرف الجر (على), الآية الثانية (وينزل عليكم) وهي كما نعلم جاءت تتحدث عن نعم الله على المؤمنين في بدر, فما سر هذا النظم الدقيق في استعمال الحروف ووضع كل شئ في المكان الذي يتسق معه جمالاً وموضوعاً.
إن انزال الماء من السماء من أجمل نعم الله فلا تتم الحياة الا به (لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيراً), لذا كانت اللام هي التي تدل هذه الدلالة الواسعة.
أما في آية بدر فكان انزال الماء لحكمة اقتضاها الظرف الذي يعيشه المؤمنون في هذه الفلاة من الأرض فلقد كان انزال الماء عليهم لأن هدفه تطهير ابدانهم مما أصابها من حدث وذلك ليقابلوا العدو بنفوس طاهرة, وأجسام طاهرة كذلك, وأيد متوضئة.
أي بشر بل أي أدب بل أي عقل وأي دقة وأي إحكام يمكن أن تصل الى هذه الدقة البديعة, وصدق الله:(قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً).
ومن هذا القبيل قوله سبحانه:(وأوحى ربك الى النحل), ((وأوحينا الى أم موسى أن أرضعيه), (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا), (وأوحينا اليه لتنبئنهم بأمرهم هذا), (إنا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده).
وهكذا تجد الآيات التي جاء فيها الوحي جاءت على هذا النمط, ذكر فيها حرف الجر (إلى) ولكن آية واحدة في كتاب الله وجدناها تخرج عن هذا النمط, ويخالف فيها ذلكم السياق, حيث لا يتعدى الفعل فيها ب (إلى) وإنما يذكر حرف آخر وهو (اللام), وهذه الآية هي قوله سبحانه: (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الانسان مالها، يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها).
وما نظن أن اللام والى يتعاقبان ــ كما قيل من قبل ــ ولكننا إذا أمعنا النظر في الآيات,وجدنا هذه الآية دون غيرها, كان الوحي فيها للجماد, وهي الأرض, أما غيرها من الآيات, فكانت إما للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإما لغيرهم من العقلاء, وإما لغيرهم من ذوي الحياة, كالنحل مثلاً, وهكذا نجد أن تغير الحرف إنما جاء يشير الى أمر وقضية, حري بها أن تتدبر.
الوحي للجماد عدي بـ (اللام) ومنه قول الراجز (وحي لها القرار فاستقرت) وذلك أن الأرض سخرت دون أن يكون لها جهد في هذا الوحي أما غير الجماد فليس كذلك لأن له جهدا فيما أوحي له سواء كان هذا الجهد فكراً وتدبيراً كما هو من العقلاء أم كان سيراً والهاماً، كما هو لغير العقلاء وكما تفعل النحل.
ثم إن آيات الوحي كلها كان الحديث عنها في الدنيا أما هذه الآية الأخيرة فإن الحديث عنها في الآخرة, (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى