الخميس 18 يناير 2018 م - ٣٠ ربيع الثانيI ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (1)

العلم وأثره في هداية الخلق واستقرار المجتمعات (1)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
لا يقف دور العلم عند أسوار المعرفة الشخصية، والالتذاذ الذاتي، وبالوصول إلى اكتشافٍ مَّا قبل الآخر، ولا يعني أبدا أن يحصِّل المرء قدرًا مّا من العلوم حتى يشار إليه بالبنان، أو يُذكَر على كل لسان، أو يكون لصاحبه ذكْر بين الأنام، إنما للعلم في منظور الإسلام غاية جُلّى، وهدف أسمى، وغاية أخرى، هذه الغاية تكمن في الأخذ بأيدي الخلق إلى رحاب الحق، والصعود بالمجتمعات من السفوح إلى القمم، ومن الخمول والكسل إلى التصدر وحمل الراية والوصول إلى العزة القعساء والشمم، في كل محفل، وتكون شامة بين الأمم ولكن بهدف نبيل هو إرجاع الناس إلى طريق الله، والعلم نمطان، علمٌ دنيويٌّ لا يعلم الناس فيه إلا ظاهراً من الحياة الدنيا حيث الزهو والفخار، والعلو والاستكبار، وعلم دنيوي ولكنه محوط بضوابط الشرع، وقواعد الإسلام ومقاصد الإيمان، ذلك العلم الذى امتدح القرآن أهله، ومجد أصحابه حيث قال ـ عزَّ من قائل عليماً:(إنما يخشى الله من عباده العلماء)، ولم يقل:(إنما يخاف) لأن الخشية مقام فوق مقام الخوف، ومنزلة أسمى حيث يكون العلم وسيلة وسببا في الاقتراب من الله ـ جلَّ في علاه ـ واستنزال هداه، واستمطار رحماه ـ عزَّ في سماه ـ وبهذا العلم الذي يورث الخشية يرتفعون قدراً، ويزيدون منزلة، قال الله سبحانه:(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).
إنّ العلم في منظور الإسلام له أهداف، وعليه تبعات وتكاليف، ولمنْ حصّله بحقِّه واجبات ثقال، وفي حملها والقيام بها صعوبة تناهز الجبال، فأولها أنه يورث الخشية من الله، بحيث يمنع صاحبه من استغلاله في دمار البشر أو توجيهه لظلم المجتمعات لأن العالم الحق يرى قدرة الله ماثلة في كل مكان، في معامله، في غرفة عملياته، في مصانعه، في متاجره ،في تجاربه، في كل تخصصاته وفنونه، فقدرة الله تتجلى في كل شيء حوله أو يلمسه أو يتعامل معه، وثانيها حرصه الشديد على بيان قدرة الله في تخصصه، ويبرزها للناس في كل مكان يذهب إليه، ويستغل علمه في تقريب الناس من ربهم، فكم اهتدى من وراء التزام العلماء من الخلق!، وكم عاد أناس إلى رحاب الإيمان والحق، بحديث هذا العالم أو كلام ذاك العلم الفذ، أو بكاء هذاك المكتشف!، وكم تاب أناس، وأنابوا إلى الله عندما يرون واحدا بلغ قمم العلم، وهو يبكي إذا ذكر اللهَ في حديثه، وأجهش بالبكاء في محاضرته، أو قام من مجلسه، وهو يبيِّن عظمة الله في تخصصه، فسجد طويلا على أرض المحاضرة مقرًّا معترفا بنعم الله عليه، (وقد رأيت بعينيَّ هاتين أحد علماء العيون بعدما بيَّن في ندوته قدرةَ الله تعالى قام من كرسيه، ونزل إلى الأرض هابطاً ساجداً لله الذي خلقه)، إن العلماء هم مصابيح المجتمعات ، بهم تَرَى ، وعلى هدْي كلامهم تسير، وكم من عالم اهتدى على يديه خلق كثيرون، وأناب إلى الله على إثْر حديثه طلابُ علم لا يُحْصَوْن عددا ذلك لأن هدفه هو خشية الله، وتعبيد الناس لله، وليس فقط أن يكون علَّامة قومه، وسيِّد عصره، ووجيد قرنه في علمه، دونما أخذٍ بأيديهم على طريق ربهم، وسنة رسولهم (صلى الله عليه وسلم)، وسأضرب من القرآن الكريم نماذجَ حيةً واضحة على ذلك، فهذا هو سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ آتاه الله علماً كبيراً، وأعطاه الحكمة وفصل الخطاب، فقام على الفور بتطوير مجتمعه، وتحويله من مجتمع وثني، إلى مجتمع ملائكي، ومن بشر يفكرون في الشر، إلى أناس يحلمون ـ حتى وهم نائمون ـ بالخير، وفعْل الخير، واستغلَّ ما آتاه الله من علم، وجاهد حتى اهتدى بسببه عالم بأسره، وحضارة بكل ما لها وما عليها، وذلك سبب الهدهد الذى كان واعياً حصيفاً، وداعية فصيحاً، فمملكة بأكملها بلغت قممَ الحضارة (كما حكى الهدهد في تقريره المفصل لسليمان) عندما وجد سيدةً تعبد أحدا غير الله، وتسجد للشمس هي وقومها، فماذا فغل سيدنا سليمان ـ عليه السلام؟!.
يحكي القرآن الكريم هذه القصة ليبيِّن لنا أن العلم لا بد أن يكون مطية للهداية، وسببًا للقرب، وطريقا صحيحة للعبادة الحقة، وسبيلا وزلفى إلى الله عزوجل فعندما قال سيدنا سليمان ـ عليه السلام:(ما ليَ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتينِّي بسلطان مبين)، جاءه الرد سريعاً غير بطيء من الهدهد، الذى امتلأ قلبه وفكره وعقله بحبِّ الله، وحب عبادته، والتقرب بطاعته، وتعجَّل بالرد الذى اجتلب قلبَ سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ قال القرآن الكريم حاكيا هذا الموقف النبيل:(فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به) كلام مجمل، لكنه مقصود حتى يجتذب كلَّ تفكير نبيِّ الله سليمان ـ عليه السلام ـ فهو على صغر حجمه أحاط بما لم يُحِطْ به نبيٌّ من أنبياء الله، آتاه الله ما لم يُؤتِ كثيرا من النبيين، من تسخير الريح، وعمل السابغات، وسهولة تشكيل الحديد، ونحوها من آلاء لم تُعْطَ لكثير من الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ ثم بدأ في استعراض تقريره الدقيق المفصل بقوله لنبي الله سليمان ـ عليه السلام:(إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم)، حديث صادق، منظم ، تحدث فيه باختصار ودقة عن المسألة أو القضية بكل جوانبها، وبحثها من جميع زواياها، فالمرأة ذات مال وخدم وحشم ونظام متكامل ومجلس شورى، يجتمع لأيِّ نائبة تحدث، ويُبْدِي رأيه في كلِّ ما يُطلَب إليه، ولديها حضارة رفيعة المقام، حتى إنها لَتملكُ عرشا خاصا لها، وصفه الهدهد بالعظمة لما رأى منظره الجالب للنظر، السالب لِلُّب، ثم راح يفسّر أكثر فأكثر عن السبب الذى جعله لا ينام، ويأتي سريعا لإخباره ووضع التقرير قبالة ناظريه، وعلى بساط البحث والنظر:(وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)، فهم قوم يعبدون الشمس، وعندهم تخلف عقدي مع أن لهم علمًا وعروشًا، وأنهم ـ عن بكرة أبيهم ـ يسجدون للشمس من دون السجود لله، وهذا يتكرر منهم، ويستمر، فالفعل الذي تفوه به مضارع(يسجدون)، والمضارع يفيد الاستمرار، ثم راح يذكر السبب الذى حال بهم إلى هذا العمل الوثني، غير المقبول شرعاً ووضعاً وعقلاً:(وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون)، ونواصل الحديث حول تقرير الهدهد في لقاء آخر، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى